لستِ في الذاكرة
لا أحتاج إلى التحرك بسرعة الضوء للتحقق من نسبية الزمن، فمشاعرنا وحدها كفيلة بإعادة تعريفه، فأيام السعادة تمضي كلمح البصر، ولحظات الشقاء تسير ببطء قاتل، وكأنها دهور وعصور.
سبعة وتسعون يوماً وليلةً، من عامي الأول في هذا الجحيم الأبدي، قد تبدو زمناً قصيراً لمن يعيش خارجه، ولكنها ليست كذلك بالنسبة لي!
رأيتها البارحة واقفة أمام شرفتها، ونسمات الهواء تداعب شعرها الأسود الفاحم، تتأمل الفراغ بعيونها الناعسة البريئة، وتحرك إصبعها في الهواء وكأنها تكتب سراً أثقل قلبها المتعب ثم تترك مصيره للرياح تأخذه أنّى شاءت.
كنت واقفاً كعادتي كل ليلة تحت نافذتها، اقتربت قليلاً وقاومت إغراء تأمل وقفتها الساحرة، لأقرأ ما خطّه إصبعها في الهواء، فقرأت هذه الكلمات: "لم يكن حبّاً عظيماً كما أخبرني يوماً، فالحب غير موجود إن لم تحتضنه ذاكرة المحب".
ربما لم تكن كلماتك موجهة إليّ أصلاً، وربما كنت مجرد عابرٍ قرأها فظنّها رسالة، وبعض الكلمات تجد أصحابها حتى إن لم تُكتب لهم
وإن كانت موجهة إليّ، فاسمحي لغريبٍ مرّ صدفةً أن يكتب رداً لهذه الرسالة. وأقول، ربما لم تلحظ وجودي كل ليلة في الحرّ والقرّ تحت نافذتها، فمثلها لا ينظر إلى الأرض، وإنما يبحث في السماء عن نظير له، نجم مضيء أو قمر منير، وهي معذورة في ذلك.
لعلّها نسيت أحاديث قديمة تدحض هذا الادعاء، وليالٍ وصلناها بالنهار في أيام مضت كومضة برق في أرض مظلمة.
لنتناول هذا الادعاء من منظور فلسفي، وبأقصر طريقة ممكنة، اعتاد الفلاسفة القدماء على تقديم آرائهم وفق ثلاثة أجزاء؛ مقدمة كبرى، ومقدمة صغرى، ونتيجة، كالمثال الشهير في علوم الفلسفة، تقول المقدمة الكبرى أن كل إنسان سيموت، والمقدمة الصغرى تقول بأن سقراط إنسان، والنتيجة استناداً للمقدمتين أن سقراط سيموت!
تعلمين جيداً أن الحب هو أثمن ما يقدمه الإنسان ولا سيما إن كان صادقاً لا تشوبه شائبة دنيوية، والحبّ الخالص نادر الوجود كالأحجار النفيسة النقية، وهذه المقدمة الكبرى، أما المقدمة الصغرى فهي أن المقتنيات الثمينة تُوضع في ركن خفي لا في مكان ظاهر للجميع، والنتيجة؛ لا يحيا الحب مع التفاصيل البسيطة في الذاكرة اليومية فهو أسمى منها بكثير، وإنما يجلس على عرشه في ركن عميق في القلب والروح!
من منظور نفسي، فالذاكرة تمثل جزءاً ضئيلاً من العقل مقارنة باللاوعي، والذاكرة بالنسبة للاوعي كظاهر الجبل الجليدي بالنسبة للجزء الخفي منه في أعماق البحر.
أما الذاكرة فهي للعمليات المنطقية في حالة اليقظة كالحسابات واتخاذ القرارات، وأما اللاوعي فهو خزّان المشاعر والانفعالات، ولا سيما المكبوتة.
وبين الذاكرة واللاوعي، يقف ما يسميه فرويد بالرقيب، وهو المسؤول عن حبس هذه المشاعر وبقائها في اللاوعي فلا تتسلل إلى الذاكرة في أوقات اليقظة، ولكنه يغفو قليلاً في أوقات النوم، ولذلك، لا يظهر المحبوب في ذاكرة المحب إلا في أحلامه اليومية، وأحياناً في أحلام اليقظة، وفي حالات السُكر.
ومن جانب آخر، فالذاكرة من وظائف العقل، ولا يعمل العقل والقلب في آن واحد، فإما عاقل يستعين بعقله، وإما عاشق يهيم بقلبه، ولم أشهد طيلة حياتي ضدّان قد اجتمعا!
أما إذا كان معنى كلمة الذاكرة تذّكر المحبوب كثيراً فهي من أدنى درجات الحب، فالذاكرة تستدعي ما تخشى فقدانه، ولا تطلب شيئاً متغلغلاً في أعماق الإنسان، لا تطلب شيئاً أصبح جزءاً أصيلاً من روح المرء.
وفي حالة المدعى عليه في شكواك، فالخسارة الأعظم قد وقعت، والمقام في القلب موجود، فما الحاجة للتذكّر؟ وحسبه الخيال، وأحلام الليل التي يستريح بها من واقع لا يريده، فيكتب حكايته كما يتمنى، ويحياها، وذلك كل ليلة!
الحب يا عزيزتي ليس امتحاناً للذاكرة، ولا يُعرف بكثرة استدعائه فيها، وإن أصدق أشكاله هو الهدوء الداخلي الذي يبقى بعد انتهاء الحكاية.
قد تختلف محتويات ذاكرتكِ عن محتويات ذاكرتي، ولا أعلم إن كنت حاضراً في ذاكرتك المنهكة أو قلبك العظيم، ولكنني أخبرك عن جزء يسير مما تحمله روحي، أخبرك عن بعض الشوق فقط، فوجودك يجعل عالمي الصاخب أكثر هدوءاً. لقد امتلأ قلبي شوقاً في الأيام الماضية إلى حدّ يكاد يدفعني إلى حافة الجنون.
وربما لم تكن كلماتك حكماً على الحب بقدر ما كانت محاولة للنجاة منه، فالإنسان لا ينكر ما شعر به عبثاً، بل حين يخاف أن يقوده الشعور إلى مستقبلٍ مجهول. وإن كان الخوف قد دفعكِ إلى النفور، فلا ألوم قلباً اختار الطمأنينة على المغامرة، فالحب الحقيقي لا يعاتب من خاف، بل يفهمه حتى وهو يتألم منه.
لا أكتب هذه الكلمات بدافع الرجاء، بل لأخبرك بأن في القلب متسعاً لهذه المشاعر دون أي مقابل، وإنني في هذه الساعة المتأخرة من الليل، أكتب، كمسافر رأى في طريقه لافتة فيها اسم مدينة يحبّها فابتسم ثم أكمل طريقه.
لقد أطلت الجدال، ولعلك قد سئمت منه، ويسعدني أن أدحض ادعائك الزائف قبل أن يرتد إليكِ طرفك، وأقول كلمة واحدة، قلتها مراراً وأقولها الآن، ولن أبدّلها حتى يواريني الثرى، أحبّك!
