الأحد ٥ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم محمد آيت أحمد

مسار حياة: أوراق مُبعثرة من وحي الذاكرة

الفاعل السّيري والسّند التاريخي.. أقاصي البوح في السيرة الذاتية

عينٌ على كتاب: "مسار حياة: أوراق مُبعثرة من وحي الذاكرة" للكاتب إبراهيم الخديري

كرس البحث الأكاديمي بالمغرب لمركزية الكتابة الإبداعية، لأنه يُثبت فرضية الاهتمام بالأسماء الإبداعية المعروفة، وهذا السائد أو هذا التقليد، يُثير أسئلة مؤرقة، هذا لأن العديد من المبدعين "المحليين" أو "الإقليميين" إن كان هذا التعبير جائزًا، لا ينالون حظهم من الدراسة، ولا يتم الالتفات إلى كتاباتهم. ويبدو مُفيدًا في هذا الإطار التساؤل حول جدوى النقد والبحث عامة إن لم يكن "عادلًا"؛ مؤسَّسًا على المُغايرة وليس على التبعية.

قد يقول قائل بأن صنعة الإبداع وقوة التأثير وحدها التي تصنع الفرق بين كِتاب إبداعي وآخر، وأن الأمر ليست له صلة بعيدة أو قريبة باسم المؤلف أو انتمائه المجالي أو شهرته، أو غير ذلك، ولكن التسليم بصحة هذا القول تدحضه الأوراق المنشورة والأبحاث المُنجزة، لأن مُعظمها في خريطة اسمية مألوفة. صحيح أنها تمكنت باجتهادها من أن تنال العرفان الذي تستحقه، ولكن المُتابعة في دراستها، لا شك يتم في إطار مركزية إبداعية مهيمنة تُحافظ على مكانتها. وعلى هذا الأساس المشروع نتساءل: أليس من اللازم إعادة توجيه دفة النقد الإبداعي في إطار تفكير "جنوبي" يكسر تبعية النقد للمركزية الإبداعية؟ لماذا لا يتم الاهتمام بالإبداعات المحلية والإقليمية في سياق تنافسي لا تجد فيها هذه الإبداعات أين تضع موطئ قدم، قصد التعبير عن جدة ما تقدمه؟

في مُعترك هذا القلق الفكري، نسعى دائمًا إلى التعريف بالإبداعات المحلية والإقليمية في إطار نقد يُعزز للتفكير "الجنوبي"، ولعله جدير بالذكر بأن هذه الورقة البحثية هي الثالثة التي نقدمها في هذا الإطار، سيما بعد تقديمنا قراءة في أحد أهم الكتب الإبداعية لكل من الكاتب عبد العزيز الراشدي، والكاتب محمد كروم. وهكذا نروم في هذه المُساهمة البحثية تقديم قراءة في واحد من أبرز الكتب الإبداعية السيرية للكاتب إبراهيم الخديري بمنهجية قرائية تُحاول رصد مُجمل جماليات المؤلَّف المضمونية والفنية.

حول المُعطيات البيوغرافية للكَاتب والبيبليوغرافية للكِتاب

مُعطيات بيوغرافية

إبراهيم الخديري كاتب ومؤلِّف وإطار سابق بوزارة التربية الوطنية، راكم تجربة تربوية غنية ومتنوعة، من مواليد سنة 1950 بقبيلة أولا جرار.

من مؤلفات الكاتب إبراهيم الخديري نذكر:

أولاد جرار: السياق التاريخي وآفاق التحول، منطقة أهل اغرم وفقيه مدرستها بلعيد بن عبد القادر العيني نموذجًا.
مقدمات في التربية مقدمات في التربية والتنشئة الاجتماعية للأطفال والمراهقين والشباب.

يعيش الكاتب زمانه الأخير، ولكنه ترك وقعًا جميلًا وبصمة إبداعية ومهنية، مشهودٌ له في مجاله الجغرافي بحنكته أيام زمانه الشبابي، وما زال يُراكم في القراءة، مُنشغل بأسئلة الكتابة والإبداع، ومُفعم بالرغبة في الإسهامات ذات الصلة بالشأن الثقافي.

مُعطيات بيبليوغرافية

كتاب "مسار حياة، أوراق مبعثرة من وحي الذاكرة" لكاتبه إبراهيم الخديري، يكتسب هويته الأجناسية في إطار ما يصطلح عليه جيرار جنيت بالنص السير-ذاتي. ويبدو من خلال بيانات نشره عزم وإصرار الكاتب ومُجابهته لكل الظروف في سبيل إخراج عمله هذا إلى حيز الوجود، فهو المُؤلف والناشر معًا، في حين تولت سيليكي الأخوين بطنجة أمر الطباعة. وقد رأى هذا العمل النور في حلة جميلة تنظيمًا وتصفيفًا وإخراجًا من خلال طبعة أولى سنة 2023.

يقع الكتاب في (120) صفحة من الحجم المتوسط، وتثير عتبة الأيقونة في غلافه الأمامي انتباه المتلقي، حيث تتوسط الواجهة الأمامية للكتاب صورة فوتوغرافية أصيلة لمدينة تزنيت، يظهر أنها التقطت في تاريخ سابق، إنها صورة تحمل كل معاني التوهج المكاني، وتدل على ارتباط ذاكرة الكاتب بقُطرية المدينة وتاريخها. وعلى ظهر الكتاب نجد صورة فوتوغرافية للكاتب الخديري وكلمة الغلاف وهي مجتزأة من متن الكتاب، مُعبرة باختصار عما أراده الخديري من هذا التأليف.

استراتيجية الكتابة "السير-ذاتية" لدى إبراهيم الخديري من خلال كتابه؛

على غير عادة النصوص التي يكون فيها الفاعل السردي هو الرافعة، فإن إبراهيم الخديري أعدَّ سُطوره عن حياته على وفق منطق غير مبني على الحكي المحض، الذي يُشكل البوح، وتُشكل الفضفضة وتسلسل الأحداث والوقائع أساسه، إنما يبني هذا الكتاب بطريقة مُغايرة تجمع بين الكشف السيري والعقل النقدي والاستشهاد المرجعي.

إن الكتاب في مُجمله خاضع للضبط المعرفي ولخطة التنزيل، وخاضع لتقسيم منهجي بمُوجبه تنتظم فيه قائمة من المُحتويات المُعنونة عَنونة مُستقلة، وهذا ما يؤكده فهرست الكتاب في الصفحات (120) و (121). فالكاتب من خلال إبدالات الفاعل السّيري ومرَايا الذاكرة، كان يتناوب بين مواضيع مُتعددة ومُختلفة ويبني الخطاب لكل عنصر ونقطة، فيضع كل تيمة مُستقلة، وهو ما يضفي الكثير من التنظيم المنهجي على مادة الحكي، وما أصعب التحكم في قالب حكي يفرض الاسترسال مُتوقد الحديث لا يترك لكاتبِ أوراقه فرصة التنظيم وإمعان النظر، فلحظة البوح والكشف مُستعصية الانحسار ومُتملصة على الصرامة وتعلو فوق العقل، لأن الوجدان أكثر انشغالًا والعاطفة أكثر شرارة والذاكرة أكثر احتراقًا، غير أن محكي السيرة الذاتية مع الكاتب إبراهيم الخديري، أقل ما يُمكن وصفه به أنه محكي-سير ذاتي، بمفعول ذاكراتي بامتياز، وبشحنة عاطفية، ولكن ذلك كله كان بمنظور عقلي ونقدي.

يقول الكاتب: "إن ما سطرته بالنسبة لي رئة تنفست من خلالها شهيقًا وزفيرًا، خلصني من ثقل أمانة البلاغ والإبلاغ فأحسست بالراحة وبنوع من الاسترخاء، وكأني عدت من رحلة استجمامية، استعدت من خلالها مزاجي المعهود."
إن مُجمل الكِتاب وروحه السردية خُلاصة حكاية لتجارب جمعتها ذاكرة الكاتب لما يقرب سبعون عامًا، منها اثنان وأربعون عامًا في الوظيفة العمومية، وتأخُذ هذه الحكايات في التوسُّع والامتداد مع نظام الإحالة الذي زاد المتن السردي جدارة وقوة ابستيمية، لقد تجلى ذلك في كثير من التضمينات التي ينهجها الكاتب للأقوال الفلسفية أو الشعرية أو الآيات القرآنية، مع تسجيلنا غلبة الشاهد القرآني، فمنذ الصفحات (7) و (8)، والمُتابع لقراءة هذه السيرة يلمح تعمُّق الكاتب في هذا النهج، ومع كل تقليب لحيوات هذا النص السير-ذاتي يزداد ذلك عُمقًا.

تعاويدُ الذاكرة

لقد وزع الكاتب ابراهيم الخديري سيرته الذاتية موضوع هذه الورقة البحثية إلى أربع ورقات، حاول أن يُراعى فيها كرونولوجية قوامُها التصاعُد والتنامي، وليس الدوران والافتتان بغواية الزمن وألاعيب السرد. لذلك فإن مَعينه وما يغترفُ منه هو الذاكرة فعلًا، لأن بين لحظة الكتابة الفعلية وزمن الوقائع مَسافات مُتوترة، ففعل التذكر لم يتحول إلى لخبطة زمنية في ذهن الكاتب، أو إلى حلزونية مُتداخلة متباطئة ينعدم معها فهم بناء الزمن، بل على العكس من ذلك تمامًا، فالكاتب ينحو منحى الوضوح، وليس منحى الإبهام، فقد رتب في ذهنه ولأجل القارئ كل هذا البوح المُتراكم زمنيًا، وكل هذا الدفق الذاكراتي الذي سَرد المحظور والخاطئ، ثم المشكوك فيه، ثم الحقيقي والزائف، وثم المرغوب فيه والمرغوب عنه.

لقد بدأ الكاتب بإطار منهجي أكد فيه بأن جوهر محكيه السير-ذاتي هو الذاكرة، والذاكرة قادته إلى الحكي وإلى الاستشهاد. فانتماؤه إلى العائلة الكبيرة، أرغمه على ذكر مزايا وفضائل والده، وهو ما عطفه بتربيته، ونشأته، وتعليمه، وعلاقاته، ووظيفته، وزواجه، وغير ذلك. وعليه وجد الكاتب نفسه مُجبرًا بأن ينتهي سريعًا من سيرة والده أولًا ليبدأ سيرته ثانيًا، وعيًا منه بضرورة البدء من حيث يجب البدء فالفتى سليل أبيه.

يقول الكاتب في هذا الصدد: "..أما ما نويت الإقدام عليه من تدوين لبعض الجوانب من حياتي، فلا يغدو أن يكون نتفًا قد لا تفيد في شيء، غير أنها بالنسبة لي تمثل وقفة للتخلص من بعض ما أشعر به من ثقل أرهق وعيي الكامن."

عودةً إلى الوالد

خصَّ الكاتب الورقة الأولى للحديث عن الانتماء العائلي والأسري لعائلة ادلخضير الكبيرة، وموطئ الرأس تبعًا للأصول رسموكة الأمازيغية، واختلاف الروايات حول حكايات الأصول تلك، فكان للكاتب قبل كتابة أقواله أن يستند إلى تمحيص بعض ما أورده التاريخ المحلي في ما قبل، لأجل تعضيد فكرة الكتابة التي يعي الكاتب أنها لا تُمحى.

حماد بن مبارك بن الخضير مُلهم الكاتب

والده؛ رجل الدين والعلم والتواضع، وعلى الرغم من جهله بالقراءة والكتابة إلا أنه مُتضلع في الفقه وشؤون الشرع، وفهمه ثاقب في الدين، مالكيُّ المذهب كما تحدث عنه ابنه كاتب هذه السطور، ناصريُّ التصوف، تحسر كثيرًا من عدم تمكنه معرفة أصول الكتابة والقراءة في ذلك الزمن المُعتم الذي ولى.

الورقة الثالثة من سُطور السيرة

طال الحديث في هذه الورقة ذرية والد الكاتب، تحدث عن زوجتا والده من أصول جرارية، بالغة الخُلق وصُلبة المَحتد، وتحدث عن الخلف من الأبناء والبُنيات سواءً من زوجته الأولى أوالثانية، كما تحدث في هذه الورقة عن الظروف والأسباب الموضوعية لتعدد الوالد، ومسألة تعليمه للأبناء وتهذيبه للبنات، وقصة حجه وموته هناك ودفنه في جدة بالمملكة العربية السعودية.

المُلفت للنظر أن إبراهيم الخديري يتقاسم مع قارئه هذا الكشف الذاتي، بطريقة أساسها الابتعاد عن كل ما يمكن للغة أن يصطبغها بالصنعة، والاقتراب في المُقابل ما أمكن من كل ما يُعطي اللغة بداهة، إيمانًا من الكاتب بأن اللغة مفتاح الصدق، كما قد تكون مُجسمًا يعكس ذلك، ورهان الكاتب على الصدق في القول والمقول بكل ما يحمله من أبعاد، لقد أمدَّه هذا الانشغال بلغة سردية مُفعمة تأثيرية وسلسة بأن تكون قريبة إلى نفوس القراء.

لقد انتهى إبراهيم الخديري من سيرة أصول عائلته الكبيرة، ومن سيرة والده في الورقتين الأولين، بعدما أكد أن موت الوالد هو ما كان يعني توليه تدبير شؤون الأسرة، ولكن رابط المحبة بين أولاد الوالد كان متينًا. لقد خص الكاتب الورقتين الأخيرتين لسرد ما بين جوانحه وفتح دواخله.

في الورقة الرابعة

يلتفت الكاتب إلى حياته الخاصة ويتتبعها مُنذ مرحلة الصبا، يسرد ظروف ولادته وهو الابن البكر للزوجة الثانية، ويحكي عن بعض الجروح العميقة في هذه الورقة، كما الحال في حكايته مع "الطَّالْبْ"، وقصة البيضة التي تُمنح له كل يوم أربعاء في التقاليد الثقافية.

جاء على لسان السارد في ثنايا الكتاب: "أتذكر مرة أنني كنت مع جدتي في منزل والدي، فكانت فرحة أمي شديدة، وصادف يوم الأربعاء، فأراد أولاد بعض الجيران الذهاب للمسجد للقراءة، فأرسلتني أمي معهم، وأعطتني بيضة تهدى "للطَّالْبْ" في يوم الأربعاء من كل أسبوع من لدن التلاميذ الذين يدرسون عنده (المحضرة) وذهبت معهم وأعطيتها للطَّالْبْ، وأنا جالس أراقب لا أعرف معنى القراءة ولا أحمل لوحًا خشبيًا كباقي المجموعة، ولا أفقه شيئًا مما يرددون، وعندما انتهت الحصة، صفق الطَّالْبْ بيديه وأصبح التلاميذ ينصرفون، وأنا وقفت أبكي أريد أن يرُد لي الطَّالْبْ بيضتي، وأبكي وأقول، بيضتي، بيضتي، ففطن الطَّالْبْ لما أقول، وأخرجني أحد المُرافقين كرهًا، وأنا أبكي وأردد بيضتي..."

لقد تحدث الكاتب في هذه الورقة كذلك عن تعليمه الذي أخذه بدايةً عن جده من أمه، وبعدها دخل إلى المدرسة العصرية، وملحوظ والسارد يحكي في هذا السياق، تلك القدرة الهائلة على ضبط التذكر؛ تذكر المتعلمين والأساتذة، كل باسمه وصفاته، كما الحال في الصفحات (44-45) وهو يتذكر الأساتذة: إدريس الخنبوبي، ناصر عبد الله بن بلقاسم، الشيلي أحمد، محمد البنصري... والحقيقة أن فعل التذكر هذا لا يقتصر على ذكر أسماء هؤلاء المعلمين، بل التوغل في ميزاتهم، وما يجعل الواحد مُختلفًا عن الآخر.

تدفق الفاعل "السّيري"

مضى الكاتب قُدمًا في الورقة الأخيرة، وبدا لنا كمتلقين إعلانًا عن استئناف تدفق سيري، والشروع في تتابع حكائي، بما هو تسلسل وقائعي، وبما هو كينونة ودواخل وذات مضطربة، يفصح الكاتب عنها ليس كمُجرد فعل سردي وتذكري وتاريخي، بل كعُمق زمني، وكإحساس ووجدان، وقلق معرفي، وانتباه عقلي. وعلى هذا الأساس، نجده قد شرع في الحديث عن الرفاق والأقران، وعن اللعب الطفولي وأصنافه، وعن مرحلة الطفولة واليفع بكل ميسمها.

وفي مُتعة سردية، نقرأ بهذا الصدد بين دفتي الكتاب، والسارد يُحدثنا عن جمالية أنواع اللعب في زمن أصفر ولَّى ولن يعود: "إن أصناف اللعب التي يستحوذ عليها طابع البادية المغربية عمومًا كثيرة يتعذر حصرها، أذكر من بينها ما طغى على ممارستنا: لعبة (البي)، ولعبة (خصيص) و (الترنبية) و (غمايضة) و (الزراقية) و (حابا) وكنا نحاكي أحواش، ونضرب الدفوف...نتدرب على صيد الطيور بـ (الجباد)... كما نصطاد بالليل (الضربانة وبومحمد)..."

سُرود الذات وبراعةُ التضمين والاستشهاد؛

في الصفحة (53) مثالًا، يتذكر إبراهيم الخديري أحداثه حياته القلقة، والصافية، والمنزعجة، والهادئة، ويصفها بدقة مُتناغمة، كما حال وصفه وسرده لأحد الأحداث في الصفحة المذكورة، وفيها يتأمل القارئ درجة كبيرة في التمكن من خطة الإبداع على أوتار السرد الذاتي.

يقول الحاكي: "كنت أنا وأبي ورفيق لي وهو ملوكي أحمد نزرع البطاطس في ساقية اغرم بالبستان المعروف (بفرياطة) وأتى الوالد بمقراش من الماء وفي داخله الكؤوس التي غسلها، ولما وصل وقت الشاي، قال لي أشعل النار وضع عليها المقراش ليغلي، ثم أتى الوالد ليهيئ الشاي، وأصبح يتحدث عن الكؤوس فلم يجدها وسألني عنها، فقلت له لم أرها مُنذ أن ذهبت بها لتغسلها وتملأ المقراش بالماء، فأزال غطاء المقراش ووجدها في الماء المغلي، فلاحظت غضبه بإخراج عينيه، وكنت آنئذ أنا وزميلي نقرأ في ماسة، وعندما نتذكر هذه القضية نضحك بها، وكان زميلي يصطنع ويُحاكي والدي في التعبير عن قلقه."

تحدث الكاتب بالعطف عن قصة وُلوجه للمعهد الإسلامي بماسة، وبالعطف كذلك عرض للقصص واللطائف والطرائف التي عاشها بالمعهد الإسلامي بماسة صحبة زميله محمد الدباغ، وأضاف ضمن متن ورقاته الذاتية ما صاحب التحاقه إلى المعهد الإسلامي بتارودانت من وقائع وأحداث.

البوح الخطير، سرية المُراهقة.

إن المُراهقة مع السارد كانت سالمة آمنة، ولكن الحديث عن المرحلة بالضرورة يجر إلى اختراق نقطة الصمت، ولعل هذا ما يُدركه القارئ من خلال بعض الاجتراحات الأسلوبية والانجرافات اللغوية التي تتطعم ببعض المغامرات العاطفية والجنسية، بيد أن خطاب السيرة الذاتية في كتاب الخديري جاء مفعوله على النقيض، فمرحلة المراهقة وتأثيرها في شخصية الكاتب، لم يكن لها أثر سلبي، وفي هذا الصدد يفصح الخديري قائلًا: "وأشير هنا إلى أنني والحمد لله، اجتزت مرحلة المراهقة بأقل تكلفة وأدنى خسارة، دون أن أدعي أنني شخص معصوم، ولكني حريص على القيم الأخلاقية التي تشربتها منذ الطفولة."

محكي الولوج إلى سلك الوظيفة العمومية

يعرض الكاتب في أوراق سيرته لهذا المحكي على شكل نوستالجيا، يتلذذ بالمُتحقق فيها، ويتأسف على اللا مُتحقق منها، ويفخر من خلال ذلك كله بمساره التعليمي والمهني والوظيفي؛ يسرد لحظات من ولوجه لمركز تكوين المعلمين، وتلك السنة التكوينية الحافلة بالجدية والانضباط، ويستمر في تفجير محكيه بالحديث عن بدايات التعيين في سيدي إفني، وحدثنا صاحب السيرة عن مراحل أخرى، صار فيها أستاذًا للسلك الأول، ثم الثاني، ثم حارسًا عامًا ومُفتشًا لنا عودة لها تفصيلًا.

محكي الانتماء الثقافي والسياسي

حدثنا الكاتب في سيرته عن أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات في المغرب؛ مرحلة حرجة وصعبة جدًّا كانت، في السياسة، وفي العمل النقابي، فحساسية المغرب في ذلك الزمن أعقبتها إيديولوجيات وتيارات، ويحكي الخديري حس الانتماء إلى الاتحاد الاشتراكي، قبل أن يكتشف كما يسرُد بأن السياسة بلا أخلاق، وبعدما اقتنع بأن خير الانتماء يكون في المُواطنة الصالحة غير المُتحيزة.

وعن قصة زواجه أيضًا تُحيطنا أوراق هذه السيرة، وعن حبه الشديد للمدينة القديمة بمراكش، وتعرج أوراق السيرة كذلك عند لحظات من تربية الأولاد، بعدما رُزق الكاتب بالبنين والبنات، وبنفس سردي جديد نقرأ سُرودًا ملؤها السهر على التنشئة وعلى تعليم الأبناء.

نجاح وظيفي واعترافات

من التعليم الابتدائي، ينتقل الكاتب إلى المركز الجهوي، وبعد سنتين تكوينيتين، يحكي الكاتب تعيينه بثانوية مولاي رشيد بتزنيت أستاذًا لمادة اللغة العربية بالسلك الأول، وامتلاكه لحافزية جعلته يُسجل الإجازة بكلية الشريعة ويحصل على إجازة ما ساعده على أن يدمج ضمن أساتذة السلك الثاني من التعليم الثانوي لنفس المادة، وبعدها حارسًا عامًا بثانوية الحسن الثاني للتعليم الأصيل، ومن أجمل ما قرأت في سيرة الكاتب قوله في الصفحة (101): "وأصبحت حارسًا عامًا بثانوية الحسن الثاني للتعليم الأصيل غير أن طبعي لا يستسيغ العمل الإداري لثقله وضعف مردوديته بالمفهوم الكلاسيكي، بحيث يعتبر عملًا تنظيميًا ترفيفيًا، وفي أحسن الأحوال يتطلب تطبيق القانون المسطري، ويُخيل إلي أن دوري يكمن في تطبيق الجزاءات والتأديبات ليس إلا، وكنت دائمًا أقول في نفسي: "ما أبعد كل ما نقوم به عن مغزى التربية وأهدافها البعيدة والقريبة."

بعد هذه المرحلة ولج السارد مركز تكوين المفتشين وعُين مفتشًا لثلاث نيابات هي: تزنيت، طاطا، وتارودانت.. حكايته هنا مع المسالك الصعبة والوعرة، وحاجيات التأطير، وصعوبة المرحلة ماديًا، ومعنويًا، وتدبيريًا، ولوجستيكيًا، ولعل من أجمل ما صادفناه بوحًا وكشفًا ونحن نقترب من نهاية قراءتنا لأوراق سيرة الخديري، ما أورده الكاتب قائلًا: "أود أن أشير هنا إلى أنني والحمد لله، مُنذ تعييني 1969 في سلك التربية والتعليم، وأنا أؤدي عملي بالجدية المطلوبة، لا أنافق أحدًا، ولا أستجدي الرؤساء ولا المرؤوسين ولا غيرهم للحصول على أي مرتبة أو تمييز، يشهد بذلك التلاميذ والأساتذة والمديرون ونواب الوزارة."

في الختام، إن السيرة الذاتية تدوين خطير، وهو قرار لصاحبه إذا امتلك الجرأة، وأهم ما تتطلبه السيرة الذاتية هو القصد الصادق، والحقيقة المُطلقة، والتناغُم الذاتي، ونية الكتابة الهادفة، على أننا نعلم بأن الكتابة لا تموت، وهي على عكس الكاتب الذي يقد يموت. وكل ما مات الفاعل، تجذر فعل الكتابة الذاتية في التاريخ واكتسب حيوات جديدة في رفوف القراءة، وفي سجلات النقد، وفي مُدونات الاطلاع والتقييم.

والكاتب إبراهيم الخديري الجراري على وعي تام بأهمية كل فعل تنطوي تحته كتابة هذه الأسطر السير-ذاتية. وهكذا يُعرب في نهاية سيرته: "إن ما سطرته في هذه الأوراق المُبعثرة، لا رياء فيه ولا نفاق، لا أقصد به تمجيد الذات ولا جلدها، بقدر ما هو تعبير عن حقائق واقعية بلغة سهلة بسيطة تُساعد على الفهم بسُهولة وبصيغ إجرائية بعيدًا عن التزويق والتنميق والتكلف."


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى