الثلاثاء ١٢ تموز (يوليو) ٢٠١١
بقلم بوعزة التايك

صيحة الديك

صاح الديك. صاح وصاح ثم صاح وصاح فاستيقظ الموتى في قبورهم، منهم من بدأ بالنقد الذاتي ومنهم من استعد للموت مرة أخرى. صاح الديك فنفضت الموجة عنها غبار النوم والهواجس ثم قامت لتقبيل الصخور ومداعبة الشواطئ. صاح الديك فتحسس العندليب عشه وقلبه وحمد الله أن أنثاه ما زالت بجانبه. صاح الديك فتململ الغصن باحثا عن الندى للوضوء فالصلاة. صاح الديك فتحرك الموتى داخل قبورهم، منهم من يستعد لحفر قبر آخر داخل قبره ومنهم من يستعد لضرب رأسه بسقف القبر. صاح الديك فقامت الحمامة عن بكرة صغارها لمواجهة سهام أقسى من السهام التي غرسها الأعداء في صدرها قبل أن تنام بعد أن حكتلهم قصصا مثيرة حول نوعية السهام ورماتها.

صاح الديك فاستيقظت الزهرة لتجد السحابة التي كانت ستأتيها بماء الوضوء مذبوحة بجانبها. صاح الديك فغادرت الزهرة فراشها تاركة وراءها دما خاثرا وورقة كتب عليها: لقد حان وقت الإعدام. صاح الديك ففتحت الوردة عينيها ثم أقفلتهما إلى الأبد لأنها عرفت بحسها وفطرتها أن الزمن لم يعد زمن البوح بالحياة والحب. صاح الديك فبكت عروس البحر لأن اليوم يوم حرب على المحبين الذين سيزفون إلى بعضهم البعض.

صاح الديك فلم تستيقظ الغابة لأنها متعبة من كثرة البكاء على مصيرها. صاح الديك فلم يرفرف النسر ولم تعد لديه رغبة في إظهار قوته بعد أن رأى بأم عينيه المنايا تختار أسهل وألطف الضحايا.

صاح الديك فلم يحرك النهر ساكنا لأنه فهم ألا جدوى من الجريان بعد أن رأى الأزهار تفخر بأنها تسقى بسم الثعابين. صاح الديك فأشرقت الشمس وهي تبكي لأنها وعت أخيرا أنها لا تشرق إلا للظالمين ومصاصي الدماء. صاح الديك فصرخ الطفل فزعا لأنه رأى أثناء نومه أن كل من استيقظ ووجد نفسه حيا سيموت بحد الرصاص والنار. صاح الديك فصرخ الطفل من هول الفاجعة لأنه سمع أثناء الليل أن الأطفال سيحكم عليهم بأداء وظيفة الجلادين وأنهم سيبدأون بتعذيب أمهاتهم وذبح طيورهم وحرق نهود زميلاتهم في المدرسة.

صاح الديك فأغمي على الطفل لأن أباه طلب منه قبل النوم أن يستحم صباحا وأن يجلس أمام الباب منتظرا دوره لأن اليوم يوم عيد الأضحى. صاح الديك فارتعش الطفل لأنه عمل كل ما في وسعه دون جدوى لشحذ السكين الذي سيذبح بها عندليبه. صاح الديك فأخذ الطفل يعض نفسه ويصرخ عاليا لأنه سيقوم اليوم بمهمة لم يستعد لها كما ينبغي: سيقطع لحمه إربا إربا.

صاح الديك فتململ الموتى داخل قبورهم وحمدوا الله أنهم ليسوا أحياء يرزقون. صاح الديك. صاح وصاح ثم صاح وصاح وبعدها بكى لأنه تعب من "الرقص مذبوحا من الألم". لأنه تعب من إيقاظ الموتى والذين سيموتون. لأنه لم يعد قادرا على سماع دوي انفجار أكباد الأطفال لحظة شروق الشمس. بكى لأنه لم يعد قادرا على سماع لحن النار وهي تلتهم قلوب اليتامى.

صاح الديك. صاح وصاح ثم صاح وبعدها بكى لأنه رأى في حلمه.. لأن النجمة قالت له.. لأن القمر أخبره.. لأن سدول الليل قالت له.

لأنه رأى في حلمه أن الغراب سيعوضه لإيقاظ الناس وأنه هو الديك المقدس سيتكلف بمهمة أخرى.

لأنه هو الديك الذي كان يؤذن للرسل والأنبياء سيصبح مكلفا فقط بصلاة الجنازة على أرواح المظلومين والنائمين على حافة المقبرة المنسية .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى