الثلاثاء ٢٢ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
النص الفائز بالمرتبة الثالثة في مسابقة ديوان العرب
بقلم تقى المرسي مصطفى

متتـالية الزمـن الفلسـطيني في الرواية العربية المعاصرة

الزمـــن.. الأرض.. الجســـد (من 1965 إلى 2010م)

مصطلحات البحث:
متتالية الزمن المتنامي
متتالية الزمن الوجودي
متتالية الزمن الغيبي
متتالية الزمن اللامرئي
متتالية الزمن السائل
منهج البحث
مفهوم المتتاليات الزمنية:
لعلَّ ما يناسب فكرة المتتاليات الزمنية في الرواية يمكن أن نلخصه في هذا المصطلح، وهو التواصل البنيوي» لأن مصطلح «التواصل»، من أهم أدوات منهج النقد الثقافي، ومصطلح «البنيوي»، يأتي لربط التصور المنهجي في البنيوية التوليدية بالتصورات الزمنية عن الحالة الفلسطينية، واعتبار الزمن «بنية» متولدة عن بنية أكبر وهي «الحالة الفلسطينية»؛ حيث يمكن اعتبار الزمن هو الحالة الوحيدة في عناصر البناء السردي للرواية، الذي ربط بقية مفردات الحالة المشار إليها بالحالة الوجودية. وفي حالة التواصل المشار إليها سلفًا نرى كيف يتم تقديم أهم مصطلحات «النقد الثقافي» من خلال تشكيلات المتتاليات الزمنية، ويكون الرابط في هذه الحالة هو ذلك التفكير غير الظاهر لكل أدوات النص داخل صورة فلسطين في الرواية، ومن ناحية أخرى تمثل حالة التواصل للبنية المشار إليها «وجودًا» متغيرًا داخل بنية الرواية، ولأن المصطلح المقترح «التواصل البنائي» يشير إلى منهجين نقديين من أهم مناهج النقد العربي المعاصر، إلا أن البحث يُضفي عليهما تصورات وأدوات الفكر الروائي، الذي يصبح أداة لرؤية العالم.
في تصور منهج البحث، نجد الصورة الأكثر وجودًا كون النص بنية ليست شكلية كما تشير النظرية النقدية، ولكنها بنية وجودية، تحمل بين طيّاتها «أيديولوجية نصية» تجعل من الخطاب الروائي تصورًا وأداة في الوقت نفسه. هنا يتجاوز مفهوم المنهج المشار إليه تجاوزًا ظاهرًا ليضفي عليه تصورًا ذاتيًا يقدّر قيمة عناصر البنية الروائية، ليست بالصورة التقليدية، ولكن بالصورة التي تجعل من هذه العلامات النصية علاقات تداخلية، تصنع من ثقافة النص الروائي صورةً منهجية لفكر حكائي وسردي جديد.
إن رؤية العالم الذي خصها (جولدمان)، بأنها تشمل صورة الواقع، تجعل من تفرد البنية الحكائية حول الزمن الفلسطيني، ليست مجرد بحث عن دلالات وأفكار، وإنما هي إعادة تشكيل لتفكير الإنسان في مواجهة الواقع، وهذا ما سوف يركز البحث عليه من خلال الأدوات المنهجية والنصية التي يوظفها البحث لإظهار ثقافة الزمن عن صورة فلسطين من خلال المتتاليات الزمنية.
يركز البحث على الدلالات الوجودية لحركة الزمن داخل عناصر البنية السردية التي وظفها الرواة والسُّرَّاد في النص، وهذا يشمل معانٍ بنيويةً عن المكان، والذي لايمكن اختزاله، كما في المعني الفيزيائي، بل «المعنى بين حركة الزمان والمكان معنى تواصليًا، بل واعتباره معنى لانهائيا» . وهذا بدوره يعطي للبحث فرصة لإظهار أهم عناصر وجود الزمن من داخل المنظور الوجودي للفكرة، يحظى كل عنصر في بناء الحكاية داخل التصور بفهم علاقاته الزمنية، وأثرها على حركة الذوات والأفكار واقترابها، أو بُعدها من خلال المتتالية الزمنية، ومن أهم أدوات المنظور القيمي ما يمكن رصده ليس فيما يخص علاقات الشكل بصورة الزمن، وأثرها على الشخصيات السردية، ولكن أيضًا فيما يخص علاقات الزمن بالصور المادية لفلسفة الحالة الوجودية التي جعلت الإنسان الفلسطيني يتحول من مجرد راصد للفعل في منظور الواقع الفلسطيني إلى فاعل في هذا المنظور، ومحرك أساسي لحركة الزمن في الوجود الإنساني.

الفصل الأول
الدلالات الوجودية للزمن الفلسطيني
دلالة الزمن الوجودي
الزمن في الرواية الفلسطينية هو القاسم المشترك الذي يحرك مفاهيم وتصورات الوجود الإنساني في الأراضي العربية المحتلة، وإذا أردنا أن نبحث في عناصر البنية السردية التي تتصل بفلسطين في الرواية المعاصرة، لوجدنا الزمن، أو لنقُل «متتاليات الزمن» والتي تعني الحركة التي تقدمها العناصر الحكائية في النص هي التي تحرك الأحداث، وهي التي تصبغ وجود الشخصيات، وتحدد هويات الذاكرة. والذاكرة على وجه الخصوص، ما هي إلا أحداث تجرها مفاهيم زمنية تم التعامل معها من خلال حالتين حكائيتين:
– الأولى: الحالة الحكائية المادية.
– الأخرى: الحالة الحكائية المسكوت عنها، أو القيمية.
وإذا أردنا أن نعطي تقييمًا شكليًا لفكرة التوالي الزمني، ولا سيَّما ما يمكن اعتباره واقعيًا، فإنَّ ربط هذا التوالي بالمبنى الحكائي الذي يعطي الوجوه غير الظاهرة للزمن في معناه المادي، مثل الفضاء الحكائي والفكرة وظواهر الحياة اليومية، فإن ذلك يؤدي في النهاية لجعل حركة الزمن هي حركة للتاريخ من ناحية، وللأشكال التي يظهر الزمن في صورتها من ناحية أخرى، بل كل ما يمكن أن يدخل في باب «ما تفعله الشخصية باعتباره محتملاً أحيانًا»، أو واقعيًا أحيانًا، وهذه الفكرة التي يشير إليها «جاكبسون» في معنى واقعية الفن كدلالة محتملة التكوين، ويدخل فيها الزمن باعتباره رابطًا شكليًا، ورابطًا دلاليًا.

هذا التكوين البنائي الذي يقدمه الزمن بالمعنى الوجودي، يمثل «استعارة بنائية كبرى تتماهى مع معناها» ومع أدوات ظهورها في متتالية الزمن، وكأننا إزاء الجاذبية الكمية التي تجمع الإنسان وحركة الزمان والمكان. بدا هذا جليًا في رواية «عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني، والصادرة عام 1969م. فالعودة هي حركة التاريخ، بمعنى أن الزمن أو متتاليات الزمن الذي مرت بها الذات الرئيسية في الرواية «سعيد»، حيث الصدمة التي لا يمكن استيعابها من الناحية العقلية، وحتى من الناحية الاحتمالية حينما يصل «سعيد» إلى البيت القديم، فيجد ابنه «خلدون» الذي اعتقد أنه ميت، على قيد الحياة، وقد ربته امرأة يهودية وأصبح جنديًا في الجيش الإسرائيلي، لقد لعب الزمن لعبته في ذاكرة الرجل، والعودة بالنسبة له أصبحت كابوسًا، ثم ظهر التتالي الزمني في «الابن» حيث المواجهة بين الذاكرة والواقع ممثلاً صورة الصدام الوجودي في النص.
لم تكن عودة سعيد إلا صورة لحركة الزمن بدت من الناحية الشكلية في صور متعددة، منها:
– البيت القديم، وكيف تغيَّر!
– الابن، وكيف أصبح جنديًّا يهوديًا!
– الصورة الوجودية، وكيف أثَّرت على الرجل!
يلُاحظ هنا أن أدوات الزمن الوجودي تتحول على يد «سعيد» -البطل العائد إلى حيفا- إلى أسئلة وجودية، ويبدأ عمل الذاكرة التي تستحضر النكبة والهجرة القسرية والعودة، فهذه التحولات التي أحدثها الزمن ليست بالتحولات التي يمكن الوقوف حولها، مقاربةً بالشكل الذي ظهرت عليه الأرض، ولكنها تحولات وجودية، فهي تحولات فوق الاجتماعية والسياسية التي رصدتها (سحر خليفة) في روايتها «ربيع حار» الصادرة عام 2004م.

وهنا يظهر وجه آخر لمفهوم الزمن الوجودي، بعد مرور هذه المدة الطويلة على رواية غسان كنفاني، حيث يعطي عنوان الرواية الدلالة الزمنية المتناقضة بين «الربيع» باعتباره زمن التفتُّح والنمو، والاجتياح الدموي لمدينة نابلس، إذ تمثل الرواية كلها حالة حكائية تعتمد على شكلين من أشكال المنظورات الحكائية:
– الشكل الأول: اجتياح المدن الفلسطينية «نابلس ورام الله».
– الشكل الآخر: المنظور الغيبي الذي يمثل جوهر الحركة الحكائية في الرواية.
لقد أصبح الراوي في النص ممثلاً لحركة الزمن، بل هو الممثل الوحيد لهذه الحركة الوجودية، هنا يتحول السرد إلى نوع من بلاغة الموقف . شقيقان يمثلان النقيض الوجودي؛ بين منظور الفن عند «أحمد»، ومنظور الواقع عند «مجيد»، حيث تبدأ حركة الزمن في تشكيل صورة الأحداث، ونلاحظ أن الفكرة الرئيسية عند (سحر خليفة)، تكمن في تصوير التحولات الإنسانية والاجتماعية التي تعطي الوجود الإنساني أدوات الحركة، وإذا قارنَّا التحولات التي قدمتها المتتاليات الزمنية على شخصيات الروايتين، (عائد إلى حيفا، وربيع حار)، فسوف نخرج بالتشكيلات الآتية:
– التحولات الوجودية هي سمة (عائد إلى حيفا).
– التحولات الاجتماعية والسياسية والإنسانية سمة (ربيع حار).
– التحولات عند غسان كنفاني تمثل صدمة وجودية.
– التحولات عند سحر خليفة تمثل الطموح في رغبة إعادة تشكيل الواقع.
إن المواجهة بين الأب والابن في (عائد إلى حيفا)، تقدم حركة الزمن في فقد الابن، ثم العثور عليه من قِبَل المرأة اليهودية، وها هو سعيد متوجهًا إلى زوجته صفية: أين خلدون يا صفية؟
يبدو التكثيف الزمني الذي يجعل من توالي الأحداث شكلاً ماديًا للدلالة هو السمة البنائية التي تتحكم في رواية (عائد إلى حيفا)، حيث تتجاوز الأحداث فكرة الحياة والموت، وفكرة الوجود إلى عالم غير منتهٍ ممثلاً في الصبي «خلدون» الذي تربى في أحضان الدولة العبرية، وأصبح «دوف»! لا مكان هنا للتفكير، وإنما هي حياة خارج الزمن.

الفصل الثاني
الصورة الأيديولوجية للزمن الفلسطيني
بدا التسلسل الزمني في «عائد إلى حيفا» وجوديًا، بينما ظهر في «ربيع حار» بحركته الاجتماعية والإنسانية التي تتكون من خلال التغير الجوهري الذي طرأ على الأخوين، والتحولات النفسية التي جعلت حركة الزمن بمثابة «الالتفات البنائي» .
تتجلى هذه الأيديولوجيا الوجودية للزمان باعتبار الإنسان نسيجًا من الواقع والمكان، وبشكلين للوجود المطلق والمعين . ففي رواية «رأيت رام الله» للفلسطيني مريد البرغوثي ، الصادرة عام 1997م، وربما جاء التحول إلى كتابة الرواية بمثابة البحث عن الزمن الفلسطيني في صورة واقعية لا تقدمها القصيدة؛ فالرواية تُظهِر «قيمة النص بصيغة اندراجها المضاعفة في التشكيل الأيديولوجي» ، حيث يدخل النص بحسب عبارة «تيري إيجلتون» في سلسلة من القيم والاهتمامات والحاجات والقوى والطاقات المحددة تاريخيًا، وهذا ما نصفه في حالة التوالي الزمني وأشكاله الوجودية والثقافية في حركة الأحداث والأمكنة والفضاءات التي تشكل صورة فلسطين، باعتبارها مرجعًا وجوديًا للتفكير الذي يلتصق بحركة الزمن. تحولت سيرة الكاتب إلى أيقونات مادية ظاهرة يتحكم فيها الزمن، حيث العودة المثقلة بكل ما حمله الزمن من مفاهيم يمكن حصرها بين دلالتي: الزمن الوجودي والزمن الواقعي.

وفي عنوان الرواية «رأيت رام الله» تتخفى حركة الزمن، فالرؤية الماضية مع تصور امتدادها في الزمن الحاضر، ثم تأويل هذا الامتداد إلى الزمن القادم، هو الذي يشكل فكرة الرواية، وإن كانت الحكاية فيها لا تحمل حدثًا مركزيًا، وإنما هي خط سير لحياة كاتب من فلسطين، فالمنفى الذي مارسه الكاتب، وتوالي الأحداث، ثم العودة، شكل من أشكال الزمن الأيديولوجي.
وتبدأ المعاناة للعائد والشخصيات التي تمارس وجودها الزمني في وجود بطل الحكاية «الذات الرئيسية للأفكار»، لأن النص ما هو إلا نوع من الحركة بين فكرة الوجود والأرض، في فلسطين وفي المدن العربية التي عاش فيها، ثم تتجلى الحركة الزمنية في الوجود الآني للمكان «رام الله» يعود الرجل بالزمن إلى حيوات متقلبة ومتداخلة تتجلى فيها صورة الواقع بين الذات والوجود على النحو التالي:
– المنظورات التي وظفها في حضوره إلى المدينة.
– المنظورات النفسية ممثلة في حالة الاغتراب.
– المنظورات الواقعية ممثلة في الصور الإنسانية.
يمثل الزمن الفلسطيني في الرواية العربية عددًا من أشكال الحياة التي يمارسها الإنسان في الأراضي المحتلة، أو في المنافي البعيدة، على النحو الذي يجعل من هذه الأشكال معبرًا لتنامي حركة الحياة ذاتها في قلب المعنى:
– الفكرة الوجودية، حيث يبدأ الزمن بحالة الصدام الأولى للإنسان الفلسطيني.
– فكرة التحولات المتنوعة الذي يصطدم بها العائش في فلسطين.
– فكرة العودة التي تعطي للزمن قيمته الوجودية.
– فكرة ممارسة الحياة الإنسانية في قلب الواقع الفلسطيني.
هذا التنامي يمكن أن يقود حركة التاريخ إلى التحول الوجودي الأول الذي بدأ عند غسان كنفاني، ثم مر بالتحولات عند سحر خليفة، وأعطى للتحولات شكلها الحياتي عند مريد البرغوثي، وهكذا يصطدم الفعل في قلب الحكايات.
الزمن المتنامي في الرواية الفلسطينية
فكرة الزمن الوجودي تصور العلاقة بين الإنسان وبين الوجود المادي أولاً، ثم الدلالي الذي يعتمد على العلاقة بينه وبين الغيب الذي يدين له بتلك المقاومة المريرة التي يواجهها عندما يتذكر التوالي الزمني الذي يعيشه في أرضه، ثم يعيشه مرة أخرى في جسده، ثم يحاول أن يعيشه ثانية في الآخر، في ذاكرة المكان والأفكار والأيديولوجيا، وفي الأرواح التي تحوم حول المكان.
هكذا صاغ الروائي «واسيني الأعرج» حكايته التي تتناصُّ بصورة ظاهرة مع الفكرة الملحمية التي تظهر الإنسان؛ ليس في صورته الحقيقية، ولكن في صورة تعلو فوق الواقع، وذلك في رواية «سوناتا لأشباح القدس» الصادرة عام 2007م، وكأنه يمارس فعل المواجهة مع الزمن؛ إن الراوي يسحب الزمن من صورته الواقعية ليشكّل به نوعًا من التنامي الشعوري، على شكل السوناتا الموسيقية التي تظهر الشخصيات والمواقف في مدينة «القدس المحتلة» وكأنهم أشباح يحومون حولها، «مي» الفنانة التشكيلية الفلسطينية والتي تعيش خارج الزمن الفلسطيني في الغربة تكتشف السرطان الذي يأكل جسدها، فتوصي ابنها «يوبا» الذي ولد وعاش في المنفى «باريس» بأن يحرق جسدها وينثر رماده في القدس.
يتنامى الزمن في حكاية «الابن» الذي عليه أن يواجه عالمًا جديدًا، زمنًا لم يره، لأن رؤية الزمن هي التي تجر وراءها كل شيء في الحكاية، كان عليه أن يقوم بتنفيذ وصية أمه، التي أرادت أن تتحد بالمدينة المقدسة، أن تذوب في أشكالها وألوانها وأناسها، وأن يتحوّل الزمن إلى عدم، هذه العودة تختلف عن العودة في رواية «عائد إلى حيفا» والعودة في «رأيت رام الله»، وممارسة الحياة عند سحر خليفة، هذه عودة الروح، زمن تتلاشى فيه الأشياء، وأجساد غير مرئية تتلو ألحانها في القدس، منظورات تدخل في عراك مع النص، وأفكار تصارع الوجود والتاريخ يعود على هيئة أشباح.
يقدم واسيني الأعرج اليقين الوجودي الذي يجعل العودة أمرًا حتميًا، سواء بالجسد، أم بالروح، العودة لم تعد شكلاً ماديًا من أشكال الوجود الإنساني، بل أصبحت حياة لا مرئية سوف تتحد بالأشياء، ثم تعود إلى الحياة مرة أخرى. إن الراوي/ المشاهد هو الذي يحرك الزمن اللا مرئي في الحكاية، ولذلك اكتسبت المتتاليات الزمنية ملمحًا جديدًا يُظهر مواجهة الإنسان مع واقع الاحتلال، هذه المواجهة لم تعد تجدي بالصدام الذي يُفضي إلى الموت، بل المواجهة أصبحت قدرية، يتحكم فيها زمن ملحمي، هو الذي أعطى للفنانة التشكيلية الفلسطينية «مي» فكرة عودة الروح إلى المكان، فكرة الاتحاد بسماء وأرض القدس، وفي حالة زمنية لا يمكن أن يحدّها شيء؛ إنها حالة متنامية، هكذا يبني الراوي الحكاية، وهكذا يصنع جيلاً جديدًا لم يرَ الأرض، ويضعه في مواجهة المدينة المقدسة المحتلة، ليشكل منه بجانب الصورة الزمنية الملحمية، صورةً لا متناهية من الحالة الفلسطينية.

أما الزمن المتنامي عند «إميل حبيبي» في (المتشائل)، فهو يمثل صورة مختلفة عن التفكير الوجودي للواقع الفلسطيني، وعندما نقول واقعًا، فنحن نتكلم عن صيرورة زمنية، وعندما نتكلم عن الذات فنحن نصف شكل الصيرورة الزمنية، وعندما نتكلم عن المكان فإننا ندخل في شكل هذه الصيرورة، كل ذلك يتجلى في رواية «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل»، التي صدرت عام 1974م، حيث يصوغ «إميل حبيبي» روايته الغريبة على هيئة رسائل من خلال تشكيلات ثلاثة:
– التشكيل الأول: يعاد: عن عودة سعيد إلى فلسطين متسللاً بعد النكبة.
– التشكيل الثاني: باقية: عن محبوبته باقية، وتمسكها بالزمان والمكان.
– التشكيل الثالث: يعاد الثاني: عن الابن «ولاء» الذي يختار طريق مقاومة العدو.
الفصل الثالث
الزمن اللا مرئي في الرواية الفلسطينية
في رواية «المتشائل» لسنا أمام متتاليات زمنية ظاهرة، وإنما أمام حالة زمنية لا مرئية تتحرك في ذاكرة الشخصيات، والأفكار، والأماكن، وممكنات الحكاية التي تسيطر على ذاكرة سعيد أبي النحس، لكن «باب الشمس» لإلياس خوري، الصادرة عام 1998م، يتعمد الراوي أن يقدم الحياة داخل الزمن بصورة لا يمكن التعامل معها إلا بعد أن يمارس وجوده، ففي مدة زمنية تصل إلى خمسين سنة يعيش يونس متسللاً إلى مغارة «باب الشمس» في الجليل الأعلى كي يلتقي بزوجته «نهيلة» سرًا، أنجب أطفالاً، عاش حياة لا مرئية، قرر الرجل أن يجعل من الزمن حالة لمقاومة المحتل، مقاومة المحتل هنا تتمثل في عدة عناصر بنائية في النص:
– يونس الذي يحيا في غيبوبة في مستشفى الجليل بمخيم شاتيلا في لبنان.
– تلميذه الذي يجلس إلى جواره يتحدث معه كأنه ينصت.
– الحكايات التي تمثل للإنسان زمنًا لا مرئيًا ومركبًا.
– المغارة التي يتحول الزمن فيها إلى رمز للخصوبة والوجود.
– السرد الحكائي الذي يحتفي بالذوات والأماكن والأفكار والطموحات.

في حكايات «باب الشمس»، الزمن ومتتالياته يصنعان الصورة الأيديولوجية للوجود الفلسطيني المحتمل، بل الوجود الفلسطيني الحقيقي، وجاءت إشارة المؤلف في آخر الرواية على شكل اعتراف، أن الحكايات التي ملأ بها روايته كانت حقيقية، وأن الرواة حقيقيون، وأن ملاحم الصمود كانت حقيقية .
إن الممكنات السردية التي مارسها الراوي في بنية النص» ليس فيها مدى، ولا اتساع كما في تحليل حميد لحمداني» وإنما هي حالة بنيوية للزمن النصي، والزمن الواقعي. في باب الشمس جعلت من الزمن حالة وجودية مركّبة صنع من خلالها أشكالاً للحكاية، ومن هذه الأشكال يمكن العثور على دلالات للزمن الفلسطيني اللا مرئي:
– الحكاية المؤسسة لفكرة الزمن المباشر.
– التداعيات الحكائية التي خاطب بها الجسد الغائب.
– حكايات التسلل إلى الأرض المحتلة.
– حكايته مع نهيلة وإنجابه للأطفال.
– التصورات الأيديولوجية التي غلف بها الحكاية.
المنظورات الحكائية تمثل شكلاً فلسفيًا من أشكال الحكي في الرواية المعاصرة، تأكيدا للصراع بين الفرد والمجتمع، وافتراض نوع من الكلية في الرؤية للعالم داخل الرواية. إن الأيديولوجية الذاتية التي تعامل بها «يونس» الذات الرئيسية في الحكاية هي مقاومة الواقع بالحكاية، مقاومة الموت والوجود بالسرد، والسرد يعني الزمن، أنه يلخص «الزمن اللا مرئي» في تداعيات حكائية يصنع من خلالها ملحمة للإنسان المعاصر، الذي يرفض في مواقف تالية أن يخضع للعودة الرسمية من خلال البوابات والتصاريح، ولكنه يعود عودة «غيبية» يستخدم فيه الزمن اللا مرئي ليحقق العدالة الذاتية لنفسه، ولمحبوبته، وللحالة الوجودية التي أنشأها.
إن صياغة الحكاية بالشكل الذي فعله إلياس خوري، يتماهى بصورة كلية مع صياغة الزمن في حكاية سعيد أبي النحس؛ العودة الغيبية لعودته متسللاً إلى الأرض المحتلة، أما العودة المشهودة في رواية غسان كنفاني، كانت إعلانًا زمنيًا متعاليًا على الاحتلال، ومواجهة الوجودية مع الابن الذي صار جنديًا في جيش الاحتلال.
الزمن السائل.. في الزمن الفلسطيني
فكرة تجسد العلاقة بين الإنسان والحالة الفلسطينية، وعلاقتها بالزمن، تتشكل هذه الفكرة في مصطلح «الزمن السائل». وهذا يعني أن هناك حالة تاريخية يعيد الزمن فيها تمثيل الحقائق المادية والمعنوية التي تؤرخ للقضية الفلسطينية. ويأتي تصور هذا المصطلح في الروايات التي تغطي مساحة زمنية ممتدة، مثل ما يحدث في رواية «زمن الخيول البيضاء» لإبراهيم نصر الله، الصادرة عام 2007م، حيث تبدأ من عهد الانتداب العثماني والمقاومة العربية في صورها الباهرة، ومرورًا بالانتداب البريطاني، وهي الفترة الحقيقية للمأساة الفلسطينية؛ إذ قامت فيها حكومة الاحتلال بتمويل هجرة اليهود من أنحاء أوروبا إلى الأراضي العربية في فلسطين، وتمويل العصابات الصهيونية التي أدت دورًا معروفًا في عملية التهجير الفلسطيني. نلاحظ هنا أن فكرة الزمن هي التي تسيطر على الصورة المركزية للرواية التي تنتهي عام 1948م.
إن السيولة الزمنية التي نراها في الرواية، أظنها تعيد نفسها وتتكون في شكل المقاومة بالأسفار الثلاثة التي يقدمها إبراهيم نصر الله: (سفر الريح - سفر التراب - سفر البشر). وتتبلور في شخصية «خالد» الفارس الذي يعشق الخيول البيضاء، رمز القوة القاهرة التي تسري في دماء العرب في الأرض المحتلة.
الزمن ومراحله في الرواية هو السياق الحق للفكر السردي الذي يطرح نفسه من خلال الرموز؛ بالحكي، والأفكار، والمعارف، وعادات وتقاليد العرب في قرى الأرض المحتلة. تطرح فكرة «الزمن السائل» في رواية أخرى من أهم الروايات التي مثلت الرمزية للحالة الفلسطينية، وهي رواية «الطنطورية» لرضوى عاشور، الصادرة عام 2010م، وهي الرواية التي فتحت أبواب الذاكرة الفلسطينية على سرد يمزج بين الشكل الواقعي، والشكل المجازي في امرأة «رقيّة»، وفي زمان ومكان محددين؛ «الطنطورية» قرية فلسطينية. استخدمت المؤلفة المرأة رمزًا للتفكير السردي المرتبط بأسلوبين من أساليب الحياة:
الأول: الارتباط بالأرض، رمز الإبداع والإنبات والخصوبة.
الآخر: الارتباط بالمرأة، رمز الإبداع والجمال والخصوبة.
واستغل السرد شكل العادات والتقاليد الشعبية الفلسطينية ليقدم صورة باهرة من صور الحياة، التي تسيل مع الزمن وتترك أثرها في الذاكرة. ثم يأتي خط سير حياة المرأة: (ترك الأرض - المجازر الفلسطينية - حياة الشتات - الحرب الأهلية اللبنانية - حصار بيروت). كل هذه أشكال للصيرورة الزمنية في مواجهة الوجود الحقيقي للأرض الفلسطينية والإنسان الفلسطيني. هناك تشابه رئيسي بين التجربة الحقيقية وفهم الواقع الفلسطيني، وكأننا أمام «مجموعة من التوافقات (الإسقاطات) بين مجالين؛ الافتراضي والحقيقي، وبذلك فهناك تبادل استعاري يعتمد على المفاهيم بين المجالين».
كل شخصية في الرواية يملؤها الطموح بزمن آخر، فالزمن هو الذي يحرك الذاكرة. وكل طموح يرتبط بمكان بعيد تبعًا لحركة الزمن وحركة المكان؛ فمن الأولاد من يسافر إلى الإمارات، ومنهم من يتوجه إلى فرنسا، ومنهم من يتمسك بالأصل، ممثلاً لمن يحاول أن يمسك الزمن حتى لا يتحرك بعيدًا عن الأرض العربية.
وبرغم أن «الطنطورية» بُنيت مكانها مستعمرة صهيونية، فإنها بُنيت فوق الأرض العربية، وسيمحوها الزمن العائد، وسوف تعود الطنطورية كما تعود كل الأرض الفلسطينية في زمن جديد.
وما يستنتجه البحث:
إن المتتاليات الزمنية لصورة الوجود الفلسطيني في الرواية العربية تصنع أشكالاً متعددة للزمن الحكائي، نذكر منها:
– الزمن المشهود.
– الزمن الوجودي.
– الزمن الغيبي.
– الزمن المتنامي.
– الزمن اللا مرئي.
– الزمن السائل.

المصادر والمراجع:
1- إبراهيم نصر الله: زمن الخيول البيضاء، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط 6، 2012م.
2- إلياس خوري: باب الشمس، دار الآداب، بيروت، 1998م.
3- إميل حبيبي: الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل، دار عربسك، حيفا، ط 1، 1974م.
4- تيري إيجلتون: النقد والأيديولوجية، ترجمة: فخري صالح، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1992م.
5- رومان جاكبسون: عن الواقعية في الفن، ضمن كتاب: نظرية المنهج الشكلي، ترجمة: إبراهيم الخطيب، مؤسسة الإيمان العربية، بيروت 1982م.
6- رضوى عاشور: الطنطورية، دار الشروق، القاهرة، ط 1، 2010م.
7- سحر خليفة: ربيع حار، منشورات مركز أوغاريت الثقافي للنشر والتوزيع، رام الله، ط 1، 2004م.
8- غسان كنفاني: عائد إلى حيفا، دار منشورات الرمال، بيروت، ط 2015.
9- لوسيان جولدمان: المادية الجدلية وتاريخ الأدب، ترجمة: محمد برادة: ضمن كتاب البنيوية التكوينية والنقد الأدبي لمجموعة مؤلفين ومترجمين، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1984م.
10- محمد برادة: مقدمة كتاب «الخطاب الروائي» لميخائيل باختين، ترجمة: محمد برادة، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة - باريس، 1987م.
11- محمد زيدان: بلاغة النص الروائي، كتارا للنشر والتوزيع، الدوحة، ط 1، 2024م.
12- مريد البرغوثي: رأيت رام الله، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط 4، 2011م.
13- واسيني الأعرج، سوناتا لأشباح القدس، دار الآداب، بيروت، 2009م.
14 - Kövecses, Zoltán. Where Metaphors Come From: Reconsidering Context in Metaphor. New York: Oxford University Press, 2015.
15- - Susanne K.Langer, Feeling and Form، A Theory of Art, CHARLES SCRIBNER’S SONS, NEW YORK. 1953.

صالة العرض


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى