الخميس ٣٠ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم صالح سليمان عبد العظيم

من أزمة الكتاب إلى بورصة المرشحين

استقالة وزيرة الثقافة وانكشاف المثقفين في مصر

لم تكن استقالة وزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي، عقب صدور حكم نهائي في قضية التعدي على حقوق الملكية الفكرية، مجرد واقعة تخص وزيرة أخطأت ثم غادرت منصبها. لقد كشفت الأزمة خللا في عملية الاختيار منذ البداية، لكنها كشفت بصورة أشد قسوة أزمة المثقفين أنفسهم: سرعة انتقالهم من الحديث عن الأمانة الفكرية إلى التنافس على اسم الوزير القادم، ومن المطالبة بالمعايير إلى الترويج للأشخاص، ومن موقع الناقد المفترض إلى موقع الوسيط وصاحب المصلحة.

كان الحكم الابتدائي في القضية قد صدر قبل تعيين الوزيرة، وإن لم يكن نهائيا آنذاك. لذلك كان من الواجب أن تخضع عملية الاختيار لمزيد من التدقيق والتريث، خصوصا أن النزاع يمس جوهر الوظيفة التي ستتولاها المرشحة. فمن الصعب فصل قضية متعلقة بحقوق المؤلف عن منصب يفترض أن يحمي الإبداع والكتاب والنزاهة الفكرية. وكان تأجيل التعيين أو اختيار شخصية أخرى أكثر احتياطا للمؤسسة وللدولة وللمرشحة نفسها. غير أن الخطأ في الاختيار، على أهميته، لا ينبغي أن يحجب ما ظهر بعد الاستقالة؛ فذلك الخطأ كان إداريا وسياسيا، أما ما أعقبه فكان تعبيرا صريحا عن طبيعة المجال الثقافي وعلاقات المصالح داخله.

بدل أن تتحول الأزمة إلى مراجعة جادة لمعايير اختيار القيادات الثقافية، وشفافية الجوائز والمنح، وأوضاع النشر الحكومي، واستقلال المؤسسات، وتضارب المصالح، انصرف قطاع من المثقفين إلى السؤال الأسهل والأكثر نفعا لهم: من الوزير القادم؟ وكأن القضية لم تكن سقوطا أخلاقيا يمس قيمة الأمانة الفكرية، بل مجرد فراغ مفاجئ في مقعد يجب الإسراع إلى ملئه باسم قريب من هذه الدائرة أو تلك.

بدأت الأسماء تتداول في الصحافة ومواقع التواصل، وراح بعض المثقفين يقدمون مرشحيهم بلغة احتفالية: هذا قريب من الوسط الثقافي، وذاك يعرف المثقفين، وثالث يمتلك علاقات واسعة، ورابع يحظى بالقبول. لم تكن المشكلة في مجرد اقتراح أسماء، فإبداء الرأي حق مشروع، وإنما في أن معظم التزكيات قدمت أشخاصا بلا برامج، وسيرا ذاتية بلا مشروعات، وعلاقات بلا معايير. لم يسأل المروجون لأسمائهم: ما رؤية هذا المرشح لقصور الثقافة؟ كيف سيوزع الموارد بين القاهرة والمحافظات؟ ما موقفه من المحاباة في الجوائز واللجان؟ كيف سيدعم النشر والمكتبات والفنون المستقلة؟ وما خطته لربط الثقافة بالتعليم؟ بدا أن الشهرة تكفي، وأن تراكم المناصب شهادة كفاءة، مع أن شغل المواقع الكثيرة قد يكون دليلا على الاندماج في الشبكة القديمة أكثر مما هو دليل على القدرة على إصلاحها.

والأكثر إثارة أن بعض المثقفين تصرفوا كأنهم أعضاء في لجنة اختيار سرية. كتبوا التزكيات، ونشروا الصور، واستدعوا صداقات ومواقف قديمة، وقدموا مرشحيهم باعتبارهم ممثلين لإجماع ثقافي غير موجود. وهكذا تحولت مواقع التواصل من فضاء للمساءلة إلى سوق مفتوحة لصناعة الأسماء وتضخيمها وتسويقها إلى دوائر القرار. هنا تظهر الانتهازية الثقافية في صورتها الأكثر وضوحا وفجاجة. فالمثقف الانتهازي ليس فقط من يطلب المنصب لنفسه، بل من يسارع إلى تأييد صاحب منصب محتمل ليحجز له مكانا في محيطه قبل وصوله. إنه يدرك أن إعلان الولاء المبكر أكثر ربحا من التهنئة المتأخرة، وأن من ساهم في صناعة اسم الوزير قد يطالب لاحقا بنصيبه من الاعتراف أو النفوذ أو الحضور.

لذلك لم تكن بورصة الترشيحات بريئة تماما. فكل دائرة دفعت باسم قريب منها، وكل مجموعة حاولت تقديم صديقها أو أستاذها أو زميلها باعتباره الاختيار الطبيعي. وعندما تُخفى هذه العلاقات خلف لغة المصلحة العامة، تتحول التزكية إلى دعاية مقنعة، ويتحول الرأي الثقافي إلى استثمار سابق على التعيين. كان ينبغي على كل من يروج لمرشح أن يعلن طبيعة علاقته به: هل عمل معه؟ هل استفاد من مؤسسة أدارها؟ هل حصل على عضوية لجنة أو فرصة نشر أو سفر أو تكريم في عهده؟ ليست كل علاقة مفسدة للرأي، لكن إخفاءها يمنح التزكية مظهر الحكم المحايد، بينما قد تكون امتدادا لشبكة مصالح قائمة.

يمكن فهم هذا التكالب على الاسم القادم بالنظر إلى موقع وزارة الثقافة داخل المجال الثقافي المصري. فالوزارة تشرف على شبكة واسعة من المؤسسات والهيئات والمجالس والمهرجانات والجوائز ودور النشر والمراكز والقطاعات الفنية. ومن خلالها تمر عضويات اللجان، وخطط النشر، والترجمة، والمنح، والتفرغ، والسفر، والتكريم، والتحكيم، ورئاسة المهرجانات، والمشاركة في الوفود الرسمية. قد لا تكون هذه الموارد هائلة ماديا، لكنها شديدة الأهمية في وسط يعاني ضعف سوق الكتاب، وضيق فرص الإنتاج المستقل، ومحدودية التمويل. لذلك يتحول الوزير إلى مركز لتوزيع المكانة، لا مجرد مسؤول إداري. قرب المثقف من الوزير قد يعني كتابا منشورا، أو مقعدا في لجنة، أو دعوة إلى مؤتمر، أو تكريما، أو ظهورا إعلاميا، أو قدرة على ترشيح الآخرين.

هكذا تتكون علاقة تبادل واضحة: يمنح المثقف المسؤول شرعية ثقافية، ويمنحه المسؤول اعترافا مؤسسيا. يكتب الأول في مديح الثاني، فيستدعيه الثاني إلى لجنة أو فعالية. يتحدث المثقف عن إنجازات الوزارة، فتقدمه الوزارة باعتباره قامة ثقافية. ومع تكرار هذا التبادل يختفي الحد الفاصل بين التقييم المستقل والعلاقة النفعية.

لا يعني ذلك أن كل مثقف يعمل مع الوزارة فاسد أو تابع؛ فالتعاون مع مؤسسات الدولة ضروري. لكن الفساد المعنوي يبدأ عندما تصبح المشاركة تبعية، ويصبح المثقف عاجزا عن نقد المؤسسة التي تمنحه حضوره. عندها يمدح ما دام قريبا، ويكتشف فساد المؤسسة عندما يُستبعد، ويرحب بكل وزير جديد ثم ينقلب عليه إذا لم يحصل على ما انتظره. إنها ثقافة الموقف المرتبط بالموقع: المبدأ يتغير وفق المسافة من مكتب الوزير.

وهذا ما يجعل بعض المثقفين ينددون بالمحسوبية نظريا، ثم يمارسونها عمليا حين يقدمون أبناء دوائرهم باعتبارهم وحدهم المؤهلين. ينتقدون احتكار الدولة للمجال الثقافي، ثم يتصارعون على اعترافها. يكتبون عن استقلال المثقف، ثم يظلون أسرى لجنة أو جائزة أو دعوة رسمية. يدينون الشخصنة، لكنهم يفضلون وزيرا يمكن الوصول إليه على مؤسسة تحكمها قواعد شفافة؛ لأن الشخص القريب يمنح الاستثناء، أما المؤسسة القوية فتفرض المعيار.

لهذا فإن التمركز حول الوزير ليس مجرد سذاجة فكرية، بل مصلحة. المؤسسة الشفافة تقلل قيمة الوساطة، أما المسؤول الشخصاني فيضاعفها. اللائحة المعلنة لا تحتاج إلى صديق، واللجنة المستقلة لا تضمن لأصحاب العلاقات مقاعدهم، والمعيار الموضوعي لا يكافئ الولاء. لذلك يتمسك بعض المثقفين بالوزير الفرد لأن وجوده يحافظ على دورهم كوسطاء بين المؤسسة والآخرين.

كشفت الأزمة أن قطاعا من المثقفين المصريين يمتلك أسماء أكثر مما يمتلك أفكارا. يستطيع كل تيار تقديم مرشح، لكن القليلين يقدمون تصورا متكاملا لما ينبغي أن تكون عليه الثقافة المصرية. غابت الأسئلة الكبرى: كيف نواجه تراجع القراءة؟ كيف نربط الثقافة بالمدرسة والجامعة؟ كيف نعيد الحياة إلى قصور الثقافة؟ كيف ندعم المكتبات والمسرح الإقليمي والفنون المستقلة والمحتوى الرقمي؟ وكيف تصل الثقافة إلى الفئات المهمشة؟

بدلا من ذلك، انشغل الخطاب برضا الوسط الثقافي واحتياجات المبدعين المعروفين، كما لو أن وزارة الثقافة جهاز نقابي لرعاية نخبة محدودة. وغاب ملايين المصريين الذين لا تصل إليهم مكتبة ولا مسرح ولا نشاط فني منتظم. تحول المجتمع إلى كلمة كبيرة تستخدم لتبرير مصالح صغيرة، بينما بقيت الثقافة الفعلية محصورة في العاصمة والفعاليات والصالونات والدوائر المغلقة. وكان من المفترض أن تدفع أزمة الكتاب المثقفين إلى مراجعة الأمانة داخل الحقل نفسه: السرقات العلمية، والمجاملات في الجوائز، والتحكيم غير الشفاف، وتضارب المصالح، والنشر المتبادل، واحتكار اللجان. لكن هذه الأسئلة لم تحظَ بالحماس نفسه الذي حظيت به الترشيحات. لم يسأل كثيرون: كيف نمنع تكرار الأزمة؟ بل سألوا: من يأتي بعدها؟

وهذا يكشف فقر الخيال الثقافي. فبدل البحث عن مؤسسات قوية، يجري البحث عن مخلص فرد: أديب مشهور، أو فنان كبير، أو أكاديمي مرموق. لكن الثقافة لا تُبنى بأكتاف شخص واحد. يستطيع الوزير افتتاح مبنى أو تغيير قيادة أو إطلاق مهرجان، لكنه لا يستطيع وحده صناعة مجتمع قارئ أو إعادة الفن إلى المدرسة أو مواجهة الرداءة الإعلامية. الثقافة مشروع مجتمعي تشارك فيه الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمبادرات المحلية. أما الوزير فدوره تهيئة البيئة، وتوزيع الموارد بعدالة، وحماية التنوع، وبناء مؤسسات تستمر بعد رحيله. غير أن بعض المثقفين لا يريدون مؤسسة مستقلة بقدر ما يريدون مسؤولا قريبا؛ لأن المؤسسة تحكم بالقواعد، بينما المسؤول يمنح الامتيازات.

والنخبة الثقافية، في تمحورها حول الوزير، لا ترتكب خطأ فكريا فحسب، بل تحمي مصالحها أيضا. فكلما قويت المؤسسة وتراجعت الشخصنة، تقلصت قدرة الوسطاء على فتح الأبواب وتوزيع الفرص. وكلما أصبحت المعايير معلنة، فقدت الصداقة والقرابة المهنية قيمتهما. ولهذا يفضل بعضهم وزيرا يستمع إليهم على مؤسسة لا تحتاج إليهم، ومسؤولا يمنح الاستثناء على نظام يساوي بينهم وبين غيرهم.

يبقى خطأ الاختيار الأول واضحا: كان ينبغي التريث والتدقيق قبل تعيين وزيرة تحيط بها قضية تمس النزاهة الفكرية. لكن ما حدث بعد الاستقالة هو مسؤولية المثقفين أنفسهم. فقد كان بإمكانهم تحويل الأزمة إلى مراجعة أخلاقية ومؤسسية، لكنهم حولوها إلى موسم للتزكيات. كان بإمكانهم المطالبة بالمعايير، فقدموا الأشخاص. وكان بإمكانهم الدفاع عن المؤسسات، فتمحوروا حول المسؤول الفرد. وكان بإمكانهم مساءلة مصالحهم، فغطوها بلغة المصلحة الثقافية والوطنية.
إن أزمة الثقافة المصرية ليست في الوزير وحده، بل في النخبة التي تدور حوله: تزكي قبل التعيين، وتمتدح بعد الوصول، وتصمت أثناء الاستفادة، ثم تهاجم بعد الخروج. إنها نخبة تدين المحسوبية عندما تستبعدها، وتمارسها عندما يتعلق الأمر بأصدقائها. تتحدث باسم المجتمع، بينما تدافع عمليا عن مواقعها في اللجان والمهرجانات والمجالس. الحقيقة القاسية أن بعض المثقفين لا يريدون إصلاح المجال الثقافي بقدر ما يريدون تحسين موقعهم داخله. لا يسعون إلى تحرير الثقافة من الشخصنة، بل إلى ضمان أن يكون الشخص القادم قريبًا منهم. ولهذا لم ينظر بعضهم إلى استقالة الوزيرة بوصفها لحظة للنقد الذاتي، بل بوصفها فرصة لإعادة توزيع النفوذ.

لقد أصبحت الثقافة لدى هذه الفئة غطاء لغويا لمصالح مهنية شديدة الضيق. يتحدثون عن الوطن والتنوير والمشروع الثقافي، لكنهم يتحركون عمليا بحثا عن لجنة أو مهرجان أو نشر أو تكريم أو قرب من المسؤول. وهم لا يمثلون المجتمع الذي يتحدثون باسمه، بل يمثلون شبكاتهم التي يعيدون إنتاجها وتوريثها رمزيا من وزير إلى آخر. لن تتغير الثقافة المصرية بمجرد تعيين وزير جديد ما دام السلوك القديم يتكرر: مديح سابق على الاختبار، وولاء مرتبط بالمصلحة، وصمت مقابل الامتياز، ثم غضب بعد الاستبعاد. التغيير يبدأ عندما يستمد المثقف قيمته من مشروعه وصلته بالمجتمع، لا من قربه من مكتب الوزير؛ وعندما يقدم للناس فكرة لا اسما، وبرنامجا لا تزكية، وموقفا لا طلبا مؤجلا. وما دام السؤال المسيطر هو: "من الوزير القادم؟"، بينما يظل السؤال الأهم مؤجلا: "ما الثقافة التي يحتاجها المصريون؟"، فإن الأزمة ستتكرر بأسماء مختلفة؛ لأن المشكلة ليست في الجالس على المقعد وحده، بل في الطامحين إلى الجلوس حوله.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى