قيم الأرض في «عودة جفرا» لمفلح طبعوني
المقال التالي يهدف إلى القيام بتحليل ثيميّ لغويّ لقيم الأرض في قصيدة «عودة جفرا» للشاعر مفلح طبعوني. القصيدة من كتابه الذي يحمل الاسم نفسه "عودة جفرا"، وقد نشر في دار عنات للطباعة والنشر في رام الله، سنة 2022.
القصيدة منشورة أيضا في موقع ديوان العرب بتاريخ 25 شباط، 2022.
أساس التحليل اللغويّ للقصيدة هو تحليل ثيميّ لنصّ القصيدة. هذا التحليل اللغوي يهدف إلى تحليل قيم الأرض في القصيدة. كارنوخوفا ورفاقها (Karnaukhova et al., 2012) يعرّفون القيمة بأنّها كلّ ما له أهميّة معينة، أو معنى شخصيّ أو اجتماعيّ. وبناءً على ذلك، يُنظر إلى «اللا-قيمة على أنّها معنى غير مرغوب فيه، وضارّ، ويحاربه فاعلو النشاط السياسيّ. الكتّاب يشيرون أنّه يمكن توظيف القيم كأساليب ومعايير يتم بناءً عليها إجراء تقييم ظواهر ذات صلة بالوعي العام والثقافة، حيث يتم التعبير عنها على شكل أفكار معيارية وتعمل كإرشادات لتقييم النشاط أو الأفكار أو النصّ. هنا، نحن نعالج القيم في قصيدة للشاعر مفلح طبعوني. سنتّبع ثلاثة معايير خاصّة بهذه القيم: ما هي القيم الموجودة؟ المعاني في القيم الموجودة، وكيف عبّر النصّ عن القيم الموجودة.
تبدأ القصيدة بجفرا التي عادت من قلب الجبّ.
عادت جفرا
من قلبِ الجُبِّ
عادت تحمل أوجاع الحبِّ
تذرف مع أحزانِ الفلِّ
دمعا يروي أرضّ الغلِ
جفرا تحلم بالغيمِ
تنهل من نبعِ الخصبِ
بدايةً، جفرا هنا هي جفرا الأرض التي تعاني، هي «أرض الغلّ»، هي جفرا التي تحلم بالغيم، تماما مثل أرض الغل المشتاقة إلى المطر، وهي التي تحلم بأنّها ستنهل من «نبع الخصب». نجد هنا اذاً كلمات أو تعابير لها معنى المعاناة بما يخصّ جفرا: «تحمل أوجاع الحب»، «تذرف ... دمعا»، ومقابلها نجد التعابير التي تتعلق بما تحلم فيه جفرا، مثل ’تنهل من نبع الخصب’.
يوجد هنا إحالة إلى جبّ يوسف، لمّا أخرجه التجّار الذاهبون إلى مصر منه، فالعودة هنا هي عودة من ظلمة الجبّ إلى نور شمس أرض كنعان.
جفرا هي كائن متحرّك ومحرِّك، ويظهر ذلك عبر كلمات مثل: "أخذتني"، "تركتني"، "طارت"، "تفتح"، "تزرع" في الجمل "أخذتني جفرا من جبل المصلوب حتى باب العمود"، "تركتْني فوقَ السورِ، "طارتْ نحو الأبوابِ"، " جفرا تفتحْ صدرَ النّورِ"، "تزرعُ كلَّ حبوبِ العشقِ"، " تزرعُ كلَّ حبوبِ العشقِ". تحرّكها وتحريكها هذان يمكّنان من الربط بين الجغرافيا الفلسطينية، ممثّلة بمدن، مثل القدس، حيفا، يافا، نابلس أريحا. هذه المدن هي ذات تاريخ عريق، ويشهد عليه سور القدس وشموخ جبل الكرمل وسوق يافا، حيث الحنّاء والبخور، وجبل النار في نابلس.
يمكن النظر إلى جفرا في القصيدة على أنّها تمثّل قيم الأرض كما يراها الفلسطيني، وهي قيم تتراوح بين التجريد وبين المحسوسيّة. أدناه نتعرّض لبعض هذه القيم كما جاءت في القصيدة.
قيمة الصدق:
جفرا هي عنوان الصدق وهي مثاله. حين تشرب فهي "تشربُ مِنْ ظلِّ الصّدقِ، وبالتالي فهي "لا تعرفُ طعمَ الكذبِ". هذا الصدق لجفرا يرتبط بالنقاء الوطنّي للفلسطيني الذي يأبى أن يمارس "أوهام المكر" و"أكفان الغدر"، تلك التي تحدث "بينَ جنازاتِ القنصِ". نجدهنا قيمة الصدق إلى جانب قيمة النقاء الوطني، وفي المقابل لا-قيمة الكذب ولا-قيمة المكر ولا-قيمة الغدر.
قيمة العطاء:
يربط النص بين الأرض وبين العطاء في النصّ "كي تدخلَ حيفا مع يافا لبلادِ الجودِ". هذا الدخول يبدو جماعيّا، حيث يتعلّق بمدينتين وليس شخصين، وبالتالي فهذا العطاء هو من ميزات الهويّة الجماعيّة. هذا العطاء يشمل معاناة الفلسطيني وتضحيته، مثل "نزف الصلب" من أجل استمرار الحياة. هذا العطاء اذا هو فعل مقاوم يأتي أيضا عبر فعل التمازج مع زيت الزيتون، وهو فعل عمليّ (وضع الزيت على الجسد) وتجريدي بنفس الوقت (تمازج روحي)، وكذلك فعل التنوير، الذي يغلب عليه طابع التجريديّة. بكل الأحوال، هي أفعال تدل على الديمومة والارتباط العضوي بالأرض، وبالتالي هي ليست تجريديّة فقط.
قيمة قدسيّة الأرض:
معاناة جفرا من ناحية، والكاتب من ناحية أخرى، واضحتان في النص، وتظهران في مستويين. المستوى الأوّل هو مستوى الألم المادّي، ويظهر في أفعال مثل ذرف الدمع وشهق الرعب، والمستوى الثاني هو مستوى السمو الروحي، ويظهر في أفعال مثل أفعال العشق وأفعال الوجد. هذا السموّ الروحي يلازم قدسيّة جفرا، أليست هي الأرض التي تحضن الفلسطيني منذ القدم؟
هذا السمو الروحي يظهر في النص عبر تعابير مختلفة، مثل: "يفتحُ صدرَ النّورِ"، "تسكنُ فوق تلالِ الوجدِ"، "أعراس الشتل". هذه التعابير تضمّ ليس فقط أفعال السموّ الروحيّ، كما بيّنا أعلاه، بل أيضا عناصر هذا السموّ، مثل النور والوجد واعراس الشتل.
قيمة الاستمراريّة والخلود:
تظهر قيمة الإستمراريّة في القصيدة الحاليّة، والتي تؤدّي إلى خلود الأرض، وبالتالي إنسان الأرض الفلسطيني عبر ميراث القمح وكذلك مع أعراس الشتل. هذه القيمة أيضا تظهر في مستويين: المستوى المعبّر عنه بكلمات النزف، مثل "نزف الصلب"، "النزف مع جفرا في أرض المل" و "رائحة النزف". المستوى الأوّل يؤدّي إلى المستوى الثاني وهو المستوى المعبّر عنه بالانبعاث الدائم، عبر عمليّات مثل: "تزرعُ كلَّ حبوبِ العشقِ"، "تتلاقحُ مَعَ حبّات التينِ"، "تعجن طين التنوير"، "تتمازجُ مع زيتِ الزيتونِ". بالتالي، جفرا تعود لتؤكّد ميراثها وهو ميراث الحياة والخصوبة التي لا تنقطع، وهو ما يمنح الأمل صبغة الأبديّ والمستمرّ اللذين لا ينكسران أمام الإنكسار المرحليّ.
في النهاية، ينبغي التأكيد على أمرين. الأوّل هو أنّ العلاقة بين الشاعر وبين جفرا هي علاقة تبادليّة، بحيث يتجسّد أحدهما في الآخر: "أنزفُ مَعَ جفرا في أرضِ الملِّ، لا ابكي مِنْ وجعِ الصّدر، ازرعُها في غاباتِ النّور". الأمر الثاني هو أنّ “عودة جفرا” ليست عودة فرد، بل عودة جماعيّة، وهي إعلان عن إحياء الأمل الفلسطيني رغم المآسي، وتجسيد لفلسفة أن الحياة انتصار للذاكرة على فقدان الأمل. بالإضافة إلى ما تقدّم، أراد الشاعر مفلح طبعوني خلق جوّ أسطوري لجفرا عبر رموز القصيدة المتعدّدة، كما يخلق عادة الجوّ الأسطوري في النصّ الأدبيّ (موسى مبرك، 2009)، حيث خلط بين وصف تجربة الفلسطيني الحاليّة وتجربته في الماضي الذي جزء منها أسطوري.
مصادر:
موسى مبرك (2009). البناء السردي في رواية التّبرلإبراهيم الكوني (أطروحة دكتوراة). جامعة محمد خيضر بسكرة، الجزائر.
Karnaukhova, M., Aryabkina, I., Talina, I., Lukyanova, M., Danilov, S., & Khasyanov, O. (2021). Axiological component in political discourse and its analysis in the process of training masters of political science. Wisdom, (1 (17)), 111-124.
