الأحد ٢٩ أيار (مايو) ٢٠٢٢
بقلم أحمد الخميسي

مـظـفـر الـنـواب.. الـكـلـمـة الـتـي يـبـقـى فـيـهـا

عندما رحل الشاعر العربي الكبير مظفر نواب قلت لنفسي إن الكثيرين لم يقرؤوا على الأغلب معظم قصائد مظفر النواب، لكنهم سوف يختصرونه في جملة دالة يعرفها الجميع هي:"القدس عروس عروبتكم"، الأكثر انتشارا والأكثر تعبيرا عن قضية عامة. وسوف يقرأ البعض أو لا يقرأ كل أو بعض ما كتبه أمل دنقل، لكن الذاكرة الثقافية الجمعية سوف تستبقيه في أبيات محددة: "لا تصالح ولو قلدوك الذهب"، كما سيحيا محمود درويش في إطار أبيات مثل: "سجل أنا عربي"، أو: "وطني ليس حقيبة". وقد لا تكون تلك الأبيات التي تختصر الذاكرة فيها رحلة شاعر هي الأبيات الأعمق، أو الأعظم في انجازه الشعري، لكنها تظل الأقرب إلى الاحتجاج الانساني الذي يمد الناس بالأمل في ظرف تاريخي معين. وقد ظهر شعر بل وأدب الاحتجاج السياسي والاجتماعي من زمن بعيد على أرضية ما عرف بشعر الهجاء، ومن أشهر نماذجه وأشدها حدة قصائد المتنبي في كافور الإخشيدي الذي حكم مصر ثلاثة وعشرين عاما، وقال فيه المتنبي: "لا تشتر العبد إلا والعصا معه..إن العبيد لأنجاس مناكيد.. جوعان يأكل من زادي ويمسكني.. لكي يقال عظيم القدر مقصود". أما قصيدة المتنبي الأفظع في الشعر العربي كافة فكانت عن "ضبة بن يزيد"، فانتقم له خاله "فاتك الأسدي"من المتنبي وقتله وهو في طريقه إلى بغداد! ومع بقاء الهجاء بأشكال ودرجات مختلفة، إلا أن الشعر تحول إلى الاحتجاج السياسي، والاجتماعي، ليتقاطع مع قضايا أكبر وأعم، مثلما قرأنا لبيرم التونسي وهو يهاجم الملك فؤاد: "ولما عدمنا بمصر الملوك.. جابوك الانجليز يا فؤاد قعدوك.. تمثل على العرش دور الملوك".

ومفهوم أن تتشبث الذاكرة الجمعية بقصائد أو حتى بأبيات من القصائد التي تشد أزرها في ظل معاركها، وإن كانت تلك القصائد لا تجسد العالم الفني والانساني الكامل لهذا الشاعر أو ذاك. ولا شك أن محمود درويش أكبر وأغنى وأعمق من مجرد قصائده عن الوطن، وأمل دنقل أيضا، ومظفر النواب، فلكل من أولئك عالمه الشعري والانساني الرحب، لكن الناس يمدون أياديهم إلى أكثر القصائد حدة وأقدرها على شحن وجدان الجماعة دفاعا عن المصير. لذلك يبقى مظفر النواب في الذاكرة الجمعية ألمع ما يكون بكلمته: "القدس عروس عروبتكم"، ويبقى فيها حتى تختلف موازين القوى، وتعود كما قال أمل دنقل: "النجوم لميقاتها.. والذرات لرمالها"، وحينئذ سيفتش الجميع عن كل ما كتبه مظفر النواب، وكل ما حاول فيه أن يغطي بنورالقضايا العامة أفق الانسانية كلها. ويذكر في سياق الأدب التحريضي أن رواية مكسيم جوركي الشهيرة "الأم "صدرت بعد فشل الثورة الروسية الأولى في عام 1905، وفي حينه سادت مشاعر الاحباط واليأس في الشعب الروسي، وجاءت الرواية التي عرى فيها جوركي مساويء نظام القيصر من خلال "الأم "التي تتطور شخصيتها إلى أن تصبح مكافحة ورمزا للوطن. وفي حينه أشاعر عدد من النقاد إلى أن الرواية "قد تكون ضعيفة لكنها كانت مطلوبة جدا..". وحين تختصر الذاكرة مظفر النواب أو محمود درويش أو أمل دنقل في أبيات محددة، فذلك لأن تلك الأبيات"مطلوبة جدا "إلى أن يشرق وقت آخر يتأمل فيه الجميع القصائد مجتمعة، كلها، بعمقها، وانسانيتها، وانفتاحها على الهموم، والآمال، أينما كانت، وحينئذ يخرج مظفر النواب من قمقم الكلمة التي يحيا فيها ويطل علينا بكل طاقته من الفضاء الرحب.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى