مسار العبور في «قناع بلون السّماء» لباسـم خندقجـي
د. رياض بنالحاج أحمد - تونس
المقدّمة:
تستمدّ الرواية الفلسطينيّة راهنيّتها النقديّة من قدرتها على تحويل التجربة التاريخيّة الجارحة إلى بناءٍ سرديّ، يُعيد مساءلةَ العلاقة بين الأرض والتّاريخ والذّات. فهي كتابة تنبع من قلب الألم، وتحمل أثر الجرح والاقتلاع والنّدبة، ثم تصوغ هذا الرّصيد الإنساني في لغة تستنطق الذّاكرة، وتفكّك الأثر، وتقاوم محو المعنى. ومن هنا تتأتّى وجاهة اختيارها موضوعا للدّراسة، لأنّها تمثّل أحد أكثر المتون العربيّة كثافةً في التّعبير عن الشرط الفلسطيني في بعدَيه الإنسانيّ والجماليّ، كما تمثّل، في الآن نفسه، أفقًا سرديّا رسّخه حضورٌ نقديّ عربيّ ودوليّ لافت.
وفي هذا السياق تتقدّم رواية «قناع بلون السّماء» لباسم خندقجي نموذجا دالًّا، لأنّها تشيّد عالمها من تفصيلٍ سرديّ صغير في ظاهره، حاسمٍ في أثره: العثور على البطاقة الزّرقاء في المعطف. وانتحاله كقناع ووثيقة عبور، تفتح أمام الشخصيّة إمكان المرور داخل فضاءٍ لا يعترف بها إلا عبر اسمٍ آخر وصورةٍ أخرى. وبهذا المعنى تغدو البطاقة الزرقاء منبع التحوّل السرديّ كلّه، لأنّها تدفع الذّات إلى عبور المكان والاسم والرؤية في آن واحد، وتدخلها في تجربةٍ يتجاور فيها الانكشاف مع التخفّي، والنّجاة مع التصدّع، والحضور مع التّمثيل.
من هنا تتحدّد قيمة الرّواية في الكيفيّة التي تحوّل بها العبور إلى بنية كاشفة، يتولّد عنها امتحان الهويّة، ويتفرّع منها صراع السرديّات حول الأرض والتّاريخ وحقّ الحكاية. فالشخصيّة تجد نفسها موزّعة بين اسمين، ورؤيتين، وموقعين متنازعَين داخل فضاءٍ مثقلٍ بالأثر والذّاكرة والتّأويل. وهكذا تنفتح التّجربة الفرديّة على الشّرط الفلسطيني في صورته المركّبة، حيث يتداخل الجرح الذاتي مع المأزق الجمعي، ويغدو السّرد موضعا تتقاطع فيه الحركة والوثيقة والذّاكرة والصّورة ضمن بناءٍ واحد.
وعلى هذا الأساس تقوم هذه الدراسة على فرضيّة مفادها أنّ «قناع بلون السّماء» تشيّد مسار العبور من داخل القناع نفسه، بحيث يتولّد عنه امتحان الهويّة، ويتفرّع منه صراع السرديّات في الرّواية الفلسطينيّة. ومن ثمّ تتحدّد إشكاليّة البحث في السؤال الآتي: كيف تجعل الرّواية من البطاقة/ القناع منبعا لمسار عبورٍ ينتهي إلى امتحان الهويّة ويفتح صراع السرديّات حول المكان والتّاريخ وحقّ الحكاية؟ ولهذه الغاية ينتظم التّحليل في ثلاثة محاور متساندة: يتناول أوّلها القناع الأزرق كبطاقة عبور ومحرّكاً للسّرد ومنظّمًا للتحوّل، ويعالج ثانيها صراع السرديّات بين المكان والتّاريخ وحقّ الحكاية، ثم ينتهي ثالثها إلى القناع وامتحان الهويّة، حيث يتكثّف الجرح الفردي في صورة المأزق الجمعي الفلسطيني.
1- القناع الأزرق كبطاقة عبور ومحرّكًا للسّرد ومنظّمًا للتحوّل
تنهض رواية «قناع بلون السّماء» منذ عتبتها الأولى على لحظة مؤسِّسة تتكثّف فيها البنية السرديّة كلّها انطلاقا من العثور على الهويّة الزرقاء. فمن هذه الواقعة يتولّد منطق الرّواية العميق، إذ يصير السّرد حركة تتخلّق في المسافة بين المصادفة والقرار، وبين إمكان المرور واستحالة البراءة من هذا المرور. بهذا المعنى تفتح البطاقة في جسد الحكاية شرخا أوّل يعيد ترتيب علاقة الشخصيّة بالاسم والمكان والرّؤية. ومنذ تلك اللّحظة، يتأسّس النص على مبدأ حرَكي يجعل العبور أصلا مولِّدا للمعنى.
يحضر اللّون الأزرق في رواية «قناع بلون السّماء» ويتجسّد في لحظة سرديّة مفصليّة عبر البطاقة الزّرقاء التي يعثر عليها بطل الرّواية «نور» في جيب المعطف، والتي تحمل اسم «أور» تلك البطاقة التي تتحوّل إلى نواة رمزية تُعيد تنظيم مسار الرّواية بأكمله. فالأزرق هنا ليس لونًا يُرى، بل هو «لون يُمارَس»، ويُستثمر، ويُراكم معنى، إلى أن يغدو أداة عبور، وقناعا هوياتيّا، وهو ما يتوضّح في بنية الرّواية: «وما إن وضع يده في جيبه الدّاخلي الواقع قبالة القلب حتى التقطت أصابعه شيئا ما، فأخرجته بلهفة وفضول، فإذا هي بطاقة هويّة صهيونيّة زرقاء اللّون من غير سوء، غفل عنها كما بدا صاحب المعطف.» بطاقة فتحت له آفاق التّفكير في إمكانات العبور، وانتحالها كقناع يتخفّى بها للدّخول إلى أعماق الأراضي الصهيونيّة، فترة تفكير لم تخلو من التردّد فبعد عامين يتجرّأ «نور» على استغلال تلك البطاقة، وإلصاق صورته عوض الصّورة التي وجدها، إنّ ذلك ما منحه إحساسا بالتشتّت: «ما إنّ تفحّص نور البطاقة حينذاك متمعّنا بصورته الأشكانزيّة المتفنة، حتى أحسّ بإحساس غامض مؤلم، شعر أنّ ثمّة شيئا يقضمه، فالقناع لم يعد بالملامح فحسب، بل امتدّ ليسري في هويّته ويمزجها بهويّة أخرى».
بهذا المعنى، يشتغل الأزرق بوصفه «لون السّلطة الرمزيّة» التي تُعيد توزيع مواقع الأفراد داخل الفضاء القهري. إنّه لون الوثيقة، لون الختم، لون الاعتراف القسري، الذي يسمح للذّات بأن تعيش داخل نظام لا تنتمي إليه، شرط أن تتخلّى عن اسمها وتستعير اسمًا آخر. هكذا يتحوّل «نور» إلى «أور»، لا عبر تحوّل داخلي حرّ، إنّما من خلال فعل قسري تُنتجه العلامة الزّرقاء/ كقناع، يستغلّه بطل الرواية «نور الشّهدي» ليتخفّى من خلاله
إنّ تحول الأزرق من «وثيقة» إلى «قناع» يعيدنا إلى نظرية «جان بودريار» حول «المحاكاة والزّيف»، حيث يرى أن العلامة عندما تنفصل عن مرجعها الحقيقي تخلق واقعا فائقا:
«إنّ القناع لا يخفي الحقيقة فحسب، بل يحلّ محلّها، وعندما تتماهى الذّات مع علامة اصطناعية (كالبطاقة الزرقاء)، فإنّها تدخل في حالة من «الاستلاب الهويّاتي» حيث يصبح الزّيف هو الوسيلة الوحيدة للبقاء في الواقع» . إنّ هذا التّضارب والتّداخل والعبور المفاجئ للشخصيّات هو الذي خلق قدرا من الاضطراب المدروس الذي يشي بمعالم الهويّة المتصارعة، التي تقوم على ثنائيّة التساؤل المطّرد لشخصيّة نور الملتبس بأور، إذ يقول في الفصل السّابع من الرواية:›› متسائلا، نور الشّهدي، لأوّل مرّة في حياته في سرّه: ماهو موقفي من المحرقة؟ لينبعث أور فجأة متسائلا بهمس:
– ماذا قلت؟
– ماهو موقفي من المحرقة؟
– وهل الموقف من المحرقة بحاجة إلى تساؤل؟
– أجل
– لماذا؟
– لأنّني محروق أنا أيضا.»
يأتي العبور هنا عبورا وهميّا ضمن تلبّس الذّات بالآخر بقناعها بتاريخها. إنّ الذّات، وهي تَعبُر، تغدو مضطرّة لأن ترى نفسها من حيث هي صورة قبل أن تعي ذاتها بوصفها وُجُودًا، وهو ما يذكّرنا بمفهوم «النّظرة» عند «جان بول سارتر» الذي يرى أن:» نظرة الآخر هي التي تحوّلني إلى موضوع، فبمجرّد أن أدرك أنّني ملاحَق بالرؤية، أفقد تلقائيّة وجودي وأصبح سجينا للصّورة التي يصنعها الآخر عنّي» إنّ العبور في «قناع بلون السّماء» يفتح أمام الذّات زاوية مزدوجة للرؤية: ترى من داخل انتمائها الفلسطيني المثقل بالذّاكرة والقيد، وترى في الآن نفسه من داخل الفضاء الآخر الذي أتاحه القناع. وبهذا تُشيّد الرّواية جهازا بصريّا ومعرفيّا تتقاطع فيه الضفّتان من دون أن يزول التوتّر بينهما.
يبلغ القناع وظيفته الأشدّ تعقيدا. فهو يفتح للشخصيّة باب النّفاذ إلى الآلة التي تنتج المعنى المهيمن عن ذلك المكان. وبذلك يصير التخفّي شرطا للمعرفة، غير أنّ هذه المعرفة تأتي محمّلة بأقصى درجات الألم، لأنّ الذّات لا تبلغها إلاّ عبر صورة تنكّرها. ومن هذه المفارقة تستمدّ الرّواية واحدا من أعمق توتّراتها: إنّ الفلسطيني لا يقترب من الحقيقة المصاغة ضدّه إلاّ حين يسكن، ولو مؤقتًا، الاسم الذي صيغ لإقصائه. ومن ثمّ فإنّ العبور يُفضي إلى مزيد من الوعي بالمأزق، إذ كلّ اقتراب من بنية السّيطرة يضاعف إدراك الذّات لحجم الانقسام الذي تعيشه. هكذا يتحوّل الأثر إلى موقع كاشف لما تحت السّطح: لصراع السرديّات، ولمعركة الشرعيّة، وللتّنازع حول من يملك أن يسمّي الأرض وأن يربطها بماضيها وأن يرويها للعالم. وفي هذا المستوى يغدو العبور أعمق من كونه انتقالا بين الحواجز، إنّه دخول في المنطقة التي تتولّد فيها الحقيقة السياسيّة من داخل التّأويل التّاريخي.
2- صراع السرديّات بين المكان والتاّريخ وحقّ الحكاية
إنّ ما سعينا إلى تبيّنه ضمن هذا القسم الأول من الدّراسة أنّ الحركة في الرّواية تنفتح على تحوّل في الاسم والرّؤية وموقع الذّات من العالم، فإنّ البحث في البناء القصصي في الرّواية الفلسطينيّة وتحديدا لباسم خندقجي «قناع بلون السّماء» يأخذنا إلى ما هو أعمق، إذ يبيّن أنّ تلك الحركة لم تكن سوى المدخل إلى البنية الصراعيّة التي تنظّم النصّ كلّه: صراع السرديّات حول المكان والتّاريخ وشرعيّة المعنى. فالرّواية تجعل فلسطين موضعا تتواجه فيه الحكايات، وتتزاحم فيه التّأويلات، وتتقاطع فيه الذّاكرة مع المؤسّسة، والأثر مع الخطاب، والحضور المعيش مع السرديّة التي تسعى إلى اقتلاعه من جذوره وإعادة إدراجه ضمن منطق مغاير. ومن هنا تنقلنا القراءة ومساقات التّحليل من مستوى التّجربة الفرديّة إلى مستوى الرّهان الرّمزي الأوسع.
في هذا الأفق، يخرج المكان من حياده الظّاهري، فيغدو موضعا تتكثّف فيه السّلطة والذّاكرة واللّغة. ولذلك تنتظم الفضاءات في الرّواية وتتشكّل داخل شبكة من التوتّرات تجعل كلّ موضع حاملا لرؤية مخصوصة إلى الأرض. فالمخيّم، مثلا، يتقدّم من حيث كونه خزّانا للذّاكرة الحيّة، وموضعا يستبقي أثر الحضور الفلسطيني في شكله المعيش واليومي، بما فيه من ألم وتشظٍّ وإصرار على الاستمرار. وفي المقابل، تنفتح أمام الشخصيّة فضاءات أخرى تكشف عن أرض يُعاد تقديمها من خلال المؤسّسة والوثيقة والتّسمية وإجراءات الشّرعنة. وهكذا يكون الانتقال بين هذه الأمكنة انتقالا بين نظامين في النّّظر إلى الموضع ذاته: نظام يصدر عن الامتداد الحيّ والتّجربة المعيشة، ونظام آخر يعيد تشكيل المكان عبر الخطاب، ويقتطعه من جذوره، ثمّ يُدرجه داخل سرديّة مغايرة. وبذلك يصير المكان نفسه أحد أهمّ ميادين النّزاع، لأنّه يُدرك عبر الاسم الذي يُمنح له، والزّاوية التي يُرى منها، والقصّة التي تُبنى حوله.
تقدّم الرّواية الجسد في علاقة بالأمكنة التي يتفاعل معها، ويعبرها أو تلك التي يتذكّرها بوصفه كيانًا متنازعًا، تتقاطع داخله صور متعارضة: جسد فاعل، وجسد مُنهك، جسد حامل للمعنى الجمعي، وجسد مثقل بتجربة فرديّة لا يمكن تعميمها، تجربة يقف فيها الجسد أمام جملة من المتناقضات التي يعرّي فيها ذاته، ويظهر فيها الجسد المقيّد بين طبقات القناع في أعلى مستويات التوتّر والاضطراب:» أنا لا أرتدي قناعا، أنا أرتدي مسخا. بل أنا هو المسخ الذي ولد من رحم النّكبة، والأزقّة والحيرة والغربة، والصّمت: صوت أبي وموت أمّي، ومطاردتي في أزقّة المخيّم بلقب السكناجي..ولدت من رحم التهميش والتصميف، وسجنك أنت يا مراد. ولدت من مرآة أور شابيرا.. أنا المسخ، يا صديقي، فهل من رحم تلدني مرّة أخرى إنسانا» . إنّ هذا المسخ هو ما تصفه «جوديث بتلر» في دراساتها عن الوجود الهشّ، حيث تؤكد أنّ: «الذّات التي تتعرّض للتّهميش والإقصاء تجد نفسها مضطّرة لتمثيل أدوار ليست لها، ممّا يخلق شرخا في الهويّة يجعل الجسد ساحة لتصارع الأقنعة والوجوه المفقودة».
يتحوّل البطل من لحظة الوعي بحدود القيد/ القناع المصطنع كونه أسرا، وتجربة معاشة تحمله نحو أفق التكشّف على حدود الذّات، وتعبر من خلاله طبقات وجدرانا من المفارقات بين الذّات والآخر والهويّة المتشظّية. هذا التّنازع يمنح الذّلالة عمقها، لأنّه يحول دون اختزال الجسد في وظيفة رمزيّة واحدة، ويُبقي التجربة مفتوحة على مستويات متعدّدة من القراءة. إنّ النصّ يبني في مواجهته سرديّة فلسطينيّة مضادّة تنبع من فعل استعادة للحضور المطمور في الأرض والذّاكرة. وهذه الاستعادة تنهض على إعادة وصل الموضع بسياقه الإنساني والتاريخي، وعلى تحرير الشّاهد من القراءة التي تريد حبسه داخل معنى واحد. ففلسطين، كما تتجلّى في الرّواية، هي أثر للاستمرار، وكيان حيّ ظلّ قائمًا رغم محاولات الإزاحة وإعادة التّسمية. ومن هنا تتقدّم الذّاكرة باعتدادها طاقة تأويليّة مضادّة، تستخرج من الأرض ما أُريد له أن يُدفن تحت الخطاب، وتعيد وصل الحاضر بما لم تكفّ التّجربة الفلسطينيّة عن حمله في الجسد واللّغة والموضع. وبذلك تنجح الرّواية في جعل السرديّة الفلسطينيّة أكثر من ردّ فعل، إنّها فعل بناء للمعنى من داخل ما بقي حيّا في الأرض، ومن داخل ما لم تفقده الذّاكرة من قدرتها على مقاومة المحو.
ومن هذا المنظور، يتبدّى التّاريخ داخل الرّواية كساحة حيّة لإعادة التشكيل. فكلّ سرد للتّاريخ ينطوي هنا على ترتيب جديد للعلاقة، بين ما جرى وما يُراد للحاضر أن يكونه، وكلّ قراءة للأثر تحمل معها مشروعا ضمنيّا لتثبيت صورة بعينها للأرض.
ولهذا فإنّ الصّراع على التّاريخ لا يقلّ حدّة عن الصّراع على المكان، لأنّه في العمق صراع على المعنى الذي يُسنَد إلى المكان، وعلى السّلسلة التي يُراد أن يُدرج داخلها، وعلى الحكاية التي ستمنحه شرعيّة الظّهور في الوعي العام. وفي مواجهة هذا الاحتكار، تعمل الرّواية على استعادة التّاريخ من داخل الأرض نفسها، من خلال ربط الأثر بسياقه الإنساني، وردّ الشّاهد إلى مَن عاشه أو امتدّ فيه، وكشْف كيف يُمارَس عليه الاقتطاع والتّدوير التأويلي. وبذلك يصبح التّاريخ في النصّ مادّة تقاوم أن تُختزل في قراءة أحاديّة، لأنّ الرّواية تُبقيه مفتوحا على تعدّد المعاني.
وتتعمّق هذه المواجهة حين يُتاح للشّخصيّة، عبر القناع، أن تنفذ إلى داخل الآليّات التي تنتج السرديّة المهيمنة وتمنحها مظهرها المعرفي والشّرعي. فالهويّة المستعارة تسمح برؤية الجهاز التّأويلي من الدّاخل: لغته، ومفرداته، وطرائق اشتغاله، وكيفيّة تحوّل الادّعاء إلى معرفة، والمعرفة إلى سلطة على المكان والتاريخ. وهنا يصير القناع أداة للكشف، لأنّه يمنح الرّواية قدرة على الاقتراب من القلب الصّامت للهيمنة، من حيث تُصاغ الحكاية التي تريد أن تبدو نهائيّة، ومن حيث يُعاد ترتيب الشّواهد بحيث تتكلّم ضمن منطق محدّد سلفا. ومن ثمّ ينفذ النصّ إلى بنيته الداخليّة، إلى المنطقة التي تُطبخ فيها المعاني وتُوزَّع الشرعيّات. وهذه من أكثر مناطق الرّواية توتّرا وإيلاما، لأنّ المعرفة هنا لا تُنال إلا من داخل انقسام الذات، ومن داخل صورة تضطرّ إلى سكنها مؤقّتًا كي ترى ما كان محجوبا عنها. وهكذا يشتدّ الصّراع، داخل الذّات نفسها، التي تجد أنّ النّفاذ إلى حقيقة الخطاب المهيمن يمرّ عبر الاسم الذي صيغ لإقصائها.
ومن هنا يتشكّل في الرّواية ما يمكن تسميته بحقّ الحكاية. والمسألة هنا تمتدّ إلى الحقّ في بناء صورتها، وتأويل أثرها وربط تاريخها بأصحابه الفعليّين؛ فالسرديّات تتصارع على قدرتِها أن تبدو أصليّة، ومتماسكة، وقادرة على احتواء الأرض داخل منطقها. ولهذا لا يكفي أن تكون هناك حكاية فلسطينيّة في مواجهة حكاية مضادّة، الرّهان الأعمق هو أيّ الحكايات تملك أن تُقنع، وأن تحتكر صورة الماضي، وأن تمنح الحاضر معناه، وأن تدفع العالم إلى تلقّيها على أنّها الرّواية الطبيعيّة الوحيدة. وفي هذا المستوى، تشتغل الرّواية الفلسطينيّة من حيث هي استعادة للصّوت بقدر ما تشتغل استعادة للأرض، لأنّ الصّراع على الحكاية، هو الوجه الأشدّ رسوخا للصّراع على المكان؛ فمَن يخسر الحكاية، يخسر في العمق، القدرة على تثبيت نفسه داخل التّاريخ، وعلى أن يجعل حضوره قابلا للتّصديق، والاستمرار في آن واحد.
وعند هذه العتبة تتجاوز الرّواية الحكاية الفرديّة من دون أن تفقد تماسّها بتجربة الشخصيّة. فمسار «نور» ينفتح على مشهد أشمل تتواجه فيه رؤيتان لفلسطين:
رؤية تريد إعادة ترتيب الأرض والتّاريخ داخل جهاز تفسيري يطلب الامتلاك الكامل، ورؤية تستخرج من الأثر حضوره المطمور، وتردّ المكان إلى ذاكرته، وتمنح الحكاية الفلسطينيّة طاقتها على الانبعاث من تحت طبقات المحو وإعادة التّسمية، وبذلك ترتفع الرّواية فوق حدود التّمثيل المباشر، لأنّها تجعل من تجربة الشخصيّة مدخلا إلى فهم الشّرط الفلسطيني في صيغته الأعمق: الوجود داخل أرض حاضرة في أهلها، لكنّها تُدفَع باستمرار إلى الظّهور داخل لغة ليست لغتها، وتاريخ يُعاد تأويله ضدّ امتداده، وحكاية تنازعها حكاية أخرى على حقّ الأصل والشرعيّة.
3- القناع وامتحان الهويّة من الاهتزاز الفردي إلى المأزق الجمعي
بيّن العبور في الرّواية أنّ فعل الانتقال هو تحوّل لامس الاسم، ونفذ للرّؤية، وموقع الذّات من العالم، فبات التحوّل يفضي إلى صراع السرديّات حول المكان والتّاريخ وحقّ الحكاية، انتقال قد دفعنا إلى اكتشاف أنّ الحركة كلّها مردّها إلى داخل الذّات، حيث تبلغ الرّواية ذروتها الحجاجيّة والجماليّة معا. فهنا يعود السّؤال بما يخلّفه ذلك كلّه في صميم الهويّة حين تُدفع إلى العيش داخل اسمٍ آخر، وصورة أخرى، ووضع لا يتحقّق فيه الحضور إلا بقدر ما يزداد التباسا، ومن ثمّ فإنّ الرّواية تبني الهويّة ناهضة كسيرورة من الاهتزاز وإعادة التشكّل، تُختبر فيها الذّات تحت ضغط القناع، وتُعاد صياغتها على إيقاع الانقسام والخوف والوعي المؤلم بالنّقصان.
تبلغ إشكاليّة الهويّة في الرواية ذروة اشتغالها حين تنفصل عن التصوّر الجوهري الثّابت، وتتحرّر من منطق الانتماء المغلق أو التّعريف الأحادي، لتغدو ممارسة جماليّة مركّبة ومشهدا سرديّا متحوّلا يُعاد بناؤه داخل فضاء القهر ذاته؛ فالهويّة في هذا المنجز الروائي تُصاغ بوصفها «فعلا ديناميّا» يتشكّل في التوتّر المستمرّ، بين ما يُفرض على الذّات، وما تُعيد إنتاجه داخل اللّغة والوعي. وبهذا المعنى، تتحوّل الهويّة من سؤال سياسي مباشر إلى رهان جمالي عميق، يُختبر في بنية السّرد وفي آليّات اشتغاله. إنّ هذا الفهم للهويّة كممارسة يحيلنا إلى أطروحة «ميشيل دي سيرتو»حول «فنون الممارسة» وقدرة المهمّشين على اختراق الأنظمة القهريّة، حيث يقول بما معناه: «إنّ المقاومة لا تأتي دائما من المواجهة الجبهوية، إنّما من «التكتيكات» اليومية التي تستخدمها الذّات لإعادة امتلاك الفضاء المفروض عليها، فالهويّة هي تكتيك إبداعي يحوّل مكان القمع إلى مساحة للمناورة وإنتاج المعنى» .
تنشأ هذه المقاومة الجماليّة من داخل التصدّع، فالشخصيّة تستعيد ذاتها عبر «الوعي النّقدي» بآليّات اشتغالها، والقدرة على التّحايل عليها سرديّا. إنّ الهويّة، وقد علِقت في منطقة بينيّة، لا تجد خلاصها في العودة إلى أصل متخيَّل، إنّما في إنتاج معنى داخل هذا التّعليق ذاته. هنا تتحوّل التّجربة الوجوديّة إلى مشهد، باعتباره بناءً سينوغرافيًّا داخليًّا، تُعاد فيه صياغة العلاقة بين الذّات، وما يُفرض عليها من أسماء ووثائق وألوان وقوانين عبور. تُبنى المشاهد ضمن مختلف مفاصل الرّواية عبر تعدّد مستويات التمثيل، حيث تتوزّع الهويّة في مفترقات بين القول والصّمت، بين الفعل المؤجَّل، والحضور المشروط؛ فالمقاومة الجماليّة تتجلّى في قدرة السّرد على تفكيك منطق التّصنيف الصّّلب، وإظهار هشاشته من الدّاخل. إنّ الهويّة، بهذا المعنى، تُقاوم عبر «الانزلاق»، والتشظّي، وإعادة التشكّل داخل اللّغة نفسها، حيث تصبح الكتابة فضاءً لإعادة التّفاوض مع ما يبدو نهائيّا أو حتميّا. وهو ما ينسجم مع فلسفة «جاك رانسير» حول «جماليّات السّياسة»، إذ يرى أن: «المقاومة الحقيقية تكمن في «توزيع المحسوس» من جديد، أي في قدرة الفرد على الظّهور في المشهد بطريقة تكسر التوزيع الذي فرضه النّظام، وتحويل الجسد من موضوع مرئي ومراقَب، إلى صوت يزعزع استقرار الرؤية المهيمنة». ومن خلال هذا التوتّر، تُمارس الهويّة مقاومتها عبر الجسد، بوصفه مجالا لإعادة تشكيل العلاقة مع الذّات والعالم.
ومن هنا تتعاظم دلالة الرّواية، لأنّها تحوّل اهتزاز الذّات الفرديّة إلى صورة ضاغطة عن اهتزاز أعمّ، يطال علاقة الفلسطينيّ بأرضه وتاريخه وحقّه في أن يظهر باسمه؛ فالجرح الذي ينشأ من القناع هو الأثر الداخليّ لصراعٍ خارجيّ شامل: صراع على المكان، وعلى اللّغة، وعلى الشرعيّة، وعلى إمكان أن يوجد الإنسان في أرضه من غير أن يُرغم على التخفّي أو التّبرير أو المرور عبر علامةٍ صاغها غيره. ولهذا فإنّ الرّواية ترتفع بالقناع من مستوى الوظيفة الحكائيّة إلى مستوى الرّمز الكاشف عن الشّرط الفلسطينيّ في تعقيده الأقصى: حضور أصيل في الأرض، لكنّه مدفوع إلى أن يثبت نفسه داخل شروط ظهورٍ لا يملكها، وحقّ متجذّر في التّاريخ، لكنّه محاصرٌ بخطاب يعيد تأويل هذا التّاريخ ضدّ امتداده، ووجودٌ فعليّ في المكان، لكنّه معرّض باستمرار لأن يُرى من خلال علاماتٍ لا تنبع منه.
وعلى هذا النّحو، تعود الهويّة في الرّواية كيانا يتشكّل تحت الضّغط، ويهتزّ، ويتأذّى، ويقاوم، ويعيد بناء نفسه من داخل ما يُفرض عليه من انقسام. وهذا بالذّات ما يمنح النصّ قوّته، لأنّه يقدّم الهويّة الفلسطينيّة في حركتها الفعليّة، في جرحها، وتصدّعها وقدرتها في الآن نفسه على الاستمرار. فالهويّة هنا هي ما يتجلّى في تردّد الجسد، وفي ارتباك اللّغة، وفي اللّون الذي يعلّق الحسم، وفي القناع الذي يكشف بقدر ما يخفي. ومن ثمّ فإنّ الرّواية تجعل من المشهد والفضاء واللّغة عناصر حاسمة في تشكيل هذا الوعي.
وبذلك يكتمل التدرّج الحجاجيّ للرّواية في هذا القسم على نحوٍ شديد التّراسل:
فالقناع يبدأ أداةً للتخفّي، ثم ينقلب أداةً للكشف، والأزرق يظهر علامةً للمرور، ثم يتبدّى مناخا كاملا لتعليق الهويّة، والجرح الفرديّ ينشأ من هذا الوضع الملتبس، ثم يتّسع ليكشف مأزقا جمعيّا يتجاوز الشخصيّة إلى الشّرط الفلسطيني في عمقه الوجوديّ والتّاريخي؛ ومن ثمّ فإنّ «قناع بلون السّماء» تبلغ ذروتها حين تردّ تلك الآليّات إلى أثرها الأعمق في الإنسان نفسه، ففي هذه اللّحظة يتبيّن أنّ سؤال الرّواية الأكبر: ماذا يحدث للذّات حين تُنتزع من بساطة انتمائها، وتُجبر على العيش داخل تمثيلٍ لا يخصّها كي تضمن إمكان وجودها؟ بهذا السّؤال تختم الرّواية منطقها الأعمق، وبه يكشف هذا القسم أنّ الهويّة هي ما نكابده داخلها، وما نفقده جزئيّا، وما نعيد بناءه، وما نقاوم به، في الآن نفسه، محو الذّات ومحو الحكاية.
الخاتمة:
تؤكّد الرواية الفلسطينيّة أنّها كتابةٌ تعيد تشكيل الجرح في صورة وعيٍ بالتاريخ والأرض والهويّة وحقّ الحكاية. وفي هذا الأفق تندرج رواية «قناع بلون السّماء من حيث هي نصٌّ ينجح في تحويل تفصيل حكائيّ صغير، هو العثور على البطاقة الزّرقاء، إلى منبعٍ لبناءٍ سرديّ كامل، تتولّد منه حركة العبور، ويتكشّف عبره انشطار الذّات، وينفتح من خلاله الصّراع على المكان والتّاريخ والمعنى؛ وبذلك يغدو القناع علامة رمزيّة كثيفة تكشف أنّ المرور نفسه قد يتحوّل إلى امتحان للهويّة، وأنّ النجاة لا تتحقّق هنا إلا بثمنٍ وجوديّ باهظ.
وقد بيّنت هذه الدراسة أنّ العبور في الرواية يتجاوز إعادة ترتيب علاقة الشخصيّة باسمها وصورتها وموقعها من العالم؛ فمن البطاقة الزرقاء تبدأ الحركة، غير أنّها لا تلبث أن تنفتح على اهتزازٍ في الوعي، وعلى رؤيةٍ مزدوجة تجعل الذّات معلّقة بين انتمائها الأصليّ، وما تفرضه شروط المرور من تمثيلٍ ومواراة، ثم يتّسع هذا الاضطراب، فينتقل من مستوى التجربة الفرديّة إلى مستوى الصّراع على الأرض والأثر والتّاريخ، حيث تتواجه السرديّات حول سلطة تأويله، وربطه بماضيه، وتحويله إلى شاهدٍ على حكاية دون أخرى. ومن هنا يتبيّن أنّ الصّراع يدور على المعنى الذي يمنحها اسمها وشرعيّتها وموقعها في الذّاكرة.
وعند هذا المستوى يبلغ النصّ ذروته، لأنّه يردّ هذا الصّراع الخارجيّ إلى داخل الذّات، حيث يغدو القناع موضعًا لانكشافٍ جارح، وتتحوّل الهويّة من معطًى ثابت إلى سيرورة من التصدّع وإعادة التشكّل، فالشخصيّة، وهي تتحرّك بين «نور» و«أور»، تكثّف في جرحها الخاصّ صورةً أوسع عن الشّرط الفلسطيني. وهنا تتبدّى قيمة «قناع بلون السّماء» في أنّها لا تروي المأساة فقط، إنّما تكشف البنية التي تجعل منها سؤالا مفتوحا على التّاريخ والهويّة واللّغة والتمثيل.
وعليه، تنتهي هذه الدّراسة إلى أنّ الرواية قد نجحت في تشييد العبور بوصفه البنية المولِّدة لمحاورها جميعًا: فمنه يبدأ الامتحان، ومن خلاله يتكشّف صراع السرديّات، وعنده يبلغ القناع معناه الأعمق باعتباره علامةً على وجودٍ معلّق بين الحضور والتنكّر، وبين النّجاة والانقسام. وبهذا تبرهن الرواية الفلسطينيّة، من خلال هذا النصّ تحديدًا، على قدرتها على تحويل الألم إلى معرفة، والجرح إلى بناءٍ جماليّ، والسّرد إلى فعلٍ من أفعال مقاومة المحو واستعادة المعنى، ومن ثمّ فإنّ «قناع بلون السّماء» تكتسب أهميّتها من قدرتها على جعل الحكاية نفسها مجالا لإعادة الّتفكير في الأرض، وفي الذّات، وفي التّاريخ، وفي الحقّ الذي لا يتوقّف عن المطالبة بأن يُروى من جديد.
قائمة المراجع:
1- باسم خندقجي، قناع بلون السّماء، دار الآداب للنشر والتوزيع 2024، ص: 44.
2- Baudrillard Jean, Simulacres et Simulation, Galilée, Paris, 1981.
3- Butler Judith, Precarious Life: The Powers of Mourning and Violence, Verso, London, 2004.
4- De Certeau Michel, L›Invention du quotidien, 1. Arts de faire, Gallimard, Paris, 1990.
5- Rancière Jacques, Le Partage du sensible: Esthétique et politique, La Fabrique, Paris, 2004.
6- Sartre Jean-Paul, L›Être et le Néant, Gallimard, Paris, 1943.
