الخميس ١٤ أيار (مايو) ٢٠١٥
بقلم محمد زكريا توفيق

ملوك هندسة البناء: النمل الأبيض «التيرمايت»

يوجد أكثر من 20 ألف نوع من حشرة النمل الأبيض، المعروفة بالتيرمايت، تعيش في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية. لحسن الحظ، لا توجد غالبا في المناطق المعتدلة، فيما عدا شمال القارة الأمريكية. لما تسببه من أضرار بالغة للمنازل والمنشآت الخشبية. بسبب النمل الأبيض، قد تنهار المباني الخشبية دون سابق انزار.

حشرة النمل الأبيض ، التيرمايت، بالرغم من أنها تشترك مع حشرة النمل في بعض الخصال، مثل وجود الشغالات بكثرة، ونمو أجنحة للذكور والإناث، وطيرانها في أسراب عند التزاوج، إلا أن التيرمايت لا تصنف كنوع من أنواع النمل. إنما هي أقرب إلى الصراصير منها إلى النمل.

النحل والذنابير والنمل، تنتمي إلى نوع يسمى غشائيات الأجنحة (Hymenoptera)، أما النمل الأبيض والصراصير، فتنتمي إلى نوع (Isoptera)، الأقدم والأكثر بدائية في سلم التطور. النظام الاجتماعي عند النحل والنمل العادي يختلف عن النظام الاجتماعي عند النمل الأبيض التيرمايت. مقدرتهم على فن بناء العشوش تفوق كل الوصف. هذا ما سأوضحه في هذا المقال.

كل أنواع التيرمايت، مثل كل أنواع النمل العادي، تعيش في مجتمعات. عدد أفراد المستعمرة أو العش قد تزيد على عشرة ملايين حشرة، أكثر من أي عش نمل معروف. قبل التحدث عن مهارة التيرمايت الفائقة في بناء عشوشها بمهارة فائقة تشبه الاعجاز، سأصف أولا حياتها الاجتماعية، وطريقة معيشتها باختصار.

معظم أنواع النمل الأبيض، التيرمايت، تتجنب الضوء. تبني عشوشها في جوف الأرض، أو في باطن الكتل الخشبية، أو داخل تلال التيرمايت شاهقة الارتفاع. تتخلل العش ممرات وأنفاق تعمل كشوارع وطرق سريعة.

حشرة التيرمايت لها جلد رقيق لا يتحمل الجفاف. لذلك تحتاج إلى مناخ حار ورطوبة عالية. كونها تعيش في ظلام دامس معظم عمرها، يفسر لنا سبب تسميتها بالنمل الأبيض.

هذا يفسر أيضا عدم حاجتها لعيون للنظر. الموجود فقط عيون أثرية غير مستخدمة، هي من بقايا التطور. العيون الكاملة والتي تعمل، نجدها فقط في الذكور والإناث، حيث الحاجة، عندما يحين وقت الطيران للتزاوج.

الذكور والإناث يشبه كل منهما الآخر. لكل منهما زوجان من الأجنحة، يبقيان لفترة وجيزة. مرة أو مرتين في كل عام، تظهر أسراب منها بكميات ضخمة، مثل النمل. تاركة الغرف المظلمة إلى وضح النهار وضوء الشمس.

بعد التزاوج، تسقط أجنحتها، حيث تنتفي الحاجة إليها، فلم يعد لها فائدة. حينئذ، تصبح هدفا سهلا للحيوانات والطيور الجائعة. في بعض المناطق من العالم، تكون هدفا للإنسان أيضا. يقال أن طعم التيرمايت المقلي أشهى من الجنبري.

قليل من ذكور وأناث التيرمايت تبلغ مرادها. وهو بناء، لكل زوج وزوجة منها، غرفة داخلية تصلح لكي تكون مستعمرة كبيرة للأجيال القادمة. في البداية، يعتني الزوج والزوجة بالعش. لكن بعد ذلك، وعندما تولد الشغالات، يتفرغان للإنجاب فقط.

في بعض العشوش، تكون غرفة الزوج والزوجة، أو الملك والملكة، في وسط العش. في الأنواع التي يزيد تعدادها عن المليون، يتضخم مبيض الأنثى ويكبر بطنها إلى درجة ضخمة جدا. قد يصل طول البطن إلى 14 سنتيميتر وعرضه إلى 3.5 سنتيمترات.

كمية البيض الموضوعة في اليوم الواحد قد تصل إلى 30 ألف بيضة. تعيش الملكة وهي في حالة تشبه السجن إلى عدة سنوات. العدد بالضبط غير معروف حتى الآن. العش قد يبقى مئات السنين، يتم خلالها إحلال ملك جديد أو ملكة جديدة عند الموت.

اليرقات، في عالم النمل، تخرج من البيض وهي عاجزة تماما عن العمل. لكن في حالة التيرمايت، وأيضا الصراصير والجراد وما يشبهها من الحشرات، لا يحدث التحول داخل الشرنقة، وإنما خارجها. بمعنى أنه، عندما يحدث الفقس من البيضة، تخرج وهي تشبه الحشرة الكاملة إلى حد ما، وتستكمل نموها بمرور الوقت.

التيرمايت، كما أشرنا سابقا، يدمر المباني الخشبية، ويسبب خسائر كبيرة للإنسان. لا تفعل الحشرة هذا لأنها شريرة، تحب التدمير وخراب البيوت. لكن، لأنها تعيش على مادة الخشب. ولدت هكذا، ولا حيلة لها في الأمر. يجب ألا ننسى أنها وجدت قبلنا بملايين السنيين.

لكن أكلها للخشب شئ غريب. لأن معظم الحيوانات، بما فيها الإنسان، لا تستطيع هضم الألياف الخشبية. هي تستطيع ذلك، لأن حشرة التيرمايت يعيش في أمعائها نوع من الباكتيريا، تفرز بدورها إنزيما خاصا، قادرا على فك وتفتيت جزيئات سليولوز الخشب، وتحويلها إلى مادة صالحة للهضم.

أنواع أخرى من التيرمايت تعيش في أفريقيا وآسيا، تقوم بعمل مزرعة من الفطر داخل العش، وتترك له عملية هضم المواد السليولوزية وتحويلها لمادة قابلة للهضم، مثل النمل المعروف بقاطع الأوراق.

معظم أنواع التيرمايت، التي تعيش في أمريكا الشمالية، هي أنواع بدائية. من الصعب اكتشاف عشوشها. تتكون عشوشها من شبكة ممرات وغرف داخل الكتل الخشبية، هذه الغرف تستخدم للمعيشة والتخزين. الملكة غالبا تكون صغيرة الحجم بالنسبة للأنواع الأخرى التي تعيش في مجتمعات أكثر تنظيما.

هذا النوع من التيرمايت، هو أكثر الأنواع خطورة وتدميرا للمباني الخشبية. جاء عن طريق الخطأ منذ عشرات السنين إلى مدينة هامبرج، وبدأ ينتشر داخلها. يعيش الآن متحديا كل عمليات الإبادة الجماعية. لا يعبأ بما يستطيع الإنسان أن يخترعة من سموم ومبيدات حشرية.

لكن هناك أنواع أخرى لا تخطئ مساكنها العين. لا تختفي داخل الدعامات والألواح الخشبية، وهي تواصل تدميرها للمواد الخشبية في هدوء وصمت. هذه الأنواع تبني عشوشها في شكل قلاع وناطحات سحاب، بالنسبة لحجمها الصغير، في مناطق عديدة. بعضها يبلغ ارتفاعه سبعة أمتار.

عدد من الممرات تحت الأرض تقود إلى المناطق المجاورة، التي تجمع منها الشغالات، أثناء الليل، الحبوب وأوراق الشجر والمواد الغذائية الأخرى. لأن هذه الصروح والقلاع المرتفعة تقع في مناطق استوائية، معرضة لأشعة الشمس الحارقة أثناء النهار.

تقوم حشرة التيرمايت بتغطية عشوشها من الخارج بطبقة عازلة تشبه الأسمنت. تعمل على منع الحرارة من التسرب إلى داخل العش. كما أنها تعمل كدروع واقية من هجمات الأعداء من الخارج. البيض واليرقات تأخذ موقعا في المركز بعيدا عن الجدران.

لكن هذه الجدران القوية لا تحمي التيرمايت من هجمات الأعداء التقليديين، مثل حيوان آكل النمل، الذي يتمتع بمخالب قوية، يستطيع أن يهشم بها جدار العش بسهولة. ثم يدخل لسانه اللزج داخل العش لكي يلتقط طعامه الشهي.

غرف تلال التيرمايت قد تمتد إلى عمق كبير في باطن الأرض. كل العشوش تبدأ بغرف تحت الأرض. تظل تحت الأرض لسنوات عديدة، حتى يتضخم عددها، قبل أن تظهر فوق سطح الأرض.

في مركز العش، توجد الغرفة الملكية. تعيش الملكة كل حياتها في هذا المكان المحدود. تقوم بخدمتها واطعامها مجموعة من الشغالات صغيرات الحجم نسبيا. تقومن بالدخول والخروج خلال فتحات صغيرة تربط الغرفة الملكية بالعالم الخارجي.

تقوم الشغالات، بحماس بالغ، بالعناية بالبيض فور خروجه من جوف الملكة. ثم تنقلنه إلى غرف مجاوره تحيط بالغرفة الملكية. الملك أو التيرمايت الذكر، يظل مرافقا للملكة. يمتد عمره إلى بضع سنين، يقوم خلالها بتلقيح الملكة من آن لآخر.

مقطع أفقي خلال مستعمرة التيرمايت، يبين إلى جانب غرفة الملكة، وجود غرف صغيرة كثيرة محيطة بها، لزوم العناية بالبيض واليرقات. توجد أيضا مجموعة غرف تستخدم لخزين ما تجمعه الشغالات من ورق الشجر.

غرف أخرى أكبر في الحجم، تستخدمها حشرة التيرمايت لتربية فطر عش الغراب على ما تجمعه من أوراق الشجر. مثل النمل قاطع الأوراق، هو أيضا يقوم بتربية فطر عش الغراب. فيقوم عش الغراب بتحويل أوراق الشجر إلى عجينة يسهل هضمها بحشرة التيرمايت. العش محمي من الخطر الخارجي بطبقة حامية.

نوع آخر من التيرمايت، يعيش في أمريكا الجنوبية، يبني عشوشا هائلة الحجم. لكن الغرف داخله غير منتظمة وغير متخصصة. لا توجد غرفة خاصة بالملكة، فهي تستطيع التنقل من غرفة لأخرى. عندما يكون قطر العش 30 أو 40 سنتيميتر، يكون العش كله تحت سطح الأرض.

عندما يزيد عدد أفراد الخلية وتحتاج إلى مكان أكبر، يبدأ التيرمايت في تعلية البناء بالطمي. البناء القديم تحت الأرض، يتم تفكيكه واستخدامه في البناء الجديد فوق الأرض. الذي قد يبلغ قطره متر وارتفاعه 160 سنتيميتر. كيف يتم بناء مثل هذا العش، وكيف يتم تجهيزه لكي يلائم المناخ والبيئة؟ لا شك أنها إحدى عجائب الكائنات وغرائب هذا الكون الرائع الذي نعيش فيه.

خذ على سبيل المثال نوع من التيرمايت يسمى (Cubitermes)، الذي يعيش في الغابات الاستوائية الممطرة. إنه يقوم بوضع أوراق الشجر فوق عشه المرتفع فوق سح الأرض، مما يجعل شكل العش يشبه المعابد في شرق آسيا.

هذا الغطاء يحمي العش من المطر الغزير في هذه المناطق. أنواع أخرى تبني العش في شكل عش الغراب. أنواع التيرمايت التي تعيش في المناطق الجافة، لا تحتاج إلى مثل هذه السقوف.

أراضي استراليا خالية الأشجار، والتي تصطلي بنار شمس الظهير كل يوم، هي موطن تيرمايت البوصلة. تبني بيوتا ترتفع كأبراج فوق سطح الأرض، يبلغ إرتفاعها 5 أمتار لمسافة ثلاثة أمتار. تبدو كأنها مضغوطة من الجانبين.

الجانبان القصيران يواجهان الشمال والجنوب بالضبط. لماذا؟ حتى يكون الجانبان المعرضان لأشعة الشمس وقت الظهيرة أصغر ما يمكن. بينما الجانبان الطويلان، فيستقبلان شمس الصباح والمساء الأقل حرارة.

في المواسم الباردة، يقوم التيرمايت بالتجمع في الجانب الشرقي في الصباح، وفي المساء ينتقلون إلى الجانب الغربي. أي مسافر، يمر بعشوش التيرمايت هذه، يمكنه معرفة اتجاهه بمجرد النظر إلى هذه العشوش. لكن يبقى السؤال، كيف تيسر لهذه الحشرة العمياء معرفة الجهات الأصلية بدون بوصلة؟

نعرف من دراستنا لعالم النحل، أنها تهتدي لمكان عشها بمساعدة المجال المغناطيسي للأرض. كيف تبني تيرمايت البوصلة عشها بحيث يواجه الجهات الأصلية بدون خطأ يذكر، لا يزال تحت الدراسة. التجارب البدائية، بينت أن أنواع أخرى من التيرمايت تشعر بالمجال المغناطيسي للأرض.

البناء الداخلي لعش التيرمايت أكثر غرابة. توزيع الغرف وفقا للغرض من استعمالها، يتطلب بالتأكيد خطة بناء. غرف بأحجام مختلفة، تناسب الملكة وللبيض واليرقات وللشغالات بأعمار مختلفة، ومزرعة لتربية فطر الغراب لزوم التغذية، وشبكة مواصلات واتصالات رهيبة توصل الأجزاء ببعضها.

عندما يبلغ عش التيرمايت (Macrotermes bellicosus)، ارتفاع 3 أو 4 أمتار، يكون عدد أفرادها قد بلغ 2 مليون تيرمايت. يعيشون ويعملون ويتنفسون. يحتاجون كمية من اكسوجين تناسب العدد. بدون تهوية مناسبة، يختنقون جميعا في غضون 12 ساعة. كيف أمكن لحشرة التيرمايت بناء جهاز تهوية بدون نوافذ ظاهرة من خارج العش؟

البروفيسور مارتن لوشير، قام بدراسة أنواع التيرمايت التي تعيش في ساحل العاج بأفريقيا. هذا النوع قام باختراع نوعا من التهوية يعتبر معجزة في حد ذاته.

مقطع رأسي خلال العش، الذي يشبه شكل الجرة، مارا بالمركز، يبين غرفة الملكة في المركز وحولها الغرف العديدة والممرات. بين العش الداخلي وبين الجدار الخارجي الكثيف، توجد فراغات هوائية رقيقة. تحتها فراغات هوائية كبيرة.

قلب البناء يرتكز على أوتاد مخروطية ودعامات جانبية. أعلى العش وتحت السقف يوجد فراغ هوائي كبير متصل بفتحة تعمل كمدخنة. بين العش الداخلي والغلاف الخارجي توجد دعامات تتخللها ممرات هوائية تغطي المساحة كلها، وتتصل بفتحات تهوية داخلية.

نظام التهوية الذي ابتدعته حشرة التيرمايت يعمل أوتوماتيكيا. بعكس عالم النحل، الذي يستخدم أجنحة الشغالات في التهوية لخفض درجة حرارة العش الداخلية حتى لا يفسد البيض وتموت اليرقات من الحرارة الزائدة.

الهواء في غرفة فطر عش الغراب، يسخن نتيجة تفاعلات التخمر. الحشرة نفسها تتنفس الهواء وينتج عن ذلك زيادة درجات الحراة. الهواء الحار الناتج، يرتفع ويجبر على الدخول في نظام التهوية العام. نظام التهوية، توجد به تلال تسمح بخروج الهواء المشبع بثاني أكسيد الكربون ودخول الهواء الغني بالأكسوجين البارد، وتعمل كأنها شعب هوائية لرئة المستعمرة.

نوع التيرمايت الذي يعيش في أوغندا، قام بحل مشكلة التبريد بطريقة مختلفة. الهواء الساخن يخرج من أعلى العش إلى الخارج من فتحة، والهواء البارد يدخل خلال أنابيب إلى أسفل العش الذي يعزل تماما عن الجدار الخارجي.

التهوية ليست المشكلة الوحيدة بالنسبة لمجتمع التيرمايت. فالحشرة تحتاج إلى كمية كبيرة من الماء لكي تحافظ على الرطوبة داخل العش لكي تحمي جلدها الرقيق. الرطوبة المطلوبة تصل إلى ما بين 90 % ، 99%. الماء مطلوب أيضا للاستهلاك ولعمل مونة البناء. في الأماكن الحارة، يحفر التيرمايت في الأرض إلى أعماق كبيرة قد تصل إلى 40 متر حتى يصل إلى الماء المطلوب.

التيرمايت التي لا تقوم بحفر عشوشها في التربة أو في الخشب، تستخدم مواد مختلفة لبناء عشها. مشكلة الصرف الصحي تواجه كل المجتمعات البشرية. لكن التيرمايت استطاعت حل مشكلة الصرف الصحي قبل الإنسان بملايين السنين، بطريقة عملية بسيطة.

العديد من أنواع التيرمايت، تستخدم خراجها لبناء بيتها. هذا الحل يصلح فقط في حالة أن الخراج يجف بسرعة ولا يتحلل. هذا لا يمنع العش المبني من خراج الصرف الصحي من أن يكون تحفة فنية رائعة.

أنواع أخرى كثيرة، تستخدم الرمل والحصى وقطع الخشب الصغيرة وأشياء أخرى في بناء العش الداخلى، وتستخدم الخراج فقط في بناء الجدار الخارجي. وأنواع أخرى تبني عشوشها من مواد هشة مثل بعض الذنابير التي تبني عشوشها من الورق.

الحشرات اكتشفت صناعة الورق قبل الإنسان بمدة طويلة، واكتشفت استخدامه في بناء العش. التيرمايت يصنع الورق من الخشب بعد خلطه باللعاب.

العلماء تقف حيرى أمام مقدرة التيرمايت على تنظيم العمل الجماعي أثناء بناء عشوشها. كيف تثنى لهذه الحشرة الصغيرة العمياء بناء عشها عن طريق التعاون الهارموني والعبقرية الهندسية؟

مجموعة من الشغالات تقمن ببناء قوس من الجدار الخارجي. أحد الشغالات تقوم بوضع لعابها أو إخراجها، فيقوم آخرون بوضع حبات الرمل أو الحصى فوق اللعاب. إذا نقلت شغالة من مكانها إلى مكان آخر، فإنها تكمل ما قام به الآخرون. يظل نصفي القوس في الإرتفاع في نفس الوقت إلى أن يتقابلا في المنتصف. بذلك يتم بناء القوس. ومن عدة أقواس يشيد العش.

إذا أمكننا تخيل شغالة التيرمايت في حجم الإنسان. وزاد حجم عشها بنفس النسبة. يكون ارتفاع عش التيرمايت في هذه الحالة كيلو متر واحد. أي أربعة أمثال ارتفاع مبنى الامباير استيت بمدينة نيويورك.

كيف استطاعت حشرة التيرمايت اكتشاف خطة البناء المذهلة هذه؟ ومن أين جاءت بخطة التهوية العبقرية التي تحفظ درجة الحرارة ثابتة في حدود نصف درجة مئوية؟ وإذا كنت تعتقد أننا أول من اكتشف السلم الحلزوني الداخلي، فأنت مخطئ. تيرمايت (Apicotermes)، يستخدم السلم الحلزوني الداخلي داخل عشه. فيا له من تصميم هندسي رائع.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو: هل الأفراد تتخاطب وتتبادل المعلومات مع بعضها داخل العش؟ لا يوجد أدنى شك في أنها تفعل ذلك. إنها تترك أثرا حيث تسير، يتبعه غيرها من التيرمايت. شأنها شأن النمل في ذلك.

إنها أيضا تقوم بالطرق برأسها على أماكن صلبة لعمل إشارات لباقي الزميلات. إلا أن هذه المعلومات، سواء بالأثر أو بالطرق، تعتبر بسيطة جدا. الريحة التي يتركها الأثر، قد تقود إلى الهدف. ولكن لا تفسر ما يجب فعله هناك. الطرق على السطوح الصلبة، أو قرع الطبول إن شئت، هي طبول الحرب التي تنذر الرفاق بالتحصن داخل العش تجنبا لخطر خارجي.

كيف تستطيع ملايين من حشرة عمياء تصميم وبناء عشها بهذه الهندسة المعمارية فائقة الدقة والكفاءة، وتكييفه بالهواء بدون كهرباء وإمداده بالماء والرطوبة اللازمة؟ يقول العلماء بكل صراحة: "لا نعرف". وهنا يجب أن نخلع قبعاتنا ونحني قاماتنا إجلالا لهذا الكون الذي لا نعرف عنه الكثير.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى