الأحد ١٢ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦
بقلم أماني هواري

قراءة في رواية «لتكن مشيئتك» لدعاء زعبي خطيب

يقول أحد النقّاد إنّ الكتابة هي فعل محبّة يشارك فيها الكاتب المتلقّين بما يشغل ذهنه. ويقول آخرون إنّ الكتابة تعبير عن مشاعر يعيشها المؤلّف وأفكار يرغب في مشاركتها لأنّ في ذلك متعة وتحريرًا لما قُمع داخله. تتيح مشاركة هذه المشاعر والأفكار فرصةً لتفاعل شركاء جدد يضيفون من ذواتهم إلى معناها. فإذ تلتقي فيها العوالم المختلفة ويحدث التلاقح بينها، قد ينتج عن اللقاء والتلاقح تماهٍ أو تفريغ، أو ربّما يحدث تطهُّر (كثارسِس) للأطراف المتشاركة. وحين يحرَّر النصّ إلى قارئ خارجيّ يُفتح على بُعد جديد ينزع ملكيّـة مؤلّفه له ويرفع الوصاية عنه، كما يكسبه حياة جديدة. والنقد يؤكّد أنّ النصّ المفتوح، إذا ما انكشف على عدد من القرّاء، قد يكتسب قراءات ومعاني تتعدّد بعدد القرّاء.

غير أنّه، رغم هذه المساحة من الانفتاح التي قد يتيحها النصّ الأدبيّ، ومهما حاول القارئ التحليق بالنصّ، يبقى الأخير إفرازًا لحاضنة اجتماعيّة سياسيّة تشدُّه إليها، هي مادّته الأصليّة، هي أصل انشغاله، وإليها المردّ. ويظلّ المعنى فيه يتأرجح من قراءة إلى أخرى بين واقعه المعيش وواقعٍ منشود أفضل منه.

تناقش هذه المقالة الرواية لتكن مشيئتك للكتابة دعاء زعبي خطيب. وهذه الرواية الممتعة في أصلها حكاية اجتماعيّة، هندستها صاحبتها لتؤدّي أكثر من رسالة، وشابكت مواضيعَها كما تتشابك القضايا في حياة الفلسطينيّ أيًّا كان. بقدرة رائعة على سرد التفاصيل والتوغّل في دقائقها، تكشفنا الكاتبة على حياة عائلة فلسطينيّة مسيحيّة من فلسطينيّي الداخل. تلج إلى أعماق القضايا المطروحة حتّى يشعر القارئ أكثر من مرّة أنّ القضيّة المطروحة أمامه هي الحكاية المركزيّة، وحولها تتمحور الرواية. غير أنّ الكاتبة، بسلاسة وقدرة على حسن التخلّص، تنسحب ببراعة منها وتسحب القارئ معها. على نحو مبرَّر ومقنع، تمسك بأطراف الموضوعات المطروحة جميعها، فتشدها مرة اخرى نحو المركز لتقوّي خيط الموضوع المركزيّ وتوثّق ربطها به. هكذا، تبدو هذه الموضوعات كافّة قطعًا فسيفسائيّة يكمل بعضها البعض الآخر مؤلّفةً نسقًا اجتماعيًّا سياسيًّا يتربّع وسطه الموضوع المركزيّ. والحكاية الأساس هي حالة اضطراب يعيشها طفل وتعيشها معه عائلته؛ حالة طيف التوحّد. والموضوع اجتماعيّ نفسيّ لم يلقَ ما يستحقّ من عناية في الأدب، لا سيّما الفلسطينيّ. تتناوله الكاتبة دعاء زعبي بمسؤولية وعناية فائقة، مبدية سعة اطّلاع على تفاصيله. من خلال شخصيّة الطفل رامي. تهتمّ الكاتبة بمعالجة الأفعال والسلوكيّات التي تميّز الأطفال الذي يعيشون هذه الحالة. كما من خلال الشخصيّات الأخرى، تلفت انتباه المجتمع إلى ما يمرّ على أفراد العائلة التي تعيش هذا الوضع. تشدّ الأبصار إلى الأخطاء التي قد يرتكبها الأهل والى المغالطات التي قد يقعون فيها. وبقصد منها أو من دون قصد، تفتح الكاتبة أفقًا وسبيلًا للتعامل مع هذه الحالة.

فيما يلي سأقدّم قراءة لهذه الرواية، بمقاربة سيميائيّة تُعنى بالمعنى المكثّف المنبثق عنها والمسرود في تفاصيلها المختلفة على امتدادها. والسيميائيّة مقاربة تُقحم الدور الإنسانيّ في انشغالها بالدلالات، تجمع بين النصّ، قارئه، كاتبته والسياق الأكبر (إبراهيم طه، البعد الرابع ص 12)، ليشكّلوا معًا حالة وعي معرفيّ جديد يعبّر عن الحالة الإنسانيّة.

يتعامل هذا التوجّه مع النصّ الأدبيّ على أنّه علامة سيميائيّة كبرى تنتظم داخله سائر العلامات وتتشابك، فتحمل دلالات تجعل النصّ كلًّا جشتالتيًّا واحدًا ذا معنًى أكبر من مجموع دلالات علاماته. ويَفترض كذلك أنّ المعطيات النصيّة في العمل الأدبيّ الجيّد تكون جميعها موظّفة كإشارات تسهم في خلق المعنى وإحكامه؛ فيُنظر إلى النصّ كبنية دلاليّة قابلة للتحليل، وإلى عناصره كعلامات منتجة للمعنى يتعيّن على القارئ، بعد فكّ الشيفرات النصّية وفهم مدلولاتها الأولى، الخروج من النصّ سعيًا وراء المعنى الإنسانيّ الكامن فيها.

العنوان في العمل الأدبيّ
يرى النقد أنّ العنوان من أهمّ العناصر المكوّنة للنصّ الأدبيّ لا سيّما عند اعتباره جزءًا من نظام دلاليّ سيميائيّ يحمل قيمًا أخلاقيّة واجتماعيّة وآيديولوجيّة. فقد أشار روجر ألِن إلى أنّ العمل الأدبيّ الجيّد هو ذلك المبنيّ بشكل متين، مقصود، غير عفويّ، منذ بدايته وحتّى نهايته. (روجر ألِن، "البداية والنهاية"، ص 99). وتصرّ ماريانا تورچوڤنيك على القول إنّ الكاتب يعمل على نهاية القصّة منذ البداية من خلال مفاتيح نصيّة توجب العودة إليها بعد الوصول إلى النهاية، أي بأثَر رجعيّ، وهذا ما تراه يُكسب النصّ وحدةً موضوعيّة (تورچوڤنيك، الخاتمة في الرواية، ص 24). أمّا إبراهيم طه فيقول مؤكّدًا إنّ النقاش حول الخاتمة هو نقاش حول العمل الأدبيّ بكليّته؛ بدايتِه ووسطِه ونهايتِه (إبراهيم طه، "الانفتاح والانغلاق"، ص 2).
انطلاقًا من هذه الرؤية، يمكن النظر إلى العنوان كبؤرة مركزيّة تشكّل جسد النصّ ومختزلةً تفاصيله الدلاليّة في إشارة أولى إلى المعنى. بؤرة تحمل رسائل مسكوكة مضمَّنة بعلامات دالّة مشبعة برؤية إيحائيّة. فالعنوان ليس عتبة النصّ فحسب، بل غالبًا ما يكون بدايته ونهايته. والكاتب لا يضعه عادةً إلّا بعد اكتمال الكتابة، ليغدو تكثيفًا لخاتمة النصّ. لذا، لا يمكن الاستغناء عن معالجته عند البحث عن الدلالة. هو جزء مفتاحيّ عند النظر في الدلالات والبحث عن المعنى، يُلزم المذهب السيميائيّ القارئَ اعتبارَه.
إذًا، يُتوقّع من القارئ منذ لحظة مواجهة العنوان، أن يُفعّل جهاز التوقّعات القائم على تراكم المعطيات النصّيّة، وأن يربط بين البداية والنهاية، في مسعًى لفكّ شيفرات النصّ والوصول إلى معنًى يحمله النصّ. عليه مقاربة العنوان كقراءة استباقيّة غير معزولة، تستكمل معناها بأثر رجعيّ مع تقدُّم القراءة. وعند بلوغ النهاية، تجب على القارئ العودة إلى المفاتيح النصيّة كلّها ليصبح النصّ وحدةً موضوعيّة متماسكة دلاليًّا.
دلالة العنوان في الرواية
يحمل عنوان الرواية "لتكن مشيئَتُكَ" حمولة دلاليّة مكثّفة. يفتتح الرواية كحزمة ضوئيّة تنضوي على موقف في الحياة. هو بادئَ ذي بدء تناصٌّ دينيّ ورد في الكتاب المقدّس، قائم على التسليم لمشيئة الله العليا. المخاطَب في هذه الجملة المقدّسة هو الله العليّ صاحب المشيئة النهائيّة. غير أنّ هذا التناصّ المؤلّف من إشارات دلاليّة حين يُوظَّف عنوانًا لمتخيّل أدبيّ، يغدو أداة تأويليّة تدعو إلى إعادة النظر في علاقة الإنسان بالمقدَّر. كما في فكرة الاستسلام السلبيّ لقضاء الله والبحث عن موقع الإنسان فيه وفي مساحة الاختيار. وبالتالي، يفهم القارئ هذا العنوان على أنّه خطاب تأمُّليّ جامع يحثّ على فحص حدود الإرادة الإنسانيّة في إطار المشيئة الإلهية.
تظلّ جملة العنوان، مع استئناف القراءة، عالقة في ذهن القارئ، مرافقة تطوّر الحدث فيه، فاتحةً أفقًا دلاليًّا لا ينحسم معناه إلّا في ضوء النهاية. وإذ يقفز القارئ قفزة استباقيّة إلى النهاية، يجد أنّ هذه الجملة نفسها ترد مرّة أخرى لتغلق الرواية فتكون آخرَ كلماتها كما كانت عنوانها، مشكّلة دائرة مغلقة تكسب العبارة الدينيّة المنادية بالاستسلام صيغةً جدليّةً تقع على الطيف بين قبول المقدّر واختيار السعي، ويصبح حملها على الوجه التأويليّ ضروريًّا وملزمًا.

وهذا ما يتكشّف للقارئ تدريجيًّا، إذ يتبيّن خلال القراءة موضوع الرواية. يتّضح له لاحقًا ومع تطوّر الحدث، أنّ صاحبة المشكلة المركزيّة في الرواية تختار أن تعيش مع وضعها المنكشف تباعًا وأن تجد موقعها فيه، فتتّخذ قرارات جريئة حكيمة تحدّد من خلالها كيفيّة الحياة ضمن ما شاء الله وقدّر، فإذ لا خيار في تغيير مشيئة الله ولا جدوى من رفضها، تملي الحكمة أن تتبيّن الشخصيّة المركزيّة مساحة الفعل المتاحة داخل هذا الإطار، فتُمارس فيها مشيئة بشريّة موازية.
الشخصيّة المركزيّة وتعالقها بالشخصيّات الأخرى
ينطلق الموديل السيميائيّ من افتراض إمكانيّة ضبط معطيات النصّ الأدبيّ ضمن إطار نظريّ منظّم يُمكنِ اعتبارُ الشخصيّة المركزيّة (پروتاچنست) مدخلًا أساسيًّا إلى الدلالة المنشودة. تقارَب هذه الشخصيّة الورقيّة ككيان شبه إنسانيّ، تتشكّل تصرّفاته وسماته من الواقع الإنسانيّ، ولا تنفصل، لا هي ولا خالقُها، عن هذا الواقع. فالمؤلّفُ إنسانٌ يكتب أدبًا ملتزمًا ويستمّد مادتَّه من واقع تجربته ومعايشتها. إلّا أنّ هذه الشخصيّة، كإشارة دلاليّة، غير حرّة التصرّف، بل تخضع لقوانين نصيّة محكومة برسالة واعية ضمنيّة في ذهن المؤلّف، وعلى المتلقّي أن يقوم بعمليّة توفيقيّة يُزاوج فيها بين المستوى الدلاليّ ومستوى المعنى المحتمل محاولًا الاقتراب من قصد الكاتب.

إذا اعتبرنا المقدّمة جزءًا من متن هذه الرواية، وبدأنا القراءة بها، نجد أنّ زعبي خطيب، بمراوغةٍ قد تكون غير مقصودة، تصرّح فيها مبكّرًا أنّ بطل الرواية هو رامي، الشخصيّة التي يُعاد ذكرها لاحقًا في الفصل الثاني. رامي الإشارة الاستباقيّة للطفل الذي يعيش حالة على طيف التوحّد الذي سيغدو لاحقًا الموضوع المركزيّ في الرواية والخيط الذي تنتظم حوله سائر الخيوط السرديّة.
وإن لم يختر القارئ اعتبار المقدّمة جزءًا من متن الرواية، يبقَ خلال الفصل الأوّل في بحث متواصل عن الموضوع الأساسيّ. يقدّم الفصل الأوّل من هذه الرواية حياة زوجين في عائلة فلسطينيّة مسيحيّة تعيش في مدينة "الميمونة" الواقعة شمال فلسطين. روز، الزوجة المقدسيّة المتديّنة، وسعيد، الزوج العلمانيّ المحبّ. معًا يجسّدان ثنائيّة غير مألوفة تقوم على اجتماع التناقض الظاهر والتآلف الواقع. ينفذ هذا الفصل إلى دقائق تفاصيل حياة هاتين الشخصيّتين (الوالدين)، وتتشابك الموضوعات فيه تشابكًا يوهم بالواقعيّة؛ فتارةً يثقل المركز عند حوار بين العلمانيّة والتديُّن، وتارة عند توثيق دينيّ أو تاريخيّ، فينساق القارئ خلف هذه المحاور ظانًّا أنّها تشكّل لبّ الرواية.
قد يظنّ القارئ بادئ الأمر، وهو يبحث عن الشخصيّة التي تتمحور حولها الدلالة الكبرى، أنّها روز زوجة سعيد، بما تحتلّه من مساحة سرديّة واسعة، وبما يتدفّق عبرها من تيّار وعي. غير أنّ هذا الظنّ سرعان ما يتبدّد مع تقدّم القراءة. فكما يتبيّن لاحقًا، فإنّ ابنتهما منى، الشخصيّة النسائيّة التي تدخل الرواية في فصلها الثاني، هي الشخصيّة التي تحمل الإشارة الكبرى في هذه الرواية، ما يجعلها الشخصيّة المركزيّة. وبالتالي ما يجعل الفصل الأوّل حيّزًا دلاليًّا يمثّل الحاضنة العائليّة، الاجتماعيّة والنفسيّة التي يجري فيها الحدث المركزيّ الذي في إطاره تشكّلت شخصيّة منى، والذي لاحقًا يسهم في بلورة وعيها.

في الفصل الثاني يفرض الموضوع المركزيّ حضوره ، جاعلًا سائر تفاصيل الفصل الأوّل حاضنة دلاليّة له، كما سبقت الإشارة، حاضنة غير منفصلة عن الموضوع الرئيسيّ ولا عارضة عليه. في هذا الفصل تدخل الحكاية موضوعها المركزيّ، إذ تنتقل عمليّة السرد إلى منى التي تتولّى زمامه بضمير المتكلّمة، مقدّمةً الأحداث من زاوية نظرها. يشكّل هذا التحوُّل في وجهة النظر علامة سيميائيّة فارقة، تنقل النصّ من فضاء التأسيس العائليّ إلى فضاء التجربة الفرديّة المباشرة، حيث ينكشف للقارئ جوهر القضيّة المركزيّة في الرواية ومعضلة الشخصيّة النسائيّة المحوريّة.
يقدّم هذا الفصل مزيدًا من الشخصيّات ويقتحم الرواية بعد قفزة زمنيّة تطوي سنوات من التكوين والتجربة، متجنّبًا الثرثرة، ومُكثِّفًا المسار الذي نهلت منه منى لتغدو المرأة التي هي عليها. وبأثرِ هذه القفزة، تتبلور شخصيّة منى ابنةً لروز وسعيد، وامتدادًا لتجربة زوجين متناقضين ظاهريًّا، منسجمين فعليًّا، وجدا في التسامح والمحبة والتقبُّل سبيلًا إلى العيش المشترك.
يقول باختين إنّ المتكلّم في الرواية هو منتج آيديولوجيّ، وكلماتِه هي دائمًا عيّنة آيديولوجيّة (باختين، ميخائيل. الخطاب الروائيّ، 102). وهذه رواية پوليفونيّة، تتوزّع فيها الشيفرات المؤديّة إلى الفكرة المركزيّة على عدد من الأصوات وزوايا النظر، فحين لا يصحّ أن تقول الشخصيّة المركزيّة ما تريده برأيها وبصوتها، تبلّغ به شخصيّة أخرى، فتُلمح إلى ما يحرّك الشخصيّة المركزيّة نحو سلوك ما، وتقول ما لم تقله الأخيرة. هكذا تصل الأفكار بأصوات متنوّعة متعالقة يُفضي رصدُها إلى معنًى منسجم كليّ مؤلَّف من شيفرات عديدة يفسّر بعضها بعضها الآخر. تجدر الإشارة في هذا الموقع إلى أنّ هذه الرواية مسرودة بضمائر وشخصيّات متعدّدة، يروي فصلها الأول راوٍ خارجيّ عليم، يصف المكان والسياق ليؤسّس الحاضنة الاجتماعيّة والسياسيّة للحدث، واصفًا ما يراه من الخارج، بالتفاصيل الدقيقة، متنتقلًا بين تيّارات وعي الشخصيّات ليطلع القارئ على مشاعرها ومحرّكات أفعالها.
يتبدّل ضمير السرد في الفصل الثاني إلى ضمير المتكلّم ليروي الأحداث من زاوية نظر الشخصيّة المركزيّة. ويواصل هذا الضمير السردَ حتى يصل فصل الختام. يمكّن ضمير المتكلّم الكاتبة من إحكام سرد تيّار وعي الشخصبة المركزيّة منى، إذ تخبر عن مخبّئات نفسها وما يختلج في صدرها من حيرة وشعور بالاغتراب، واردًا على هيئة اعترافات في بعض الأحايين. أمّا فصل الختام، فتتولّى سرده شخصيّة أخرى لتتمّم موقف الشخصيّة المركزيّة من زاوية نظر إضافيّة وتعزّزه. يسمّي سعيد يقطين هذا التناوب بين الضمائر الساردة في العمل الأدبيّ "عرضًا شعريًّا" يمكّن من تبادل إرسال الخطاب بين ضميرين، أو أكثر، "بحيث يترك أحدهما المجال للآخر لا ليلقي علينا الحدث من رؤية سرديّة مغايرة، ولكن فقط لإيهامنا بأنّ هناك خطابين متضافرين ومتمايزين (يقطين، سعيد. القراءة والتجربة، ص 105).

تغيير ضمير السرد في الفصل الثاني، يوجب إعادة النظر إلى العلاقة بين شخصيّتي روز وسعيد، الأب والأمّ. بأثر رجعيّ، يمكن للقارئ أن يستدلّ من هذه العلاقة على أنّ انسجام اجتماعهما في بيت واحد، على الرغم من اختلافهما، يثبّت الفكرة أنّ مثل هذا التعايش بين المختلفين ممكنٌ، إذا ما نهض على المحبّة والتسامح والتقبّل. تؤكّد الكاتبة على مواضع هذا الاختلاف في أكثر من موضع في الرواية. تشير إليه عند الحديث عن الفجوة بين الزوجين علمانيًّا ودينيًّا، كما إلى شعور روز بالغربة إذ انتقلت إلى العيش في شمال فلسطين بعيدًا عن القدس بلدها. (دعاء زعبي خطيب، لتكن مشيئتك 16- 19). تخبر الرواية مستخدمة تقنيّة الفلاش باك أنّ "بداية الطريق نحو حياة زوجيّة جديدة لم تكن سهلة أبدًا على روز،.... وأنّ كثيرة من الليالي كان الحزن سمير ليلها..."( زعبي خطيب، لتكن مشيئتك ص 31). وعلاقتهما هذه هي البيئة التي نشأت فيها منى.
سيميائيًّا، يمكن قراءة العلاقة بين الوالدين على أنّها نموذج لحياة زوجيّة سعيدة متكاملة على اختلاف الزوجين فيها. ولأنّ الشخصيّة المركزيّة تتحرّك في حيّز حيّ، لا في فراغ، ولأنّها جزء فاعل مؤثّر ومتأثّر ببيئة متحرّكة تشكّل أفكارها وسلوكها، يمكن فهم أثر هذه البيئة على تشكيل شخصيّة منى. على هذا النحو تُقرأ علاقة الوالدين المفصّلة في الفصل الأوّل من الرواية. تقرأ كإشارة إلى أهميّة الإرث العاطفيّ التكامليّ الذي شكّل شخصيّة منى وزوّدها بأدوات التقبّل والأمل.
في الفصل الثاني من الرواية، تتجلّى منى امرأةً ناضجة، زوجةً لكريم، وأمًّا لرامي، الطفل الذي يعيش حالة توحّد. تغدو أمومتها تجربة وجوديّة مركّبة تنفتح على أسئلة المصير والاختلاف والمعنى. فهي من ناحية تشارك كريمًا في والديّة رامي. إلّا أنّهما لا يتشاركان الرؤية والتقدير في التعامل مع حالة الابن. من حيث الدلالة السيميائيّة، تُقدّم الرواية كريمًا كشخصيّة معيقة (أنتاچونيست) في الوصول إلى حلّ، تساهم في تعقيد الأزمة بدلًا من المساعدة في حلّها. فمنى وكريم، الوالدان، على خلاف والدَيْ منى، لا يتشاركان رؤية موحّدة للتعايش مع اختلاف ابنهما، وهذا يضاعف من وطأة المحنة.

تصرّح الرواية أنّ كريمًا يعاند في الاعتراف بحال ابنه (زعبي خطيب، لتكن مشيئتك ص 67). يختار الصمت واللا فعل. يشعرها أنّها مسؤولة عن حال رامي. (زعبي خطيب، لتكن مشيئتك، ص 110). تصف الرواية كريمًا كزوج جاهل لوضع ابنه، ومنكر لحالته، وحاله هذه تعيقه عن السعي نحو إيجاد حلّ. في مرحلة ما، يبدو كريم منسحبًا، سلبيًّا ومسلّمًا. تحاول منى أن تخلق معه حوارًا وتواصلًا، أملًا في اعترافه باختلاف ابنه وحاجته للتعامل معه. غير أنّه يعاند ويتعنّت وينطوي في عتمته. (زعبي خطيب، لتكن مشيئتك، ص 112).

رغم هذا، لا يتمكّن كريم من أخذ منى معه إلى عتمة يأسه، إذ سرعان ما تتأزّر هي بنور والديها، السبيل الهادي إلى الحلّ. تأخذ به بوصلةً في سعيها إلى البحث داخل ذاتها مختارة الحياة واجدة مساحة تحرّكها في الإطار الموجود. يظلّ صدى علاقة والديها يطنّ في ذهنها، فمنى الناشئة على انسجام الاختلاف تتعلّق بوحي هذه العلاقة وتستدعيه كلّما احتاجته. تعود منى، في نضجها، إلى تجربة والديها باحثة عن السبيل إلى الحياة، متسائلة؛ كيف استطاع والداها "النقيضان" الحفاظ على جمرة الحبّ متّقدة رغم الاختلاف؟ (زعبي خطيب، لتكن مشيئتك، ص 71) تستدعي منى هذا التساؤل كإشارة سيميائيّة ارتداديّة، متأزّرة بما أتاحت من حياة، مستدعيةً نموذجًا إنسانيًّا سابقًا ناجحًا لتواجه به واقعها. وكأنّ النصّ يؤكّد، عبر هذا الاستدعاء، أنّ الاختلاف لا ينبغي أن يفسد للودّ قضيّة كما صرّحت الرواية (زعبي خطيب، لتكن مشيئتك، ص 66)، وأنّ المحبّة والتسامح والتقبّل هي الشروط الكفيلة بإبقاء تلك الجمرة متّقدة. فيغدو هذا النموذجُ البوصلةَ التي تسترشد بها في علاقتها مع كريم، وفيما بعد علاقتها به.
مع تقدّم الحدث في الرواية، نجد منى ساعية نحو حلّ مشكلتها، متصالحة مع مشيئة الله وفاحصةً حدود مشيئتها فيها . تحاول بادئ الأمر كثيرًا وطويلًا أن تبيّن لزوجها كريم الدرب الذي تختاره؛ أن تبيّن له كيف تكون الحياة بالمشيئة البشريّة وفي حدود مشيئة الله وضمن قَدَره. تحاول أن ترسم له شعاع الأمل مستعينةً بنصائح أبيها، قدوتها العليا في التعايش مع الاختلاف. إلّا أنّها لا تفلح. إذ يصرّ هو على التقوقع والإنكار واليأس، وتختار هي الحياة. تمارس منى مشيئتها ضمن المشيئة الإلهيّة، أوّلًا في قرارها الابتعاد عن زوجها كريم، شريكها المعيق الذي لا يتقبّل اختلاف ابنه ولا سبيل لديه لعيشٍ سعيد. تقرر الشروع في مسيرة البحث داخل الذات. تجتهد منى في أن تستبصر حلًّا من جوّانيتها. تقصد الطبيعة والوحدة والانفصال عن المعيقات بحثًا عن السبيل. كيف تستسلم وهي الشابّة في بيت يزخر بالاختلافات المنسجمة المتعايشة بسلام؟ من هذه التنشئة تستمدّ قوّتها وتخلق قدرتها على إيجاد الحلول وعلى رؤية الممكن في المستحيل.
كما تقدَّمَ، يحمل كلٌّ من الأصوات في هذه الرواية رأيًا أو موقفًا أو فكرة تزاحم الأخرى أحيانًا، وتكملها أحيانًا. قد تقول جميعها الأمر نفسه بصوت مختلف يؤكّد الفكرة. وتكمن أهمّيّة كلّ موقف أو رأي مذكور في الرواية في تعالقه مع قرار منى وصقلها لموقفها تجاه مشكلتها.
إضافة إلى هذه الأصوات، وكوسيلة لمساعدة الشخصيّة المركزيّة في تعزيز رؤيتها في الحلّ الممكن، تهندس دعاء زعبي خطيب الحدث المتطوّر من خلال إدخال صوت آخر في الرواية. صوت يساند صوت منى ويساعده، هو صوت جاد. وهو شابّ تلتقيه منى خلال سعيها وراء التصالح مع الواقع. هو الشخصيّة التي تشكّل من حيث الدلالة صوتًا يردّد ما تقوله منى ويعكس ما ترى، ليؤكّد أنّ لها في هذه الرحلة المقدّرة مشيئة. جاد الشابّ الذي كان قد دخل الرواية في الفصل الأوّل طفلًا أخًا لطفل آخر يعيش التوحّد، تلتقيه منى في النبعة خلال مسيرة بحثها في أعماقها عن سكون نفسها. في النبعة التي تقصدها لتختلي بذاتها، تجد منى أخيرًا ضالّتها. جاد الشابّ الذي كان مثلها تائهًا يبحث عن ذاته في الطبيعة، يعيش أخوه كذلك حالة التوحّد. فيظهر جاد في حياة منى عونًا لها في طرح الحلّ الذي يصرّ على الحياة وممارستها. تسرد الكاتبة تفاصيل هذا الوضع الخاصّ المختلف الذي يعيشه المتوحّدون بدقّة ومسؤوليّة. تتطّرق إلى عدد من المحاور التي تتصّل به.
من حيث الدلالة السيميائيّة، تشكّل شخصية جاد معادلًا موضوعيًّا للحكمة والتبصُّر، كما تشكّل مرآةً روحيّة لشخصيّة منى واستمراريّة منسجمة لرؤيتها. فعلى الرغم من اختلاف انتمائه الدينيّ، يشاركها جاد في اغترابه وفي البحث في أعماقه عن اتّزانه وتصالحه مع القدر. كذلك يشاركها مشيئتها اختيارَ الحياة والسعي من أجلها بدلًا من اليأس والهروب. يغدو جاد صوتًا إضافيًّا مساعدًا على التصالح مع القدر ومسهمًا في السعي لإيجاد الحلّ. فبعد أن تتّخذ منى قرارها بالطلاق من زوجها الأوّل كريم، تنتهي الرواية المشوّقة هذه باجتماعها بجاد بقرانٍ قدسيّ.
وهكذا يأتي هذان الرجلان؛ كريم وجاد بأصوات مختلفة متناقضة لينعكسا على قرارات منى، فإذ يشكّل كريم الجانب المعتم في حياتها وحياة ابنها، الجانب المعيق في الوصول إلى الحل، يصوغ جاد الشخصيّة النقيضة الأخرى التي تعزّز الاقتراح البديل. تتحرّك الشخصيّات جميعًا في هذه الرواية في فضاء واحد، قد تتضارب فيه آراؤها، أو تتّفق. ومن حيث دلالاتها، هي إشارات تنسج فيما بينها علاقات سيميائيّة متشابكة، تكشف صراع الإنسان بين ما يُفرض عليه وما يختاره.
إضافة إلى تعدّد الضمائر الساردة في هذه الرواية وتناوبها، توظّف الكاتبة الحوارات على أنواعها؛ الخارجيّة منها والداخليّة لتصف مشاعر الشخصيّات، مواقفها، أسباب سلوكها وطبيعة علاقتها ورؤاها المختلفة تجاه الحدث وتطوّره. يطلعنا بعضها على ما يدور في ذهن الشخصيّات وعلى ما يسيطر على تيّار وعيها. غير أنّ الكاتبة، وفي بعض قليل من المواضع، توظّف تقنيّة الحوار المرويّ المباشر المندمج بالسرد. الحوار الذي لا تشير إلى صاحبه علنًا، بل يصل القارئ مباشرًا دامجًا بين صوتي الشخصيّة والراوي، وهي تقنيّة بعد حداثية ترفع من تماهي المتلقّي وتزيد من انفعاله. تتغلغل الكاتبة من خلاله، بإدراك منها، أو بسجيّتها، إلى ذهن الشخصيّة، مصدرةً قولًا منفعلًا عنها. مهملةً إحالة الصوت إلى الشخصيّة. تشعر هذه التقنيّةُ القارئَ أنّه يسمع ذهن الشخصيّة وتيّار وعيها دون وساطة الراوي. تحيّده زعبي خطيب بإتقان وتَحَكُّم، وتُفلت زمام السرد من أيديه لتُنطق الشخصيّة بعفويّة وانسياب. نشهد على مثل هذا النوع من الحوارات الداخليّة القليلة في قول الراوي العليم على لسان سعيد إذ رأى روز للمرّة الأولى. نكاد نسمع صوته في الحوار المباشر: "إحساس غريب انتابه..... أيّ سحر عجيب هذا الذي شدّه إلى هذه الفتاة؟" (زعبي خطيب، لتكن مشيئتك، ص 29) وكأنّ الرواي دمج صوته بصوت سعيد وكاد يقول: "شدّني". وفي أحايين أخرى يشعر الراوي بحريّة تجعله يخاطب القارئ من داخل الرواية لا من خارجها. يتماهى مع جوّ المكان وروائحة المنبعثة فيعلم القارئ بشعوره هو وكأنّه أحد شخصيّات الرواية. نشهد على مثل هذا التوظيف في القول: "حتى الروائح المنبعثة من كلّ زاوية هنا، تدعوك مرغمًا إلى الانفصال عن هذا العالم الفاني...." (زعبي خطيب، لتكن مشيئتك، ص 35-36). إلّا أنّ هذه التقنيّة لم تظهر كثيرًا لأنّ السرد ينتقل إلى ضمير المتكلّمة في الفصول اللاحقة، وتنقضي الحاجة إليه.

الثنائيّات كمفتاح للحلّ
تزخر الرواية بالثنائيّات الموهمة بالتناقضات، تستلّها الكاتبة من واقع الحياة الفلسطينيّة القائمة على ثنائيّة الألم والأمل السرمديّة لتعيد توظيفها داخل المتن الروائيّ مشكلةً وحلًّا ينموان على التوازي مرتبطين بالموضوع المركزيّ في النصّ؛ حالة التوحّد التي يعيشها طفل. فكما ذكرتُ، الأحداث من المنظور السيميائيّ علامات تحمل معاني تُسهم في بناء الحبكة، سواء في تعقيدها أو في حلّها، وتساعد على توجيه القراءة.
إذا ما عدنا إلى الفصل الأوّل من الرواية، نجد أنّ الكاتبة تُهندس من خلال إيماءات دقيقة وعبر تقنيّة الاستباق، طرحها للموضوع الأساسيّ بذكر واعٍ غير ساذج لكلمة “التوحّد” (زعبي خطيب، لتكن مشيئتك، ص 25). توظّفها أوّل الأمر بمعناها اللغوي الإيجابيّ، الدالّ على الاتّحاد واللقاء العائليّ، قبل أن تنقلب دلالتها لاحقًا إلى معناها الاصطلاحيّ المرتبط بالحالة النفسيّة. يحدث هذا عندما تلتقي روز الحامل في زيارتها إلى الكنيسة بعائلة يعيش طفلها حالة التوحّد(زعبي خطيب، لتكن مشيئتك، ص 41-46). لحظة دلاليّة فارقة، تستوقف روز وتلفت نظرها. تمنح هذه اللحظة القارئ فكرة أوليّة تغدو لاحقًا إرهاصًا مبكّرًا للمحور الرئيسيّ الذي يُستأنف الاشتغال عليه.
كذلك، في هذا الفصل تتجلّى أهمّ الثنائيّات في هذه الرواية من خلال أوصاف شخصيّتي الوالدَيْن؛ فإحداهما تتّشح بالعلمانيّة، فيما تظهر قرينتها متديّنة، متمسّكة بالموروث. والسائدُ في المجتمع أنّ تقابُلًا كهذا من شأنه أن يؤجّج صراعًا فكريًّا، غير أنّ الرواية تعمل على تفكيك هذا التصوّر النمطيّ، مقدَّمةً ثنائيّة العلمانيّة والتديُّن كصيغة منسجمة تقوم على التفهّم والتسامح وتقبّل الآخر، بدلًا من حالة التقطّب. صيغة يشكّل الاختلاف فيها عنصر إثراء. فبالتالي، وبتوجّه سيميائيّ، تُحوّل الرواية هذه الثنائيّة من مجال تنافرٍ إلى مساحة تكامل.
مع تطوّر الأحداث، تنفتح الرواية على ثنائيّات أخرى، من بينها الاختلاف في الانتماءات الطائفيّة التي تُوظَّف بالآليّة ذاتها، فرغم دلالة التباين النمطيّة التي يحملها عادةً، تصرّ الرواية على توظيفه إشارةً إلى تأكيد حالة التآلف والانسجام. فالتقاء منى مسيحيّة الانتماء بجاد المسلم، فاتّحادهما وزواجهما يجعل هذه الثنائيّات جميعها تظهر كعوامل تثري العلاقات وتؤكّد على غلبة الجانب الإنسانيّ الذي هو أعمق وأكثر تجذّرًا. اختلاف منى وجاد في الانتماء الدينيّ لم يَحُل دون انسجامها فكريّا واتّفاقهما في الرؤية في ضرورة اختيار الحياة وقدرة المشيئة الإنسانيّة فيها.
من خلال هذه الاختلافات البادية تناقضًا في أوّل الأمر، يؤكّد النصّ على فكرة ألمح إليها في الفصل الأوّل، مفادها أنّ الاختلاف لا يفسد للودّ قضيّة (زعبي خطيب، لتكن مشيئتك، ص 66). فكرة وردت صريحة في الرواية، داعيةً مبكّرًا إلى رؤية الحلّ مع تطوّر المشكلة. تتضمّن هذه الفكرة أنّ الاختلاف، إذا قام على التقبّل واتّخذ التسامح قاعدة له، قد يتحوّل إلى تباين مُتيح يُنتج حياة غنيّة وثريّة، تباين لا يقوّض المحبّة ولا يبدّد الانسجام.
توظيف المكان والسياق الزمنيّ السياسيّ
ليست التقسيمات عند تحليل أيّ عمل أدبيّ سوى فصل فنيّ تيسّر مقاربة النصّ الأدبيّ وتسهّل عمليّة تحليل معطياته والبحث عن دلالاتها، فهي كافّةً، بما فيها الزمكانيّة، إشارات موظّفة لخدمة الفكرة المركزيّة يؤكّد اجتماعها في عمل أدبيّ محكم البناء التحام أسلوبه بمضمونه وانسجامهما في تعزيز الفكرة المقترحة. على الرغم من أنّ هذه الرواية اجتماعيّة في جوهرها، إلّا أنّ حدثها المركزيّ لا يتحرّك في فراغ. هي حكاية تتطوّر في أكثر من إطار، يقع أحدها داخل الآخر، وإذ تشاء إحدى الشخصيّات أن تخترق حدود الإطار الداخليّ، تجد اختراق الإطار الأوسع أكثر صعوبة وتحديًّا.
بقدرة سرديّة رائعة على وصف التفاصيل تصف الكاتبة المكان، ناسه، وإشكاليّة حياتهم. تصف المشاهد بدقائق مظاهرها ومسوّغات الحال الذي شكّلها على ما هي عليه. فأحداث هذه الرواية تتطوّر في حيّز زمكانيّ اجتماعيّ–سياسيّ صريح؛ فلسطين الداخل بعد أحداث 1967. فضاء يحمل الكثير من التعقيدات التاريخيّة والتوتّرات السياسيّة والتحوّلات الاجتماعيّة. تصف الكاتبة هذا الفضاء كحاضنة الحدث المركزيّ الزمانيّة-المكانيّة غير المحايدة؛ حاضنته الأوسع التي تؤثّر في وعي الشخصيّات وتحدّد أنماط اغترابها الاجتماعيّ والسياسيّ. فحين يكون المكان فلسطين الداخل بعد نكسة الــ 67، يعني ذلك أنّ السياق وجوديّ.

تتجلّى عناية الرواية بالمكان، منذ بدايتها، من خلال حضور تفصيليّ كثيف، يدخل السرد على امتداد الرواية بسلاسة وانسجام غير متكلّفين. فالبلد ببيوته، وقراميده وحجارته، ينابيعه ونبعاته وروائحه، أسواره القديمة وذكرياته والمهجّرين عنه والعائدين إليه، كلّها عناصر تُسهم في بناء صورة الوطن في الوعي الفلسطينيّ، وتؤكّد مركزيّته ككيان عاطفيّ وتاريخيّ في آن. يبرز مثال الميمونة، البلدة الواقعة في شمال فلسطين ومعالمها، نموذجًا مكانيًّا دالًّا يتّسم بالقداسة الدينيّة والعراقة التاريخيّة.
توغل زعبي خطيب في سرد تفاصيل البلدتين المقدسّتين؛ الميمونة والقدس، فلا تقصر توصيف معالم هاتين البلدتين مكتفية بالإشارة إلى قدسيّتهما، بل إنّها لا تترك لا شاردةً ولا واردة. تستخدم الكاتبة تقنيّات السرد المتنوّعة التي سبقت الإشارة إليها لتصف التفاصيل بدقّة تجعل المشاهد حيّة وكأنّ الراوي، أو الكاتبة من ورائه، يدخل تفاصيل الرواية ويسرد عن قرب وكثب ما يشاهد. يطلعنا،القرّاءَ، على ما يرى هو بعينه، فنصدّقه ونتماهى مع الشخصيّات وكأنّها حقيقيّة لا ورقيّة. من خلال تقنيّة الفلاش باك، وفي سياق توصيف العلاقة بين الوالدين روز وسعيد، تستحضر الكاتبة ظلم الشعب الفلسطينيّ ونكبته المستمرّة، كخلفيّة سياقيّة للحدث المتطوّر. تهتمّ بوصف النشاط الاستيطانيّ وأثره على الناس والخوف الذي يشكّله على وجودهم. تتحدّث عن سياسة التجريف وتشويه الهويّة في القدس، وتثبّتـها كأفعال يمارسها الاحتلال وتنعكس على شعور الناس من قلق وخوف. (زعبي خطيب، لتكن مشيئتك، ص 27).
يساهم وصف الخلفيّة السياسيّة بأحداثها التاريخيّة والدينيّة بإضفاء نكهة واقعيّة على الرواية كاشفًا عن ثقافةٍ وسعة اطّلاع للكاتبة ورافعًا من تماهي القارئ مع الشخصيّات. بقدرة عالية تسرد الكاتبة دقائق الطقوس المسيحيّة من تعابير ومفاهيم دينيّة وغيرها، (زعبي خطيب، لتكن مشيئتك، ص 36-39) كما تؤصّل عراقة المكان وأهله. تفعل ذلك من خلال التركيز على حياة عائلة فلسطينيّة مسيحيّة، توثّق من خلالها تفاصيل الدينيّة المسيحيّة وممارسة شعائرها. تُعنى الرواية بشكل خاصّ بمعالجة دقائق طقوس هذه الطائفة في المناسبات والأعياد وكأنّها تسعى إلى تأكيد أصالتها في نسيج الشعب الفلسطينيّ. تقدّم هذه التفاصيل كجزء عضويّ في هذا النسيج مؤلّفةً به خلفيّة سرديّة تُغرض إلى ترسيخ الدور التاريخيّ والوجدانيّ للمسيحيّين الفلسطينيّين في تشكيل الهويّة الفلسطينيّة الجامعة.
كذلك، تصرّ الكاتبة على استيفاء معلومات تاريخيّة تأثيثًا لهذه الخلفيّة وبصورة تبدو عفويّة منسابة غير مقحمة، تندمج في الحكاية معالم المكان. ترد في الرواية من خلال حوارات عفويّة، تسردها الشخصيّات في بعض المواضع إذ تسترسل في كلامها فتغدو خلفيّةً للأحداث (زعبي خطيب، لتكن مشيئتك، ص 34-35).
نذكّر في هذا الموضع، أنّ الحيّز الزمكانيّ هو فلسطين الداخل، ما بعد النكسة. والسياق الزمنيّ التاريخيّ، كما يقترح إبراهيم طه، بُعْد سيميائيّ رابع يضاف إلى الإبعاد الثلاثة المعروفة؛ الكاتب والنصّ والقارئ، بُعْد ضروريّ لتكامل القراءة السيميائيّة لأيّ عمل أدبيّ (طه، البعد الرابع، ص 12). وهذه الرواية، أو كاتبتها، بعد أن تعمّدت تثبيت المكان بأبعاده التاريخيّة، توظّفه لتردّ نهاية الحكاية إلى سياقها الحقيقيّ. فهي، وإن انشغلت بقضيّة اجتماعيّة محدّدة، تظلّ غير قابلة للفصل عن الوضع السياسيّ، لأنّ الوطن، في الحالة الفلسطينيّة، هو دومًا فضاء للعيش والاغتراب معًا، ومسرح تتقاطع فيه التجربة الفرديّة مع التاريخ الجمعيّ.

يغدو هذا الاختيار المكانيّ مفهومًا، بل فارضًا نفسه، في ضوء كون الكاتبة فلسطينيّة عايشت هذه المرحلة التاريخيّة وخَبَرتها بأوجاعها وقضاياها، إذ يصعب تخيُّل كتابة تنفصل عن واقعها. والواقع، بما فيه من تناقضات، يظلّ مادّة الأدب الخامّ ومنبعه الأساسيّ. وفي هذا الإطار، تحضر النكبة والنكسة على امتداد الرواية، بما تحملان من ذاكرة فقد وألم، باعتبارهما بنية مستمرّة تؤثّر في الحاضر وتعيد إنتاجه بالصورة التي يتّفق مع رؤيا الكاتبة.
هذه الرواية الاجتماعيّة التي تقدّم المجتمع الفلسطينيّ في تنوّعه الطائفيّ والدينيّ والانتمائيّ، كاشفة عن نسيج إنسانيّ مركّب يتجاور فيه الاختلاف والتآلف، تصرّ على معالجة موضوعها المركزيّ؛ طيف التوحّد، ضمن سياقه الوطنيّ الأشمل. فالقضية الفرديّة الاجتماعيّة، وإن بدا وَهْمُ انفصالها عن السياق الأكبر، تظلّ مشدودة إلى فلسطين المنكوبة الجريحة.
إلى جانب التوثيق المكانيّ، تغتني الرواية، شأنها شأن معظم الروايات الفلسطينيّة، بحضور إشارات إلى أحداث تاريخيّة وجغرافيّة متعدّدة، مثل زلزال عام 1837، وسنوات الجراد، وانتشار الجدريّ، وفترة الحكم العثمانيّ، ومعالم تاريخيّة مختلفة. ترد فيها غير مقحمة في سردها، بل مُدمجة عبر تقنيّات سرديّة ذكيّة، من قبيل توظيف مشاهد السيّاح، والمرشد السياحيّ، والحكايات التاريخيّة الجانبيّة التي تتقاطع مع خطّ الأحداث الرئيسيّ. فتغدو مصدر غنًى تاريخيًّا، يفتح بعدًا دلاليًّا إضافيًّا على نهاية الرواية وخاتمتها.

النهاية والمعنى المقترح
يعيد اجتماع هذه الدلالات طرح السؤال الجوهريّ: ما المعنى الذي تقترحه هذه الحكاية؟
لا يتحقّق الوصول إلى معنى، أيًّا كان، في العمل الأدبيّ دون الوصول إلى آخر كلماته التي لا تعني بالضرورة بداية نهايتها. يرى إبراهيم طه أنّ قضيّة تحديد النهاية في النصّ الأدبيّ أمر لا يخلو من الصعوبة فسلسة مراحل خطوطها غير واضحة، وغالبًا ما تكون مبعثرةً على امتداد النصّ الأدبيّ. يرى أنّ ما يحدّد نوع نهايات النصوص المختلفة هو عدد الأجزاء المبعثرة على امتدادها، نوعها، موقعها في النصّ وطبيعة صراحتها (إبراهيم طه، "سيميائيّة النهاية والخاتمة"، ص 259)، كذلك يرى أنّ عمليّة التأويل ليست غير نهائيّة، بل إنّها إنسانيّة ترتبط فيها العلامات بسياق محدّد يتحكّم بطبيعة المدلاولات، يجمع بين ذهنيّتي الكاتب والقارئ والسياق الاجتماعيّ والسياسيّ المشترك (إبراهيم طه، القبض على الدلالة، ص 52).
تقدّم هذه الرواية في آخرها نهايتين تمّ الاشتغال عليهما بدءًا بحزمة ضوئيّة في العنوان، تتلوها استباقات وإرهاصات تلمّح إليهما. تشكّل هذه الإنارات خطًّا ضوئيًّا يشتدّ ويسمك تدريجيًّا على امتداد الرواية. وإذ تصل الرواية فصلها الأخير "فصل الختام"، يصل القارئ إلى النهاية الأولى التي من خلالها يتجلّى حلٌّ ناضج للقضيّة الاجتماعيّة التي تُشكِّل محورها؛ طيف التوحّد. يتجلّى هذا الحلّ في حياة راضية مرضيّة، بعد أن اشتغل عليه النصّ تدريجيًّا، ومن خلال معادلات سرديّة موضوعيّة ألمحت إليه الرواية بمواربة واحتيال، إذ كان يتبلور بالتوازي إلى جانب تبلور المشكلة. فإن كانت الإشكاليّة المطروحة هي إمكانيّة حياة عائلة مع حالة توحّد فرد من أفرادها، فإنّ النصّ يصوغ حلّه عبر استحضار نماذج لحيوات أخرى ناجحة، وعلاقات منسجمة على الرغم من الاختلاف الكامن فيها.
فاختلاف الوالدين، كما تقدّم، لم يَحُل دون سعادتهما، بل يُقدَّم في الرواية كحلّ مقترح موازٍ للمشكلة المتطوّرة، تستمدّ منه منى قدرتها على التعامل مع اختلاف ابنها. من نموذج والديها اللذين اختبرا هذا التناقض بحبّ متزايد، وتقبّل، بعيدًا عن الاستقطاب، تنشأ منى في ظلّ محبّتهما، لتعود لاحقًا، في نضجها، إلى الإفصاح عن أثر هذا الاختلاف في تشكيل رؤيتها للحياة، معيدة توظيفه في حياتها. وعليه، يمكن استخلاص وجهة نظر الرواية تجاه الحياة: ففي مسارها المليء بالتناقضات، والمتأرجح بين العسر واليسر، والألم والرضا، تظلّ إمكانيّة العيش بتصالح مع الأحداث قائمة ومتاحة، شريطة أن يتّخذ الإنسان من الحبّ والمحبّة منطلقًا وعونًا. كما يمكن استشفاف الحلّ الاجتماعيّ المحدّد من خلال فلسفة إنسانيّة ترى في التقبُّل أساسًا للعيش المشترك، وفي الاختلاف شرطًا من شروط الغنى الإنسانيّ.

في فصل الختام، وهو فصل قصير لا يُتمّ الخمس صفحات، يتولّى جاد زمام السرد. تُروى النهاية من زاوية نظره المكمّلة لزاوية نظر منى. يبلِّغ القارئ بزواجه بمنى وبعيشهما في القدس. كما يبلّغ بالمشروع الاجتماعيّ في رعاية رامي وكلّ من يعيش معاناته، فاتحين أفق الأمل للحياة في كلّ شروطها. وكأنّ لسان حاله يقول: إنْ كان للحياة سبيل، فلنشقّه بأيدينا، ولنكن ساعين نحو تحقيقها. يحتضن جاد ومنى الطفل رامي واحتياجاته، ويرعيان مواهبه الموسيقيّة.
إلّا أنّ هذه النهاية لا تغلق الرواية. تأبى الكاتبة أن تقف عند كلّ هذا الأمل والفرح العظيم والتفاؤل المنسلخ عن الواقع. فلأنّ المكان فلسطين، والحدود، وإن جاز أن نتجاوزها، تبقى فلسطين الواقعة تحت قيد الاحتلال. هذا هو السياق الزمنيّ التاريخيّ المكانيّ. وللسياق، كما سبقت الإشارة، أهمّيّة كبيرة في تأسيس المعنى. هي قضيّة يؤكّد عليها النقد الأدبيّ الذي يقارب معطيات النصّ بعدسة سيميائيّة. إضافة إلى اعتبار إبراهيم طه إيّاه بعدًا رابعًا في سيرورة البحث عن معنى والوصول إلى ما يرضي، يشدّد ميخائيل باختين من خلال فكرة "الحواريّة" على الأبعاد التحتيّة التي تجتاز المعنى الرسميّ في النصّ. فهذه تُمكّن من تعدّد معاني النصّ آخذةً بالحسبان دور النوازع (بيرجيت شِپيرز، "جوليا كريستيڤا والفكر النسويّ"، ص 24). أمّا جوليا كريستيڤا، فمن خلال نموذجها السيميائيّ الجديد في قراءة النصّ تعتمد على ما تسمّيه "التحليل الدلائليّ" كعِلمٍ يفتح النصّ على حدودٍ متقاطعة بين عوالمه (محمد بو عزّة، تأويل النصّ، ص 14-15).
من خلال نهاية ثانية تردّ الكاتبة الحكاية إلى سياقها، في آخر سطور الرواية. تفتح النهاية من جديد لتذكّر بأنّ الفلسطينيّ الذي يحبّ الحياة، حبّه مشروط في فتح السبيل. فإذ يبدأ رامي بالعزف في عرض موسيقيّ، يحدث حدث يبدو سقوطه في الرواية للوهلة الأولى عشوائيًّا صادمًا غير متوقّع. حدث نشاز يشبه الحوادث المستهجنة في الواقع الفلسطينيّ، يقطع سكون حياة الناس وينغّص فرح الناس. غير أنّه غير غريب. حدث تعتبر ماريانا تورچوڤنيك أمثالَه نهايةً مجدية، لأنّه يتصادم مع الواقع ويُقلِّل من ألفة الأحداث ويجعل القارئ ينظر إليها من جديد (ماريانا تورچوڤنيك، الخاتمة في الرواية، ص 27).
يُسمع صوت رصاصات عناصر حرس الحدود الإسرائيليّة تجاه الشابّ إياد الحلاق الذي يعيش حالة من التوحّد تصل حدّ التأخرّ في نموّه العقليّ. إياد الشابّ الذي استشهد في مايو 2020، عند عودته من المدرسة، والذي هزّت قصّته وجدان الناس ومشاعرهم، توظّفه الكاتبة بشكل دلاليّ مقصود في فصل الختام، ولا تعطيه حيّزًا سرديًّا كافيًا. لا تقدّم له كثيرًا ولا تعلّق عليه. تسقطه على النهاية من دون أي ذكر أو تلميح، إلّا أنّ السياق الذي أكّدت عليه منذ بداية الرواية وعلى امتدادها يسوّغ حدوثه ويقعّده في مكانه الطبيعيّ، على نشازه. تعتمده الرواية كحدث دلاليّ يردّ الفرح إلى سياقه الحقيقيّ مشكّلًا البعد الرابع الذي يكمل القراءة السيميائيّة لهذه الرواية.
بعد اقتحام هذا الحدث سكون الرواية ورضا شخصيّاتها بالمقدّر المقضيّ، وتمامًا في أسطر الرواية الأخيرة، تصرّ الكاتبة مرّة أخرى على إقحام حدث دلاليّ آخر. حدث أپوكاليپتيّ تخييليّ يغلق الرواية متأزّرًا، ومبدعته، بالأمل وواعدًا به. لا لأنّ المؤلّفة تملك ضمانًا للقرّاء، بل لأنّها لا ترضى إلّا ببثّ خطاب الأمل ولو بدا وهميًّا، أمل بواقع يحمل التفاؤل للناس ويعد بفرج قريب، طالما الإنسان يسعى، على النحو الذي ارتآه النقد واجبًا ومسؤوليّة على الخطاب النصيّ (طه، القبض على الدلالة، ص 20). خطاب يعد بواقع متخيّل وهميّ الصيغة لكنّه غير مستحيل. تذيّل الكاتبة روايتها بانطلاق صوت انفجار عنيف يضيء السماء، صوت ينادي بالحثّ على السعي والنضال والتحدّي من أجل الحياة. صوت انفجار يرافقه صوت نداء مقدّس يدعو إلى البحث عن المشيئة الإنسانيّة ضمن ما شاء الله بقدره، وتختَتم الرواية بالجملة التي بدأتها، بالإشارة الأكبر في هذه الرواية، تردّد عنوانها "لتكن مشيئتك".

المصادر:

باختين، ميخائيل. الخطاب الروائيّ. ترجمة: محمد برادة. القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، 1987.
بو عزة، محمد. تأويل النصّ: من الشعريّة الى ما بعد الكولونياليّة. الدوحة. الظعاين، قطر: المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السيّاسات، 2018، 14-15.
زعبي خطيب، دعاء. لتكن مشيئتك. زعبي خطيب، دعاء. لتكن مشيئتك. دمشق: دار ورد، 2025.
طه، إبراهيم. البعد الرابع: مساومات سيميائيّة مع الأدب الفلسطينيّ والعربيّ. الناصرة: مجمع اللغة العربيّة، 2016.
طه، إبراهيم. القبض على الدلالة: مقدّمة للنقد السيميائيّ التوليفيّ في الخطاب العربيّ. حيفا: مجمع اللغة العربيّة، 2022.
يقطين، سعيد. القراءة والتجربة: حول التجريب في الخطاب الروائيّ الجديد بالمغرب. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2014.

Schippers, Birgit. Julia Kristeva and Feminist Thought. Scotland: Edinburgh UP, 2011.
Taha, Ibrahim. "Openness and Closedness: Four Categories of Closurization in Modern Arabic Fiction." Journal of Arabic and Islamic Studies, vol. 2, 1998/1999, pp. 1-23.
Taha, Ibrahim. "Semiotics of ending and closure: post-ending activity of the reader." (2002): 259-277.
Torgovnick, Marianna. Closure in the Novel. Princeton University Press, 2017.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى