الاثنين ١ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم شاهر خضرة

الحبّ بوصفه قوة خلقٍ تُعيد تشكيل العالم

قراءة في "يُخلق من الشبه ياسمين"

حين أفتح ديوان "يُخلق من الشبه ياسمين" لا أشعر أنني أمام نصوص قصيرة، ولا أمام ومضات تبحث عن دهشة لغوية. أشعر أنني أمام معمل صغير للخلق، معمل تعمل فيه الشاعرة على إعادة ترتيب العالم من جديد، كما لو أن الأشياء لم تكن مكتملة قبل أن تمرّ بها يد الحب. هذا الديوان لا يصف العاطفة، إنما يختبر قدرتها على تغيير طبيعة الأشياء، على تحويلها من مادتها الأولى إلى مادة أخرى أكثر شفافية، أكثر قابلية للضوء. وأحياناً أشعر أن الشاعرة لا تكتب القصيدة، بل تفتح نافذة صغيرة يدخل منها الهواء الأول للعالم، الهواء الذي لم يُستخدم بعد، الهواء الذي يحمل رائحة البداية.

منذ الصفحات الأولى يتضح أن الحبّ في هذا الديوان ليس حالة لاحقة لشيء آخر، ولا نتيجة لغياب، ولا محاولة لترميم أثر قديم. الحبّ هنا قوة أولى، قوة تبدأ منها الأشياء قبل أن تتخذ شكلها. ولهذا لا تبدو الومضات كأنها تشرح شعوراً، كأنها تراقب لحظة التحوّل نفسها، تلك اللحظة التي يتغيّر فيها الشيء من طبيعته إلى طبيعة أخرى. كأن العالم لا ينتظر التجربة كي يُعاد ترتيبه، بل ينتظر تلك اللمسة الأولى التي تمنحه شكله الحقيقي، شكله الذي لا يظهر إلا حين يمرّ الحبّ عبره.
أقرأ الومضات فأرى الخبز وقد صار امتداداً لدفء العلاقة، والمطر وقد صار مرآة للوجه، والصباح وقد صار نافذة للحنين، والفراشات وقد صارت دليلاً على أن القلب قادر على الإزهار. الأشياء لا تبقى كما هي. كل شيء يمرّ عبر الحبّ قبل أن يأخذ معناه. كأن العالم لا يُرى مباشرة، بل يُرى من خلال طبقة رقيقة من العاطفة، طبقة تجعل الأشياء أكثر قابلية للّمس، وأكثر استعداداً لأن تتحول. وهذا ما يجعل القراءة هنا ليست متابعة للنصّ، إنما مشاركة في عملية خلقه، كأن القارئ نفسه يصبح جزءاً من هذا التحوّل.

هذا التحوّل لا يحدث عبر الاستعارة وحدها، بل عبر تغيير وظيفة الأشياء. اليد لا تبقى يداً، تتحول إلى وطن. النظرة لا تبقى نظرة، تتحول إلى موسم. القلب لا يبقى عضواً، يتحول إلى جغرافيا كاملة. الومضة هنا ليست جملة، إنما قفزة. قفزة من الشيء إلى ما يمكن أن يصير عليه. وهذا ما يجعل النصوص حيّة، كأنها لا تُكتب بالحبر، بل بما يتبقى من حرارة اللمسة.
أقوى لحظات الديوان هي تلك التي يحدث فيها التحوّل فجأة، من دون تمهيد، من دون شرح. لحظة يخرج فيها المعنى من مكان غير متوقع، كما لو أن اللغة نفسها فوجئت بما قالت. حين تقول: "صافحتك مرة فأيقنت أن يدك وطن" لا تشرح الوطن، ولا تشرح اليد، ولا تشرح العلاقة بينهما. تترك التحوّل يحدث وحده. وهذا هو سرّ الومضة الناجحة: أن تترك القارئ يرى ما لم يكن موجوداً قبل لحظة القراءة.

وفي نص آخر تقول: "منذ أحببتك تتبعني الفراشات يا لقلبي كيف صار مزهراً". القلب هنا لا يشعر فقط، إنما يتغير فيزيائياً تقريباً. يتحول إلى حديقة. الفراشات لا تأتي من الخارج، بل تنبت من الداخل. هذا النوع من التحوّل لا يمكن أن يُكتب إلا حين يكون الحبّ قوة خلق، لا قوة وصف.

ولأن الحبّ عند ميّادة قوة خلق، فإن العالم كله يصبح قابلاً لإعادة التشكيل. الأشياء اليومية - الخبز، القهوة، المطر، المرآة - تتحول إلى كائنات عاشقة. لا تعود أدوات، إنما شركاء في التجربة. كأن الحبّ لا يمرّ على الأشياء مروراً عابراً، بل يغيّر طبيعتها كلها. وهذا ما يجعل الديوان مضيئاً من الداخل، كأن كل ومضة تحمل معها شرارة صغيرة من الضوء.

أما الرائحة - تلك المنطقة الحساسة في شعر ميّادة - فهي لا تأتي كزينة لغوية، ولا كعنصر جمالي. تأتي كطريقة للوجود. كأن الحبّ لا يُرى فقط، بل يُشمّ. الياسمين ليس زهرة، إنه طريقة للتنفس. العطر ليس رائحة، بل أثر. وهذا ما يجعل اللغة نفسها تفوح. الكلمات تبدو كأنها خرجت من مكان عطِر، مكان لا يحتاج إلى شرح، إنما يحتاج إلى أن يُفتح ببطء، كما تُفتح قارورة عطر قديم. وأحياناً أشعر أن الومضة لا تُقرأ بالعين، بل تُستنشق، كأنها جزء من هواء الغرفة، لا جزء من الصفحة.
في هذا الديوان، لا أرى امرأة تكتب عن رجل، إنما أرى امرأة تعيد اختراع العالم بالعشق. العالم لا يبقى كما هو بعد الحبّ. الفجر يتغير، المرآة تتغير، القهوة تتغير، اللغة تتغير. حتى الأشياء الصغيرة - تلك التي لا ينتبه لها أحد - تصبح قادرة على حمل معنى جديد. وهذا هو جوهر الشعر: أن يجعل الأشياء اليومية أكثر قابلية للدهشة.

في إحدى الومضات تقول: "قلبُهُ أُمِّيٌّ لا يَستطيعُ فكَّ حُروفِ قصائدي سأفتحُ لهُ دورةَ محوِ حُبٍّ". هنا القلب ليس إحساساً، إنه مدرسة. مكان يتعلم فيه العاشق القراءة من جديد، كأن اللغة لا تُفهم إلا حين تمرّ عبر هذا المكان الداخلي. الومضة لا تقول إن الرجل لا يفهمها، إنما تخلق مكاناً جديداً للفهم، مكاناً يتعلم فيه القلب قبل العقل.

وفي ومضة أخرى تقول: "قلبِي مَدينةُ حُبٍّ مُكتظَّةٌ بِكَ". المدينة هنا ليست استعارة. المدينة كيان له شوارع وأزقة وساحات. حين تقول "مكتظة بك"، فهي لا تشير إلى شعور بالامتلاء، بل إلى ازدحام داخلي، ازدحام يشبه المدن التي تضيق بسكانها. هذا النوع من التحوّل يجعل القارئ يرى القلب كمساحة يمكن أن تُسكن، لا كرمز عاطفي. وأحياناً يبدو هذا الازدحام كأنه حركة يومية داخل القلب، حركة تشبه ضجيج الأسواق القديمة، حيث تختلط الأصوات بالخطوات، ويصبح الوجود نفسه نوعاً من الامتلاء الذي لا يمكن الهروب منه.

وفي نص آخر: "يا ساكناً في الجهةِ اليُسرى هلّا دفعتَ أجرةَ اشتياقي؟". هنا القلب يتحول إلى شقة، إلى غرفة يسكنها شخص واحد. الاشتياق يصبح إيجاراً، والنبض يصبح عقداً غير مكتوب. هذا التحوّل لا يهدف إلى الطرافة، بل يكشف هشاشة العلاقة، كأن العاشقة تقول إن السكن في القلب ليس امتيازاً مجانياً، بل مسؤولية. وهذا النوع من الومضات يكشف أن الحبّ عند ميّادة ليس حالة رومانسية فقط، بل علاقة يومية لها قوانينها الخفية، قوانين لا تُكتب، لكنها تُشعر، وتُمارس، وتُختبر في التفاصيل الصغيرة.

أجمل ما في هذه الجغرافيا أنها تتغير باستمرار. القلب ليس مكاناً ثابتاً، بل مساحة تتبدل مع كل ومضة. مرة يصبح مسرحاً: "على مسرحِ الحُبِّ ألقيتُ قصيدةَ اشتياقٍ لعينيكَ". ومرة يصبح حديقة: "منذ أحببتُكَ تتبعني الفراشات". ومرة يصبح وطناً كاملاً: "صافحتُكَ مرة فأيقنتُ أن يدكَ وطن". هذه التحولات ليست لعباً لغوياً، بل طريقة في فهم الحب. فالعاشقة لا تعيش داخل شعور، بل داخل مكان. وكل مكان يكشف جانباً من العلاقة: المسرح يكشف العلنية، الحديقة تكشف النمو، الوطن يكشف الانتماء. وهذا التنقل بين الأمكنة يمنح النصوص حركة داخلية، حركة تجعل القارئ يشعر أن القلب ليس مساحة مغلقة، بل فضاء يتسع كلما ازداد الحبّ وضوحاً.

وهناك لحظات يصبح فيها القلب ممراً، ممراً يمرّ عبره الضوء أو الحنين أو الخوف. تقول: "حين أراك يغرقُ قلبي في شِبرِ حُبٍّ". الغرق هنا لا يحدث في بحر، بل في مساحة صغيرة جداً. هذا ما يجعل الومضة مؤلمة: أن الغرق لا يحتاج إلى عمق، يكفي شبر واحد من الحب كي يفقد القلب توازنه. وهذه الصورة تكشف أن الخطر في الحبّ لا يأتي من اتساعه، بل من لحظاته الصغيرة، من تلك المسافة الضيقة التي تفصل بين اللمسة والغياب، بين الاقتراب والابتعاد.

وفي نص آخر: "في قلبِي مساحاتٌ شاسعةٌ من الحُزنِ وحدهُ من زرعَها بالفرح". المساحة هنا ليست مجازاً. إنها أرض. أرض تحتاج إلى من يزرعها. الحزن أرض بور، والفرح بذرة. هذا التحوّل يجعل العاطفة قابلة للزراعة، كأن القلب حقل ينتظر المطر. وأحياناً يبدو هذا الحقل كأنه ينتظر موسماً كاملاً كي يزهر، موسماً لا تحدده الفصول، بل تحدده تلك اللحظة التي يمرّ فيها الحبيب، فيتغير الطقس الداخلي كله.

هذه الجغرافيا الداخلية تمنح الديوان طبيعته الخاصة. فالقارئ لا يقرأ مشاعر، بل يتنقل بين أماكن. يدخل غرفة، يخرج من نافذة، يمشي في حديقة، يقف على مسرح، يطلّ من شرفة، يضيع في مدينة، يعود إلى وطن. كل ومضة باب صغير، وكل باب يفتح على مساحة جديدة. وهذا التنقل لا يحدث عبر القفز بين الصور، بل عبر حركة هادئة تشبه المشي داخل بيت يعرفه القارئ للمرة الأولى، بيت يكتشفه غرفة غرفة، نافذة نافذة، حتى يشعر أنه يسكنه.

وهذا ما يجعل ديوان "يُخلق من الشبه ياسمين" ليس كتاباً عن الحب، بل كتاباً عن المكان الذي يصنعه الحب. مكان لا يُرى بالعين، بل يُرى بالنبض. مكان لا يحتاج إلى خرائط، لأن الطريق فيه يُرسم أثناء السير، ولأن كل خطوة تكشف عن مساحة جديدة لم تكن موجودة قبلها.

وفي نص آخر تقول: "أحبّ المطر كثيراً وأحبّ الصباح لكني لم أحبّه اليوم فهو مكفهرّ لا يشبه وجهك". هنا لا تذكر الرائحة مباشرة، لكنها تحضر من خلال المطر والصباح. المطر يحمل رائحة الأرض، والصباح يحمل رائحة الضوء. حين تقول إن الصباح لا يشبه وجهه، فهي لا تقارن بين صورتين، بل بين رائحتين. كأن الوجه نفسه يصبح طقساً، يصبح مناخاً، يصبح شيئاً يمكن أن يُشمّ قبل أن يُرى. وهذا التحوّل يجعل العلاقة بين العاشقة والعالم علاقة حسّية بالكامل، علاقة تُختبر عبر الهواء قبل أن تُختبر عبر العين.

الرائحة في هذا الديوان تعمل كجسر بين الداخل والخارج. الأشياء اليومية - الخبز، القهوة، المطر، الورد - لا تُذكر لأنها جميلة، بل لأنها تفوح. كل شيء في هذا العالم يملك أثراً عطرياً، أثراً يجعل الذاكرة تعمل بطريقة مختلفة. الذاكرة لا تستعيد الصور فقط، بل تستعيد الهواء الذي كان يحيط بها. ولهذا تبدو الومضات كأنها خرجت من مكان عطِر، مكان لا يحتاج إلى شرح، بل يحتاج إلى أن يُفتح ببطء.

أحياناً تتحول الرائحة إلى علامة على الحضور. حين تقول: "منذ زرع في ذاكرتي صباح الخير وأنا أكلم الناس عطراً"، فهي لا تتحدث عن كلمة، بل عن أثرها. كلمة واحدة تتحول إلى رائحة، والرائحة تتحول إلى طريقة للحديث مع العالم. هذا التحوّل يكشف أن الحبّ عند ميّادة ليس حدثاً، بل حالة مستمرة، حالة تجعل اللغة نفسها تفوح.

وفي نص آخر تقول: "كلما رأيتُ عينيه أيقنتُ أن بعض النظرات شعر". النظرة هنا ليست ضوءاً فقط، بل أثراً. النظرة تفوح. الشعر نفسه يصبح رائحة. هذا النوع من الكتابة يجعل القارئ يشعر أن الومضة لا تُقرأ بالعين وحدها، بل تُقرأ بالجلد، بالذاكرة، بالمسافة التي تفصل بين شخصين.

الرائحة في هذا الديوان ليست مجرد حضور، بل طريقة للخلق. الياسمين - الذي يحضر في العنوان - ليس زهرة، بل عملية خلق. الشبه لا ينتج تطابقاً، بل ينتج ياسميناً. كأن الحبّ لا يجعل العاشقين يشبهان بعضهما فقط، بل يجعل العالم يزهر من هذا التشابه. الرائحة هنا ليست نتيجة، بل بداية. بداية لخلق عالم جديد. وأحياناً يبدو هذا الياسمين كأنه الهواء الأول الذي يتنفسه النص، الهواء الذي يمنح الأشياء قدرتها على الظهور، ويمنح اللغة تلك اللمعة الخفيفة التي لا تأتي من المعنى وحده، بل من أثره.

وهنا تتضح فرادة هذا الديوان: الأشياء لا تتحول إلى أوعية تحفظ أثراً قديماً، بل تتحول إلى مصادر للضوء، مصادر للرائحة، مصادر للخلق. العالم لا يُحفظ، بل يُعاد اختراعه. الرائحة ليست أثراً على ما كان، بل وعداً بما يمكن أن يكون. وهذا الوعد هو ما يمنح النصوص تلك القدرة على الإشراق، كأن كل ومضة تحمل معها احتمالاً جديداً للحياة، احتمالاً لا يحتاج إلى تفسير، بل يحتاج إلى أن يُترك ينمو في الهواء.

وفي النهاية، حين يُغلق هذا الديوان، لا تبقى في الذاكرة صورة واحدة، ولا جملة واحدة، بل يبقى أثر. أثر يشبه العطر الذي يظلّ في الهواء بعد أن يغادر الشخص الغرفة. أثر لا يُرى، لكنه يظلّ حاضراً، يظلّ يفتح الباب لشيء لا يمكن تسميته بسهولة. وهذا هو جوهر الشعر: أن يترك في الهواء ما لا تستطيع اليد أن تمسكه. وأحياناً يبدو هذا الأثر كأنه يد خفيفة تربت على كتف القارئ، يد لا تُرى، لكنها تقول الكثير من دون أن تنطق.

حين يصبح الحبّ طريقة لرؤية العالم، يتغير كل شيء. حين أعود إلى ديوان "يُخلق من الشبه ياسمين" بعد هذه الرحلة الطويلة بين الومضات، أشعر أنني لم أقرأ كتاباً عن الحبّ، ولا كتاباً عن الأنوثة، ولا كتاباً عن العاطفة في صورتها التقليدية. أشعر أنني قرأت طريقة جديدة لرؤية العالم. طريقة لا تعتمد على الفكرة، ولا على البلاغة، ولا على الحنين، بل تعتمد على القدرة الخفية للعشق أن يغيّر طبيعة الأشياء. وهذه القدرة لا تأتي من المبالغة، بل من تلك اللمسات الصغيرة التي تغيّر شكل اليوم، وتعيد ترتيب الداخل كما يعاد ترتيب غرفة بعد غياب طويل.

في هذا الديوان، لا يحدث الحبّ داخل القلب فقط، بل يحدث داخل العالم. يحدث في الخبز، في المطر، في الصباح، في الفراشات، في المرايا، في الضوء، في اللغة. كل شيء يمرّ عبر العاطفة قبل أن يأخذ شكله الأخير. كأن الشاعرة لا تكتفي بوصف العالم، بل تمنحه طريقة جديدة للظهور؛ طريقة تنبع من الداخل، من تلك اللمسة التي تغيّر مسار الأشياء من دون أن ترفع صوتها. وهذا ما يجعل النصوص مضيئة من الداخل، كأن كل ومضة تحمل معها شرارة صغيرة من الحياة. وأحياناً يبدو أن العالم نفسه يتنفس بطريقة مختلفة داخل هذا الديوان، كأنه يتعلم من العاشقة كيف يلين، وكيف يقترب، وكيف يصغي.
القلب - في هذا الديوان - ليس عضواً، ولا استعارة، ولا رمزاً. القلب مكان. مكان يتسع، يضيق، يزهر، يشتعل، يفتح أبوابه، يغلق نوافذه، يزرع، يحصد، يضيء. مكان يمكن أن يُسكن، ويمكن أن يُغادر، ويمكن أن يتحول إلى وطن كامل. وهذا التحوّل من "القلب" إلى "الجغرافيا" هو ما يمنح الديوان عمقه الحقيقي. فالعاشقة لا تعيش داخل شعور، بل داخل مساحة.

مساحة تتغير مع كل ومضة، مع كل لمسة، مع كل كلمة. وهذه المساحة ليست ثابتة، بل تتحرك كما يتحرك الضوء على جدار، تتبدل وفق ما يمرّ بها من نبض، ومن انتظار، ومن رغبة في أن يبقى العالم قريباً.

أما الرائحة - تلك المنطقة الحساسة التي لا تُرى - فهي الهواء الذي يحيط بالنصوص. ليست الرائحة بمعناها الحسي فقط، بل الرائحة بوصفها أثراً. أثراً يسبق اللغة، ويحيط بها، ويمنحها ملمساً لا يمكن الوصول إليه عبر المفردات وحدها. كأن القصيدة لا تُكتب بالحبر، بل تُكتب بما يتبقى من حرارة اللمسة، من أثر النظرة، من قرب الجسد. الرائحة هنا ليست وصفاً، بل طريقة للوجود. طريقة تجعل العالم أكثر قابلية للّمس، وأكثر استعداداً لأن يتحول. وأحياناً يبدو أن الرائحة هي اللغة الأولى للنص، اللغة التي تسبق الكلمات، وتمنحها تلك القدرة على أن تُقال من دون أن تُنطق.

وحين تتجمع هذه العناصر - التحوّل، الجغرافيا، الرائحة - يتشكل عالم كامل. عالم لا يشبه العالم الخارجي، ولا يحاول أن يقلّده، بل يحاول أن يمنحه معنى جديداً. معنى لا يأتي من الفكرة، ولا من البلاغة، بل من تلك اللحظة التي يتغير فيها الشيء من طبيعته إلى طبيعة أخرى. اللحظة التي تتحول فيها اليد إلى وطن، والقلب إلى حديقة، والقصيدة إلى نافذة، والاشتياق إلى طريق. وهذا التحوّل هو ما يجعل الديوان قادراً على أن يرافق القارئ، لا أن يمرّ به مروراً عابراً.

هذا الديوان لا يكتب الحبّ كعاطفة، بل كقوة. قوة قادرة على إعادة ترتيب الوجود. قوة تجعل الأشياء اليومية أكثر قابلية للدهشة، وأكثر استعداداً لأن تُرى من جديد. قوة تجعل العالم نفسه يقترب من العاشقة، كما لو أنه يريد أن يتعلم منها طريقة أخرى للظهور. وأحياناً يبدو أن العالم يتعلم بالفعل، لأن الأشياء في هذا الديوان لا تظهر كما نعرفها، بل كما يمكن أن تكون لو أن الحبّ منحها فرصة ثانية.

وحين يُغلق هذا الديوان، لا يبقى في الذاكرة نصّ واحد، ولا ومضة واحدة، بل يبقى أثر. أثر يشبه العطر الذي يظلّ في الهواء بعد أن يغادر الشخص الغرفة. أثر لا يُرى، لكنه يظلّ حاضراً، يظلّ يفتح الباب لشيء لا يمكن تسميته بسهولة. وهذا هو جوهر الشعر: أن يترك في الهواء ما لا تستطيع اليد أن تمسكه. وأحياناً يكون هذا الأثر هو الشيء الوحيد الذي يجعل العالم يبدو قابلاً للإزهار من جديد.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى