الجمعة ١٤ كانون الثاني (يناير) ٢٠١١
شفيــق حبيــب

مسيرة ُ عطـاءٍ وشـاهدٌ على العصْر

الدكتور نادي ساري الديك

وُلِدَ الشاعر شفيق حبيب عام 1941 بقرية دير حنا، حيث أنهى دراسته الابتدائية بمدارس القرية والثانوية بالمدرسة الثانوية البلدية بمدينة الناصرة عروس الجليل، وقد درس المحاسبة في دار الموظف بحيفا ليخرج إلى الحياة بدبلوم محاسبة، وقد انتسب إلى معهد الصحافة والعلاقات العامة بالمعهد البريطاني بمدينة القدس.

إن توجّهات شفيق نحو الصحافة والمحاسبة لم تـُثــْنِه عن قول الشعر والتفاعل معه، إذ برز نشاطه الأدبيّ من خلال مشاركته في المهرجانات الشعرية وفي الصحافة اليومية والمجلات والإذاعة كذلك، تلك السبل التي عرّفته بالناس وجعلت الآخرين يعرفونه، فإلى جانب المحاسبة والشعر نجده يكتب المقالة السياسية والنقدية معاً مما جعل نتاجَه متنوعًا، والشاعر غزير النتاج (إلى حد ما) فقد أصدرأربعة عشر ديوانـًا شعريـًا هي:

  1. قناديل... وغربان – القدس - 1972 – شعر .
  2. مأساة القرن الضليل – الناصرة – 1976 – شعر.
  3. دروب ملتهبة – الناصرة – 1980 – شعر.
  4. وطن وعبير – الناصرة – 1981 – شعر.
  5. أنادي: أيها المنفى!! - الناصرة - 1984 – شعر.
  6. أحزان المراكب الهائمة - الناصرة – 1987 – شعر.
  7. الدم والميلاد – الناصرة – 1988 – شعر.
  8. العودة إلى الآتي – الناصرة 1990 – شعر.
  9. ليكون لكم فيَّ سلام الناصرة – 1992 – شعر.
  10. آه يا أسوار عكا – الناصرة – 1994 – شعر.
  11. تعاويذ من خزف - الناصرة – 1996 – شعر.
  12. لماذا؟؟!! – الناصرة – 1998 – شعر.
  13. صارخ ٌ في البرّيـّة – الناصرة – 2001 – شعر
  14. أنا الجاني .. – الناصرة – 2005 - شعر

وقد أصدرَ الشاعر كتاباً نثرياً بعنوان «في قفص الاتـِّهام» وهذا الكتاب عبارة عن سجل لوقائع معركة حرية التعبير ضدّ سياسة القمع المنهجي، كي يكون شاهداً على الديمقراطية المضللة في وطنه، فهو جريء إلى حد كبير، وقد عرّى كثيراً المواقفَ التي صادفته سلباً أم إيجاباً.

وقد شارك الشاعر في مجلات عربية وصحف كذلك نجد بعض نتاجه منشوراً من على صفحاتها.
وقد لحقه ما لحق غيرَهُ من الوطنيين، إذ صودرت مجموعته «العودة إلى الآتي» واعتقل الشاعر وحوكم بتهمة مساندة منظمة إرهابية ومساندة الانتفاضة، حيث أحرقت جميع مؤلفاته التي استولت عليها الشرطة من المطبعة والمكتبات واستمرت محاكمته ثلاث سنوات أي حتى العام 1993، وقد نكث بعض المسؤولين العرب(!) بوعودهم تجاهه، وشغلَ ناطقاً باسم رابطة الكتاب الفلسطينيين وعضواً في نقابة الكتاب العرب.
شفيق حبيب من الشعراء الذين قالوا كلمتهم دون وجل أو خوف، فقد تحدّى الجبروت ولم يخضع لسلطان العبودية، فهو من الذين ساعدوا على تجسيد ملامح الثقافة الوطنية والهُـويّة القومية للشعب العربيّ الفلسطينيّ، على الرغم من الهموم التي لاحقته وروّج لها المنتفعون والقمعيون، لذا نقول إن الشاعر بدأ حياته من خلال النسج على منوال غيره من الشعراء، ونعني بذلك الفائدة التي استمدّها من سابقيه، فقد عاش في فترة حرجة إذ فتح عينيه على مآسي النكبة والهجرة وملحقاتها مما جعل ذلك ينمو في نفسه ويُظهره من خلال شعره فالذي يتصفح نتاجَه الأول يجد أن بعض التعابير اللغوية والأسلوب الذي ينتهجه إلى جانب صُوَره من الأمور المألوفة ومثل ذلك ليس عيباً، لأنه يُعدّ من باب التأثير والتأثر، فليس مصادفة ً أن يبدأ الإنسان مشواره عبر التأثر الذي يلازم الجميع، لذا نجد موضوعات الشاعر ليست جديدة في بداية مشواره الشعري، علماً أن الجدّة والحداثة لا تكمن في الابتعاد عن القديم وإنما تحويل ما هو مألوف وعادي إلى شيء مُشوِّق وغير مألوف ومقبول معاً، فيكون الإنسان قد حدّد همومه وحدّد أهدافه وصاغها من خلال مُنطلقهِ الذي يراه مناسباً.

فالهمّ الوطنيّ والنزعة نحو الانتصار للوطن وقضاياه قد وجدت منافذها عبر نفسية الشاعر وأفكاره فأصبح يغني للوطن مما جعل «أغنية لبلادي» ظاهرة مألوفة وقد توَّجَها بصيغة البناء الهندسي المعهود لدى العرب تجاه قصيدتهم الشعرية، وإن جاءت تلك القصيدة وقد قاربت من الحديث اليومي أو الكلام المعهود ولم يستطع الشاعر خلق حالة التدفق الشعوري والنماء الشعري، فهي قد تكون من بواكيره حيث طبع الديوان الذي يضمّها عام 1976، وهو «مأساة القرن الضـِّلـّيل»، ومثل ذلك ليس جديداً على الفن والفنانين، إذ ليس كل نتاجاتهم مُحكمة وتتدفق فيها روحية العنفوان الفني والأداء المحكم.

أغفو على اسمك ِ يا بلادي وأضمُّ جرحك ِ في فــؤادي
إني أحبك ِ في دمــــــــــي قدَرا ً يُعززُ بي عنــــــادي
أهفــو أقبِّـــل ُ كلَّ شبــــر ٍ في السهول ِ وفي الوهــاد ِ
أشتاقُ أن أنهـــلَّ مـــــــاءً يرتــوي بيَ كلُّ صــــــاد ِ
أو أن أكونَ النـّــورَ يغـْـــ ـسِلُ وجهَ أرضي من فساد ِ
لو كنت عصفوراً يحـــوِّمُ يرتمـي فـــي ظـــــــلِّ واد ِ
لعَشِقتُ أزهـــارَ الجليــل ِ تضـوع ُ من أعطـاف ِ شاد ِ

وعلى مثل هذا النسج تستمر القصيدة في النماء، مما جعلها مسرحاً تعجُ ّ بالهموم وتعرية المواقف وبيان حالات التمني والشوق التي تلف الشاعر، وقد جعل الفكرة تسيطر على مقدرة البناء الفني، بمعنى أننا نجده وقد غلـّب الفكرة على مقومات الفن إلى حدّ ما، وهذا لا يعني أن القصيدة قد مُسخت، وإنما نجدها وقد تناغمت مع معطيات الحديث اليومي ولغة المباشرة والوضوح والمكاشفة، وكأن لغة َ الرفض السياسي، وقلمَ الصحافة هما اللذان تدخلا في صياغة هذه القصيدة.

فمناجاة الوطن والتبحُّر في همومه والغوص في أعماقه من سمات هذه القصيدة إلى جانب القصائد الأخرى، كما هي «رسالة إلى الشهيد» من ديوان «دروب ملتهبة...» الذي صدر عام 1980، هذه القصيدة تجعلنا نسبح في فضاءات الشهادة والارتفاع بقيَمِها ودوافعها، لأنها مسألة مقدسة ومُرادة، فهي من قرائن الوطن، حيث بها يسمو ويعلو نماؤه وعطاء أبنائه الخلص إلاّ إن هذه القصيدة قد جاءت في بنية أكثرَ تماسكاً وتفاعلا ً وإن كان للقافية ووقعها أثرٌ لا يستهان به، إلاّ أننا نلمس حالة التفاعل والتماسك في البناء الهندسي لجسد القصيدة فالألفاظ لها دلالاتها في كل شطر من أشطرها، وكذلك في قصائد أخرى، فعندما يعمد على ذكر مسألة معينة نجد ألفاظه وقد تناغمت وأصبحت العلاقة وُثقى بين المبنى والمعنى، وكأنه يعمد إلى خلق حالة التوافق بين الدالّ والمدلول وبين الإيقاع اللفظي والجَرْس الموسيقي وبين الأشياء الأخرى، إذ تتلوّن العاطفة تبعاً للواقع النفسي والتفاعل النفسي مع الحدث إلى جانب المقدرة التفاعلية والتعامل مع اللغة وبنائها الأسلوبي:

هذي دماؤك َ يـا شهيدي!! عطرٌ على أرض ِ الجدود ِ
من كلّ قطــــرة ِ عنــــدَم ٍ لمعـت ْ سيـوف ُ ابن الوليد ِ
ما أطهرَ الدّمَ حين يـُسْفكُ في الدفــاع وفي الصُّمود ِ
ما ماتَ شعــــبٌ شامـــخ ٌ أقـوى مـن القـَدَر العنيــــد ِ
شعبٌ يخالُ الموت َعُرْساً فـي الدفـاع عن الوجــود ِ

الواضح هنا أن معيار الحياة الصالح لدى الشاعر قد تحدّد في مفاهيم المواطنة الصالحة، والتي تبحث عن روحية الوطن ودوافع الشهادة،لأن الشهادة أقوى من الدوافع الأخرى وهي مسألة مقدسة في الأعراف والتقاليد والديانات كلها، علماً أن موضوع الشهادة قديم مستحدث، إلاّ أن اللافت للنظر هو جعل الشهيد ينتسب إلى الشاعر فقد ألحقه بياء النسب وخاطبه بـِ «يا شهيدي!!» وهذا نداء موجّه للشهيد وقد جعله حيّاً لأن صيغة النداء لا تتم إلاّ مع العاقل المستجيب للنداء، علماً أنه ينقلنا عبر وعيه التام إلى مسألة التفاعل مع الشهيد ومواقفه وأهدافه، لأن الشهادة سمة من سمات الشعب الذي ينتسب إليه الشاعر كما يقرّ ذلك من خلال أشعاره، فعملية الولوج في مسألة الشهادة لهي من الأمور الحساسة فعلاً والمقبولة نفسياً وفكرياً عند مريديها إلى جانب المسألة العقائدية، إذ إن العقيدة لدى الأديان تحثّ على الشهادة في سبيل الحق فيكون الشاعر قد أفاد من معطيات الواقع إلى جانب الدوافع الدينية والتاريخية والفكرية، مما جعله يتمسك بأفكاره وينهي قصائده بالتفاؤل وإظهار ملامح القوة النفسية بدلاً من الضعف الذي يدبّ في أجساد الآخرين.

إن عملية التغني بالشهادة لهو أمر مقصود في حد ذاته، وكأنه في ذلك يدق ناقوساً خصّصه لإظهار معالم الشهادة وسموّها، وهذا نظنه إسقاطاً على حال الشهيد وما يتمتع به من مكانة وعزة لأنه خلق رابطاً أبدياً مع الناس وأرضهم التي هي بمثابة السِّتر والحياة، وخلق حالة من النبوءة الهادفة تمشياً مع معطيات التسامي والخوض في معمارها ودوافعها، وكأن الشاعر بحسّه الإنساني وبفطرته يقدّر ما للموضوعات التي يطرقها من قيمة حتى يستحوذ على ألباب الناس ونفوسها ويرفع من معنوياتها كذلك، لأن خلـْق الإحساس بالشيء من الدوافع التي تجعل الآخرين يتمسكون به ويدافعون عنه، وذلك إنتشالاً للوعي الجماهيري الذي يحاول الآخرون تقريره وطمس طموحاته، ذلك الأمر جعل الشاعر يؤكد على أهمية موضوع الشهادة في المجتمع حيث الحق تلك القصيدة بقصيدة أخرى هي «رسالة الشهيد خالد بن فتح الله الفلسطيني» التي وردت في ديوان «وطن... وعبير»، وكأن الشاعر لم يكتف بوصف حال الشهيد وبيان مشاعر الناس تجاهه وإنما أراد أن يستبطن نفسية الشهيد ويتحدث بإسمه، وهذا توكيدٌ حقيقي من الشاعر على أن الشهيد حيّ يرزق، لأن عملية الاستبطان تلك تنمّ عن ذلك الإيمان حيث عودة الشهيد تدلل على مدى عمق العلاقة بين الشهيد والأرض والمجتمع الذي رُبّيَ من خلاله وبه :

أعودُ إليك يا وطني!!
أعودُ إليكْ
لألقيَ كلّ أشواقي...
على كتفيْـكْ
أقبـِّلُ أرضَ أمجادي
وأملأ صدريَ المحزونَ عِطراً
من شذا زيتون أجدادي
أطيرُ على سهولكَ.. أنتشي
في ذروةِ القِـنـَن ِ
أضمُّ ترابَكَ الممهورَ من دمِنا
إلى قلبي... إلى أذني
لأسْمَعَ وقعَ أقدام ٍ على التاريخ تنزرع ُ
لقد كانوا هنا أسيادَ هذي الأرض.. فاقتـُـلِعوا..

إن موضوعَ الشهادة قد استحوذ على مكانة مرموقة في شعر شفيق حبيب، وهذا ليس غريباً لأمور متعددة، لذا نجده وقد جعل الشهيد في صورة المتكلم المنتسب والمنتمي والمتمنـّي والمحبّ والرافض وغير ذلك، مما جعل القارئ يحسّ بعمق الإحساس وصدق العاطفة لدى الشاعر، ونجده يمتلك حساسية عالية تجاه كثير من الموضوعات وهذا ينمّ عن مصداقيته، في التعامل مع الواقع، ومن ثم جدار الحصار الذي يفرضه الأعداء مما يجعل المسألة ضدّية حيث الضدّ يـُظهر حسنة الضدّ، فقد يجد المرء متنفساً في شعره أو قد يجده يعبّر عن ذاته من خلال الموضوعات التي يطرقها.

فحبُّ الأرض والوطن والشعب والمقدسات من لوازم شفيق حبيب الإنسان الشاعر، فهو جريء في طرح أفكاره وإيصال معتقداته وهمومه للناس،وكأنه يشخـِّص علاقاته مع الآخرين، وكأن حالة توحّد قائمة بين حبّ الوطن والأشياء الأخرى وبين الشاعر، فعلامات الحبّ واضحة الدلالة والتمييز، وملامح التجدد واضحة وبارزة إلى حدّ كبير، وكذلك التكيف مع المسائل التي يريدها الشاعر لا التي تفرض عليه، لذلك نجده يتقمّص شخصية َ الشهيد ويـُنطِقها بما يريد أن ينطق إلاّ أن هذا الأمر ليس بعيداً عن روحية الشهداء، وإن كان الشهداء غير متساوين أو متجانسين في طرح همومهم ونسج أفكارهم، بمعنى ليسوا أصحابَ أيدلوجيا فكرية متأصّـلة واحدة، وإنما قد نجد منهم من يمتلك الإيمان البسيط والمسلماتي، إلاّ أن هذه الإسقاطات لم تلغ ِ دور الشاعر أولم تنفـِّر الآخرين منه ومن أشعاره، فالشهيد الذي يضحي بأثمن الأشياء (الحياة) ليس كثيراً عليه أن ينطق كما نطق الشاعر في رسالة الشهيد المتعددة الجوانب والأفكار التي تعجّ بالهموم، حيث يجعله يتحدث بصيغة الماضي والحاضر والأمر ويروي كما كان يسمع، إلى جانب بيان حالات الإستغراب والتفجّع وما إلى ذلك من قرائن الإنسان الرافض والمحبّ معاً.

هذا الحبّ والتوحّد مع الأشياء جعلت من الشاعر إنساناً يمتلك حواسَّ متعددة،كلها تصبّ في خدمة المبدأ الذي يؤمن به، فإلى جانب صُوَر الشهادة التي تملأ الدنيا فخاراً والنفس عبقاً وأريجاً، نجد صوراً قاتمة تدور حول شخصيات أخرى مرفوضة كالمُخبر الذي يتبع نفسه للمحتل، علماً أن المحتل لا يرى فيه سوى قمامة او مسخاً يضرّ ولا ينفع وإن يوحي له بأهميته ومنطلقاته، مما جعل قصيدة (مُخبر... ومحقق)، من ديوان (أنادي أيها المنفى!!) صُوَراً صارخة تعجّ بالكراهية والاحتقار لهذه الشخصية، وقد جعل الشاعر الشخصية تنطق بما لا تحب، لأن روحية الشاعر هي الناطقة، وكأنه يحيلنا هنا إلى قصيدة السياب التي تحمل العنوان ذاته «المخبر» والذي يقول فيها السياب:

«أنا من تشاءُ أنا الحقيرْ، صبّاغ ُ أحذية الغزاة» إلاّ أن روحية السيّاب وشاعريته تختلفان عن الشاعر شفيق حبيب، وكذلك طريقة البدء في الحديث يكون مغايراً إلى حدّ المغايرة أحياناً، وكذلك مسألة التدفق العاطفي والصعود الإيقاعي وخلق النشوة نجدها لدى السياب أعمق إلاّ ان النوايا والأهداف واحدة، وهي تعرية هذه الشخصية المذمومة والمحارَبة فكرياً ونفسياً، وكأن عملية التحدي قائمة، بين (المتكلم = الشاعر – والمخاطب = المخبر أو المحقق) لأن علمية الإخبار والتحقيق متلازمتان وهدفها واحد، فطريقة الخطاب استفزازية مفعمة بروحية التحدّي، لأن طبيعة الصراع واضحة، حيث المحتل بفكره الصهيوني، بينما الحكومة في زمن السيّاب مثلاً كانت وطنية مرتبطة بالاستعمار، لذلك تتجدد الأفكار ويبحث عنها المريدون :

هذا أنا يا مخبرُ!!
لا أنثني – لا أنحني – لا أ ُقهرُ
إني أبن شعبٍ صابر ٍ..
ما لان في وجهِ العواصفِ
والرياح ُ تزمجرُ..
هذا أنا يا مخبرُ
يا خِرقة ً يزهو بها نعلُ المُحقـّق ِ
مثلَ وجهـِكَ أغبرُ
طبّلْ وزمّرْ عند سيـّدِكَ المُحقـّقِ ِ
إنني لا أكسَرُ
ستظلّ كالمستنقع الآسن ِ
في ليل الخنا يا مُخبرُ..!!

فالتحدّي يفوحُ من صيغة الخطاب إلى جانب السخرية وعلامات التهكم والرفض.
ـ «حققْ معي ما شئتَ يا متحضـِّر ُ»، وهذا رسمٌ واضح للوجه القبيح لكلٍّ من المخبر والمحقق، إلاّ أنه سبّق صيغة الخطاب مع المخبر على المحقق، إذ التحقيق يُبنى على ما يأتي به المخبرون، لكن النتيجة واحدة، وهي ظلم الآخرين الذين يـُنقل عنهم ما ليس فيهم أو يـُنقل عنهم ما يُغضب المحتلين، فيما يراه الآخرون عملاً إنسانياً ووطنياً كما هي علامات المقاومة والتبريز، فكلما احتدم الصراع يبقى المخبر صاحب حظوة عند المخبر له، مما يجعل العلاقة سلبية بين المخبر والمخبر عنه وإيجابية ولو شكلاً بين المخبر والمحقق، فكلاهما يملأ الخاتمة التي حُدِّدت لهما وهما يرتكزان إلى المغالطات والقوة، من أجل تحقيق الأهداف والامتيازات إن وُجدت، لأن المخبر في جلِّ الحالات يكون من المغرّر بهم أي من أبناء جلدة المُخبَر عنه، لذا يخلق ذلك حالة من الصراع غير المتكافئ والمتجانس أيضاً.

ومن أجل عملية التوحّد التام بين موضوعه وأفكاره وطموحات الآخرين نراه يعمد إلى أقوال مأثورة كي ينصّص بها عنونا لديوان شعري له كما فعل مع مقولة السيد المسيح عليه السلام إذ جعلها عنواناً لديوانه (ليكون لكم فيَّ سلام) الصادر عام 1992، هذا العنوان يُعطي توجهات كثيرة لأن شخص السيد المسيح يُعَدُّ رمزاً للتضحية والفداء المتجدد، والعرب يمتلكون رموزاً متعددة قدمتْ نفسها قرابين شفاعة وفداء لمجتمعاتها بدءاً من تموز عاشق عشتار كما تقول الميثولوجيا الكنعانية الفينيقية ومروراً بالسيد المسيح وصولاً إلى الإمام الحسين سيّد الشهداء في كربلاء إلى جانب شخصيات أخرى قد لا تصل إلى مستوى أولئك وإن اختلفت ثقافاتهم إلاّ أن النتيجة واحدة وهي التضحية بالذات وهو أسمى غاية الجود :

«ودنا المطرْ
والضوءُ في قلبي انهمرْ
وأطلُّ من خلفِ الغيوبِ
الرّعدُ والبرقُ المؤجَّجُ والمُدجَّج ُ بالخطرْ
وتحرّكتْ في البحر أشرعة ٌ
وفي الأرض الحجرْ
وتناثرت في الجوّ أسرابُ الطيور ِ
على حذرْ
ودنا المطرْ
ماتت بذورُ الورد في أرضي
وجفّ الضّرع ُ واحترق َ الزهَرْ
إن الرصاصَ يئزُّ يبحث ُ عن رؤوس ٍ
عن صدور ٍ.. عن وطرْ…»

من هنا تتماثل حالة الضحية والتضحية معاً، حيث الرصاصُ عنوانُ الغدر والقتل وهو الوسيلة الناجعة التي تـُسهـِّـل المَهمّات وتقصّر المسافات بين القاتل والمقتول والغادر والمغدور، فالرصاص لم يكن معروفاً في الأزمنة القديمة، وإنما وسائل الغدر متعددة ونتيجتها واحدة، وكأن الشاعر يريد القول إن الرصاص يخلـّف آلاف الضحايا، لأن عملية التماثل في العنوان تعني أشياء كثيرة، وكأنه يقول إن المسيح الذي ضحّى وغـُدِرَ ممن ضحّى من أجلهم معاً تتجدد صورته في الذين يحصدهم الرصاص في أيامنا هذه، علماً أن الرصاص لا يفرّق بين الضحايا من حيث العمر والعقيدة والانتماء الفكري إلاّ أن جلّ الضحايا هم من الأطفال والصبية، الذين يشكلون أمل المستقبل، فبقتلهم يتم غدرُنا مرتين، مرة في الحاضر والأخرى في المستقبل، لذا كان الشاعر يعي ما يقول وإن كانت لغته وصفية صارخة يبشر بانفجار نفسيّ وبأس روحيّ وبرفض عقليّ، كل ذلك يتجلى من خلال نسج المفردات التي شخصت بروز الحجر الذي يُعَدُّ سلاح المقاومة الشعبية في فلسطين.
إذن أصبح الحجر أكثر تكثيفاً في الحياة الفلسطينية الرافضة، مما جعل الشاعر ينقل هذا التكثيف إلى شعره ويجسده، لذا تجددت الحياة، وبرزت ملامح جديدة، وصَوّرَ سلاحاً لم يكن معهوداً بالكثافة التي تعامل معها الناس في عصر الانتفاضة، فالشاعر في هذا المقام يُبرز صور الطفولة إلى جانب صُوَر الهدم والدّمار، وكذلك صور النزاع غير المتكافيء إذ أصبح التحدّي شاخصاً، ومتوحداً في العشق الأزلي للأرض والإنسان، وهذا جعل لغة الشاعر إخبارية تهكمية تميل إلى لغة التخاطب والحوارات كما هي عناوين المقالات الصحفية ونشرات الأخبار الموجزة والمطولة، وكأنه يستعرض أحداثاً من خلال صورة المذيع عبر التلفاز أو بوساطة المذياع لذا جاءت اللغة شبهَ سطحية وواضحة لا تحمل إرثاً سوى الرفض والتنكر من الحال القائم وهذان أمران يحرص المرء على تعزيز العلاقة معهما إيجابياً وليس سلبياً وهذا ما نراه في قصيدته بعنوان «نشرة إخبارية»:

سيداتي! آنساتي! سادتي!
نشرة ُ الأخبار يتلوها غرابْ
طاردت قواتنا الأطفالَ من بابٍ لبابْ
قتلتْ منهم ثلاثه
بعد كرٍّ بعد فرٍّ ومجيءٍ وذهابْ
القت القبضَ على قائدهم – زين ِالشبابْ
عمرُهُ سبعة ُ أعوام ٍ وما زال طليقاً
لم يذقْ مرّ العذابْ
فنقلناه إلى السجن ِ
وعاد الجيشُ بالنصر المهابْ

على الرغم من بساطة التعبير واللغة المباشرة إلاّ أننا نلمس أكثرَ من صوت في هذه القصيدة، وكأن بعض الأثر الدرامي قد اتضح من خلال هذه القصيدة، لذا نسمع صوت المذيع وصوت المعلق ومن ثم صوت المنحاز للشباب وشيخِهم الذي عمره سبعة أعوام إلا أن سمات السخرية التهكمية هي السائدة، حيث برز أسلوب القمع الهمجي، وتحقيرَ الذات المعتدية، إذ الضحية هم أطفالُ الحجارة، وتكرّس ذلك بوساطة استخدام الأطفال التي تتناسب مع روحية الهدف، فكل من الأفعال له هدفه ودلالاته المرادة ، ومن اجل خلق الصورة الحركية التي توازي صورة النساء وهي تـُبَثُّ تلفزة ً، مما جعل الأمر واضحاً وجلياً إلى حدّ بعيد، وقد تتعاكسُ الصُّوَرُ أو تتلاقى إلى أن النتيحة واحدة، والثوابت مبحوث عنها من قبل الشاعر لسان حال الأطفال الذين هم لسان حال شعب يبحث عن ذاته من خلال ثورته، فاللفظ هنا وسيلة لا غاية، لأنه لا يبحث عن جماليات الفن واللغة وإنما يبحث عن النتيجة المبتغاة، من خلال لوحات شعرية متعددة الملامح واضحة الهدف والميل صوب الحق، وتتلاحق صورُ الشهادة والشهداء في دواوين الشاعر، وكأنها أحد هواجسه وانبعاثاته النفسية والفكرية معاً.

لذلك غدا التاريخ يشكل حالة زخمية تأخذ بيد الشاعر كي ينهلَ ما يشاء من موضوعاته وصوره، تكريساً للفكرة التي يؤمن بها، وهي نصرة شعبه وتعريه المغتصب من جماليات إدعاءاته وبهتانه، فقد جعل من عكا متمثلة بأسوارها حالة من التفجّع والتآسّي وصولاً إلى قمة الحدث وكأنه يقول إن استمرارية العذاب الواقع على كاهل شعبي جعلت السنين والأيام مرة وقاسية رغم التحدي والثبات كما هي الحال مع أسوار عكـّـا وشواطئ البحر الذي يقذف بأمواجه العاتية، من خلال ذلك نستيقن أن الشاعر شفيق يقارن بين أسوار عكـّـا وتحدياتها عبر الأزمنة وبين الشعب وتحدياته، بذلك جاءت صُوَرُهُ فاعلة، مما جعل حالة الغضب تتجدّد بوساطة صور الشهداء الثلاثة الذين أعدمتهم قوات الانتداب البريطاني، وهذا يؤكد أن الزمن يتجدد أو يعيد نفسه لكن بصور مختلفة:

آه يا أسوار عكـّــا!!
يا صدى أناتِ أعوادِ المشانقْ
يا حجازي...!
يا عطا الزير...!!
وجمجومَ الخوارقْ
آه يا أسوار عكا!!
أين غاب الفرحُ الورديُّ عبرَ البحر ِ
في المجهول ِ
في تيــه ِ المآزقْ...
آه لو عادت إلى الأحضان ِ
أسرابُ الزنابقْ
آه يا أسوار عكـّـا!!
عند اقدامِك ِ للطاعون قبرٌ
وجنازاتُ انتكاسات ِ البيارقْ

إن صُوَرَ التكرار تتلاحق، إما أن يكون تكراراً لفظياً أم معنوياً، كما نراه يكرّر حرف النداء (يا) وهذا التكرار يجيء منسجماً مع روحية نقل الخبر أو تصوير حالة التفاعل مع الحدث والتجربة، فالهدف من التكرار هنا هو خلق حالة التحدي والمواجهة وتبريز روح المواجهة وفرض مشاعر الحماس على الناس طوعاً لأنَّ تجسيد الظلم وتبريزه يؤدّيان إلى طغيان حالات الغليان والرفض والتمرد والانسياق مع الحدث واندفاعياته.

والذي يقرأ جُلَّ أشعار الشاعر شفيق يجدُ روحية المثابرة والتفاعل والأمل هي المسيطرة إلاّ أن التركيز يجدُ بعضَ الضبابية وسيطرة اليأس على النفس وتملكها، وهي أمر طبيعي ومألوف لدى النفس الإنسانية، لأنها لا تعيش على وتيرة واحدة او لا تمرّ في خندق واحد، وإنما تتجدد الحياة من خلال تقلبها وتعدد خنادقها ومواقفها، فمن الطبيعي أن نجدَ مثل هذه الحالات وقد يعكسها الإنسان على أعماله وأفعاله، وهذا ما فعله شفيق الشاعر في ديوانه «تعاويذ من خزف» وبالذات قصيدته «ضياعٌ في بحر الذات» وهذا يجسد حالة الصدق والصراحة من الذات والآخرين، فالمتحدث إنسان له ما للآخرين وعليه ما عليهم.

ينسابُ في صوتي الضبابْ
وعلى شراع سفينتي
في بحر ذاتي
ينطوي أملُ الإيابْ
الليلُ يلفظني
فيَجْرَعُعني الضياع ُ والاكتئابْ
هذا أنا...
كأسٌ من المرِّ المحنظل ِ والعذابْ
هذا انا...
طيفٌ تطاردهُ
النوائبُ... والسّوائبُ... والكلابْ
شلوٌ... قضت أشلاؤهُ
بين التخندق ِ... والتمزق ِ... في الشعابْ
لا الذنبُ ذنبك ِ يا ذئابْ
بل ذنبُ كلِّ الرافضين َ... الهائمينَ ...
على متاهات ِ الخرابْ...

إن قرائن اليأس تتحدد بوجود هذا النص الذي انطلق من جوّانيات الشاعر وقريحته مما يجعل اللذة تستكمل مع الاستمرارية في تتابع هذا النص، فهو مغاير للنصوص الأخرى لأن علائق النفس البشرية تتضح من خلاله، فالقوة الجائرة التي يرفضها الشاعر في عمومياته وانطواءاته النفسية تدفعه كي يستعذبَ البؤس الذي يفضله عن حياتهم والتعامل معها، واستعذاب الألم ليس حالة شاذه هنا كما يراه النفسانيون وإنما هي حالة مراده، اندفاعية تكثيفية إلى جانب بعضهما، مما يجعل المأساة تتجسد عقلياً بعد أن تجسدت نفسياً ومعنوياً، وهذا يأتي بوساطة الانطلاقة من الأنا التي خالف فيها ماضيه الشعري، وكأنه يعود إلى حقيقة كانت مغيبة عنه أو كان يتجاهلها ومثل هذا الأمر يأتي بعد نضوج وانتصاب قامة شعرية لدى شفيق، وهذا يفسّر بعدّة أوجه، منها أن شفيق الشاعر عاش حياة الأمل من خلال فنه رافضاً الواقع المرّ، أو أنه تعامل مع الواقع بالرفض النفسي وعايشه جسدياً إلاّ أننا نجده في ديوانه وقصائده يتعامل معه نفسياً وجسدياً، فهل هذا من أثر الواقع السلبي حيث خـُدع الشاعر بالناس جميعاً، أم أن العمر ما عاد يحتمل نزعات التمرد وكما كان سابقاً، لذا جاءت هذه الأمور بواقعيتها وبسوداويتها تـُبرز الواقع المرفوض جسداً وروحاً وفكراً معاً.

فالشاعر هنا لا يبرِّر سوداويته أو ضياعه بصور هشّه وإنما بصور تفاعلية مقنعة ومستقطبة مع بعض الدهشة أحياناً، ونرى ذلك تطوراً ملحوظاً في بنائية الفن الشعري لدى الشاعر، مما يجعل هذا التتابع الواقع مؤلماً وهذا نتيجة للخيبة التي تحيط بالآخرين من الآخرين، فالخـُواء الذي يعيشه الشاعر لم يأت من فراغ وإنما هو خواء تراكمت بوادره منذ سنين وتصاعدت نشوتها المُرّه حتى تجسدت شعراً جميلاً وإن كانت سوداويته غالبة على غيرها، ومثل ذلك نجده عند الشعراء المرموقين أمثال السياب وقباني والبياتي وغيرهم، وهذا ما تؤكده بعض مقطوعاته من الديوان ذاته:

يـُؤرِّقـُني....
يـُمزقـُني....
جرادُ القمع ِ والقهر ِ
ويحرقُ في شراييني
بقايا النبض ِ من عمري
حملتُ حطامَ أوردتي
وأسلحتي على ظهري
وجبتُ العالمَ المخصيَّ
أنزفُ مثلَ جذع ٍ
دامع ِ الجذر ِ
ولما عدت مكلوماً
مهيضاً...
لم أجدْ قبري...

إن هذه العلاقة مع الأشياء نظنها علاقة عقلية وليست مسألة سطحية عابرة، وهذا الأمر يتأكد بوساطة الأدلة المنطقية لتلك العلاقة والتي يدلل عليها من خلال رؤيته للأشياء وكأنه يأتي بيد الإنسان ويأخذ بإبهامه ويضعه على الجرح النازف، لكن بطريقة قد توحي بالتمزق وردم الذات وتجسيد حالة الشلل وشلّ روحية العطاء لدى المواطن العادي وغير العادي الذي يرى في عطاء الشاعر بلسماً أو وسيلة في تفادي الهموم أو محاربتها أو القضاء عليها مما يؤكد ملازمة الشاعر للحدث الإنساني، إلاّ أن الشاعر هنا بهذه السوداوية يُعرّي الأشياء ويجعل مسمياتها واضحة المعالم لا زيف فيها ولا رتوش، لذا تصبّ كل هذه الأمور في رؤية واحدة ألا وهي فلسفة الواقع السياسي والتعامل معه، وإن جاء ذلك وفق صورة مغايرة للرفض المباشر واللغة الهجومية والأساليب الخطابية أو الاستعلائية على المخاطب المحتل، لذلك تزاحمت الصُّوَر الخارجية التي تمس الإنسان من الخارج وداخلية نفسية وعقلية تعلق بمنطق الإنسان وتوجهاته، كل ذلك تجمّعَ ضدّ الشاعر كي يخلق عملية توازن اعتقد الشاعر أن هذه العملية هي التي تـُبقي على كيانه وهي تعرية الجميع دون النظر إلى العواقب الوخيمة أو غير الوخيمة التي تحيط بالإنسان وتدفعه للارتقاء بالشيء.
ففي هذا المجال نجدُ الشاعرَ وقد وازن في عملية البناء الأسلوبي من حيث الواقعية والرومانسية وقد أفاد من الطروحات كلها التي يعتقد بصلاحها للنهوض بفكره وفنه، من أجل الاستمرارية في نقل دفقاته الشعورية عبر صُوَر تتناسب وروحية أفكاره وواقعه النفسي في حينه، لأنها تعبِّر عن ذات إنسان فنان وليس عن ذات إنسان يتجلد كي يعي الآخرون صورة ثابتة عبر أزمنة وأمكنة متغيرة، لذلك نجده ينتقل بين العموم والخصوص من اجل النهوض بالذات وتبويب الحياة عبر قنوات من السهل التعرف عليها، فهو من الذين يتابعون الحياة بكل نوازعها وتقلباتها السياسية والفكرية مما يجعل الأمور تنعكس على فنه الشعري وروحيته كفنان وإنسان.

نحن شعبٌ نتغني بعيون العولمَــه
نتغنى
يومَ أن ننسى حضارات ٍ..
وتاريخاً... وآداباً...
ونغدو مغنمَــه...
نحن لسنا في رحابِ العولمّــه
إنما نحيا عصوراً مظلمَــه
نحن شعبٌ يلحسُ الأيدي..
ويستجدي رضا الأسيادِ ذلاًّ
كي ينالَ الأوسمَــه
نحن شعبٌ هامشيٌّ
كذبيح الطير يحيا مأتمَــــه

إنّ أشعار شفيق حبيب عبارة عن شريط من الصُّوَر منها المحزن المبكي المُنفـِّر إلى جانب المفرح أحياناً إلا أن هذا الشريط يكتنز من الأشياء ما لم يجده المرءُ في أشعار كثيرة، وكانه كلما تقسو عليه الحياة يخرج بقايا من حشاشاته ويعرّيها للآخرين، حتى جعل صورتنا مسألة العولمة من الأسس التي يسير عليها الآخرون تسريعاً لهدم كيانات شعبنا وأمتنا والمنطقة بأسرها، مما يجعلنا نؤمن أنه يستخدم حواسّه مجتمعة لإظهار صوره وهمومه الهادفة البناءة، واعتبار ذلك من الدوافع البناءة من خلال التأثير الجمالي والنفسي وكذلك البنية العامة للنص.

إن هذا التنقلَ بين الموضوعات والهموم والأساليب جعلتنا نرى أن الشاعر شفيق يُفيق وينام مع هموم أمّته وقومه، وقد توزعت مشاعره بين المحلي والعالمي القومي والإنساني فالقدَر الذي صنعه كارهو العرب والعراق قد جسّد أشياء مؤلمة وفاعلة في مسيرة الناس إن كان ذلك بالسلب أم بالإيجاب :

نخيلُ العراق ِ يموتُ شموخاً
وتبقى الذئابْ
وتبقى جيوشُ الذبابْ
لك القلبُ يا شعبـَنــا!!
في عراق التحدّي... ولكنْ
جناحايَ في ألفِ قيد ٍ ونابْ
فكيف الوصولُ إلى كل طفل ٍ
وقد أغلقوا كلَّ درب ٍ إلى الله
أو منفذ ٍ للسحابْ
فهل دجلـة ُ الخير يقوى
على غسْل ِ عار ِ التقهقر ِ
عار ِ التعهـُّر ِ
عار ِالتآمر ِ
عار ِ الكلابْ؟؟؟

فالشاعر هنا يُرينا مدى الحالة التي وصل إليها العرب من تشرذم وتقزيم عندما يقدم بعضهم على ذبح بعضهم الآخر، وهذا يؤدي إلى خلق الغربة الخانقة للنفس والروح حيث جعل ألفاظه كالرصاص أو المتاريس التي خلقت دفاعاً عن مبدأ مُراد وأفكار هادفة.

لذا نقول إنّ شفيق حبيب الشاعر، تنقـّل بوساطة أشعاره بين الرومانسية والكلاسيكية والواقعية وقد أتضح ذلك من خلال لغته وأفكاره وأساليبه التي تعبِّر عنه، مما جعل تأثير الصحافة واضحاً وجلياً وتأثير السياسة كذلك لا مفرّ منه مما جعل بعض لوحاته الشعرية هجومية وساخطة أو رافضة أو عبارة عن شعارات تـُرفع كما الشعارات التي تكتب على الجدران في المناسبات مما جعل السياسة وأدبَها يأخذان نصيبَ الأسد من خلال نتاجه الشعري، فقد كانت جُمَلـُه واضحة سهلة ولغته تتراوح بين الفصحى المعجمية في أحيان نادرة وبين بسيطة معبرة كما السهل الممتنع أو نراه يتعامل مع اللغة كما وأنه يتحدث إلى جمهور بسيط في جلسة خاصة.

وأما بناءُ القصيدة لديه فكان يتراوح بين النظام الهندسي العتيق وهو كثير وبين قصيدة التفعيلة إلاّ أنه لم يُغفل الموسيقا في بنائه الهندسي لقصيدته وإن وجدنا بعض الهنات والضعف من حيث التفاعل الإيقاعي إلاّ أن قصيدته تبقى متماسكة وفاعلة دون منازع إلى جانب ذلك نراه يتأثر بغيره من الشعراء كما السيّاب والبياتي ومظفر النوّاب من حيث الصياغة أو استخدام اللغة إلاّ أن نـَفـَسَ درويش لا نجده وهذا أمر قليل لدى الشعراء الفلسطينيين وقد يكون السبب أنهما متقاربان في العمر زيادة على العامل الذاتي ومحاولة خلق شخصية مستقلة.

وبالنسبة للتكثيف اللغوي نجده يتراوح بين مرحلتين، وهما مرحلة المباشرة ومرحلة الغوْص في أعماق الذات وبعثرة ما تحتويه النفس من مكنونات للوصول إلى الهدف مما جعل شعرَه يخلو من الرّموز المعقـّدة وإنما صُوَرُه واضحة وأفكاره مستنبطة سريعة الفهم على الرغم من وجود السوداوية أو الانهزامية أو الإقرار بالواقع الفاسد عبر لغة معبأة ومثقلة بالهموم، إذ تعدّدت أساليبُ الخطاب عنده، فمرة يستخدم النداء وأخرى التحدث بأسلوب الأمر أو النهي مما يجعل التقريريّة والتكرار اللفظي والمعنوي من لوازم أشعاره فهو من الشعراء الذين يختارون كلماتِهم للوصول إلى هدفهم، فصياغة الأفعال وبنائية الجـُمَل تعبّر عن دراية باللغة وهمومها، إلى جانب التعامل مع القوافي والإيقاع وجرْس الألفاظ، كلُّ ذلك يؤدّي إلى رفع مستوى الأَداء والتمسّكِ بالمطلوب والبحثِ عنه.

الدكتور نادي ساري الديك

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى