فواز الجبر
– الشاعر السوري فواز محمد الجبر، ولد في ٢٠ من كانون ثاني (ديسمبر) ١٩٥٨ في هضبة الجولان.
– يقيم حاليا في الإمارات العربية المتحدة.
– تخرج سنة ١٩٨٠ من جامعة دمشق في الأدب الانكليزي، بشهادة ليسانس.
– الشاعر فواز قاص يكتب القصة القصيرة إضافة للشعر.
– من مؤلفاته ديوان (السنابل)، صدر في الإمارات عام ٢٠٠٧ عن «دائرة الثقافة». عدد الصفحات ٥٢ صفحة ورقم الكتاب الدولي: 19\1960

مشاركة منتدى
٨ شباط (فبراير), ١٥:١٠, بقلم فواز الجبر
اللوحة الناقصة
عُلِّقت اللوحة في البهو الرئيسي للمبنى الحكومي العتيق في ليلةٍ غاب فيها الشهود. لم يُسجَّل اسم الرسام، ولم تُذكر الجهة التي أمرت بتعليقها، وكأن وجودها حقيقة قديمة لا تحتاج إلى تفسير. كانت كبيرة بما يكفي لتفرض الصمت على المكان، ومكتملة التفاصيل إلى حدٍّ محير، باستثناء مساحة صغيرة في أسفلها الأيسر، تُركت بيضاء خالية، لا لون فيها ولا خط.
تظهر في اللوحة مدينةً واسعة، أبنيتها متقاربة، شوارعها مستقيمة، نوافذها متشابهة، والناس فيها يسيرون بخطوات متناسقة، رؤوسهم مائلة بالزاوية نفسها، وكأنهم يتبعون إيقاعًا لا يُسمَع. في السماء لم تكن هناك شمس واضحة ولا قمر بل ضوء رمادي موزّع بعدالة لا يترك ظلًا حقيقيًا.
مرّت السنوات، وأصبحت اللوحة جزءًا من المكان يراها الموظفون كل يوم دون أن ينظروا إليها. كانت تُستَخدم كدليل على “الاستقرار”، ويشير إليها المسؤولون أثناء الجولات الرسمية قائلين إن المدينة المرسومة تجسد المثال الأعلى للنظام والانسجام.
وحده سليم (ربما)، موظف الأرشيف الصغير، كان يشعر بانقباضٍ كلما وقف أمامها. لم يكن يعرف السبب، لكنه كان يحدّق في المساحة البيضاء طويلًا، كأنها تناديه. حاول مرة أن يسأل مديره عنها، فجاءه الرد سريعًا ومختصرًا:
"بعض الأسئلة لا تُفيد العمل".
في إحدى الليالي وبينما كان سليم يعمل متأخرًا لترتيب ملفات قديمة، انقطع التيار الكهربائي. خيّم الظلام على المبنى ولم يبقَ سوى ضوءٍ خافت صادر من مصباح الطوارئ في البهو. مرّ سليم أمام اللوحة، فتوقّف فجأة. شعر أن الفراغ الأبيض لم يعد كما كان. لم يُرسم فيه شيء، لكنه لم يعد صامتًا.
اقترب أكثر، ووضع يده على الزجاج. في تلك اللحظة، راوده إحساس غريب بأن المدينة داخل اللوحة تراقبه. لم تتحرك الأشكال، لكن الصمت صار أثقل كأنه ممتلئ بأسئلة غير منطوقة.
في اليوم التالي، انتشرت شائعة غير واضحة المصدر. قيل إن أحد الشوارع الرئيسية في المدينة الواقعية تغيّر مساره قليلًا بعد أعمال صيانة مفاجئة. لم يكن التغيير كبيرًا لكنه أثار قلق بعض السكان، لأن الشارع كان معروفًا باستقامته منذ عقود. وبعد أيام لاحظ الناس أن بعض الوجوه في الإدارات الحكومية لم تعد متشابهة كما اعتادوا، نبرة صوت هنا أو نظرة مختلفة هناك.
عاد سليم إلى اللوحة، فلاحظ أن الفراغ الأبيض صار أكثر وضوحًا، كأنه يتسع دون أن يكبر. شعر بأن اللوحة لم تعد تصوّر المدينة فقط، بل تعكس ما يُخفى عنها.
بدأ بعض الموظفين يتساءلون همسًا عن اللوحة. لماذا تُركت ناقصة؟ ولماذا يشعر من يقف أمامها بشيء من القلق غير المبرر؟ لكن الأسئلة لم تكن تُطرَح في الاجتماعات، بل في الممرات الضيقة، أو خلف الأبواب المغلقة.
اجتمع كبار المسؤولين أخيرًا. لم يكن الاجتماع مُعلنًا، ولم تُدوَّن محاضرة. خرج القرار سريعًا: تُغطّى اللوحة بقماشٍ داكن وتُزال من البهو حتى إشعار آخر. قيل رسميًا إن الهدف هو “إعادة ترتيب المكان”، لكن الجميع فهم أن الغموض صار غير مرغوب فيه.
في صباح اليوم التالي، دخل الموظفون فوجدوا القماش يغطي اللوحة بإحكام. ساد شعور غريب بالراحة المؤقتة، كأن عبئًا أُزيل. غير أن سليم شعر بالعكس تمامًا. بدا له أن الفراغ لم يُغطَّ بل انتقل.
بعد أيام قليلة، بدأ شيء آخر يحدث. في المقاهي، صار الناس يرسمون على أي شيء أمامهم مربعات بيضاء دون قصد. في المدارس، ترك بعض الطلاب زوايا أوراقهم فارغة، رافضين ملئها. وفي الاجتماعات العامة، ظهرت فترات صمت غير معتادة لا يجرؤ أحد على كسرها.
لم يكن هناك شعار ولا حركة واضحة، فقط إحساس عام بأن شيئًا ما ناقص، وأن هذا النقص لا يمكن تجاهله.
حاولت السلطات تفسير الظاهرة بطرق مختلفة: ضغط العمل، تغيّر المناخ، شائعات بلا أساس. لكن أحدًا لم يستطع إنكار أن المدينة لم تعد تشبه الصورة التي كانت في اللوحة.
ذات مساء، عاد سليم إلى البهو بعد انتهاء الدوام. وجد القماش قد أُزيح قليلًا، كأن يدًا خفية حاولت رفعه. نظر إلى اللوحة، فتجمّد في مكانه. الفراغ الأبيض لم يعد فارغًا تمامًا، لكنه أيضًا لم يُملأ. كان أشبه بمرآة باهتة، تعكس وجه من ينظر إليها، لا كما هو، بل كما يمكن أن يكون.
تراجع سليم خطوة، وأدرك فجأة أن اللوحة لم تكن ناقصة بسبب إهمال أو عجز، بل لأن الاكتمال كان سيجعلها كذبة كاملة. النقص وحده كان يترك مجالًا للاختيار وللسؤال، وللخوف أيضًا.
في اليوم التالي أُعيد القماش إلى مكانه بإحكام أكبر، لكن الأمر لم يعد يهم. فقد صار لكل فرد لوحته الناقصة الخاصة به يحملها في ذهنه، ويملؤها أو يتركها بيضاء كما يشاء.
وقبل أن يُحال سليم إلى التقاعد، سُئل في مقابلة أخيرة عن رأيه في اللوحة التي أُزيلت. ابتسم بهدوء وقال: "اللوحات الناقصة أخطر من الكاملة، لأنها لا تقول لك ماذا ترى… بل تسألك ماذا تقبل ألا ترى".
ومنذ ذلك الحين لم يعد أحد متأكدًا: هل كانت اللوحة تُحذّر من مدينةٍ قادمة، أم تذكّر بمدينةٍ كان يمكن أن تكون مختلفة لو تجرأ أحد على إكمال الفراغ.
فواز الجبر
7\2\2026