الخميس ١ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٥
بقلم عصام صالح محمد الكهالي

نهاية قلبين و ميقارلو

قصتان من اليمن

نهاية قلبين

نشأتْ في حيٍ فقير ومتواضع وكلها أمل ُ في أن تكمل تعليمها لتصبح دكتورة ً تعالج المرضى وترسم البسمة على شفاه المتعبين والحيارى في حيها البسيط المتواضع.

أكملت إيمان تعليمها الثانوي بتفوق ونجاح وحازت على المرتبة الأولى على دفعتها ثم قررت الالتحاق بكلية الطب لتواصل مشوارها الجامعي بسلسلة أخرى من النجاحات المتواصلة ..

قررت هذه المرة أن تختار قسم القلب لتكون ((جراحة قلب )) وبعد أن أكملت سنوات الدراسة التحقت بأحد المستشفيات لتمارس عملها في راحة القلب حتى ذاع صيتها واشتهرت على مستوى الوطن كأمهر جراحة متخصصة ..

كان الله قد شاء لها أن تتزوج أثناء فترة دراستها من رجل يعمل مدرسا فأنجبت منه طفلا واحدا ووحيدا ً هو الذي استطاعت الحصول عليه بعد جهد جهيد وبعد شق الأنفس وهو بالنسبة لها كل عمرها وحياتها وخلاصة تعبها في الدنيا..

تربى أيمن في حضن والدين كريمين لم يبخلا عليه قط بلحظة واحدة من السعادة والراحة بل فرشا له الأرض حريرا وورودا كما- يقولون- وأغدقا عليه بخلاصة تجاربهما في الحياة من عناية ورعاية وحنان .
اقتضت مشيئة الله أن يكون هذا الطفل مصابا بمرض خطير ألم به منذ طفولته من الأيام الأولى ..حاول الوالدان بكل ما أوتيا من قوة أن يعالجا ولدهما ولكن كل المحاولات باءت بالفشل فحالته لم تتحسن مطلقاً..

بحكم تخصص والدته فقد ذهبا به إلى امهر الأطباء والمتخصصين وكل من يقابلهم يقول لهم بأن حالته تحتاج إلى تدخل جراحي وإلى عمليه جراحية أن أرادا له التحسن فالعقاقير لا تسمن ولا تغني من جوع .
فكّر الأبوان ملياً وترددا على الأقدام بمثل هذا العمل لكن حالة ابنهما جعلتهما يختارا الذي ليس منه بــُد فقررا الذهاب به إلى المستشفى لتحديد موعد العملية..

(كم هي صعبة تلك اللحظات التي ترى فيها قريباً لك أو عزيزا وهو في حالة كهذه الحالة ..

وما أصعبها من لحظات تلك التي ترى فيها اعز مخلوق لديك يتألم وأنت لا تستطيع أن تعمل له شيئاً..لكن الأدهى والأمر والأصعب من هذا وذاك هو ان تكون سببا ًفي تألم حبيبك ومصدراً لتأوهاته وأحزانه بل موته في بعض الأحيان ..

المفارقة الكبرى هي انه وبعد أن تقرر إجراء العملية لأيمن في نفس المستشفى الذي تعمل فيه والدته كانت العملية موكلة ً إلى والدته فهي الأشهر والأمهر على مستوى المستشفى بحكم تخصصها.

ترددت الأم كثيرا ً والحسرة تقطع أحشاءها وهي ترفض الدخول في هذه المغامرة الخاسرة والتجربة المخيفة فهي لا تقوى على رؤيته وهو يتألم وهو مرتدياً لأفخر الثياب كيف به وهو مفتوح الصدر ومنزوع الفؤاد ودماؤه تفور بين يديها..

بعد أخذ ورد مع إدارة المستشفى وقع الذي ليس عنه محيص كل المؤشرات تشير إلى إيمان وحسب ..فزملاؤها أيضا يرفضون إجراء العملية لمعرفتهم بمكانة ايمن عند والدته.

فكرت الأم كثيرا ثم استخارت ربها واستجمعت كل قواها وقررت أخيراً أن تجري العملية بنفسها ..وفي الموعد المحدد وبعد تجهيز غرفة العمليات وصل أيمن وأدخل إليها بعد أن ارتدى ثياب العمليات وقبل إعطاءه المخدر طلبت الأم من زملائها المساعدين التقاط صورة لها ولولدها قبل إجراء العملية .

وفي لحظة طويلة من العناق والاحتضان والزفير والشهيق المتبادل بين الولد وأمه والدموع تنهمر من عينيها كسيول الشتاء بدأت الخوف يتسرب إلى عظامها وبدت مرتعدة في الكلام والعبرات تتزاحم في حلقها وابنها يقول لها :

- شدي حيلك يا( ماما) فأنت اشهر دكتورة وجراحة قلب في المستشفى ولم تفشلي في إنجاح أي عملية حتى الآن..
ظلت الأم صامتة ً وهي تحدق في عيني ولدها وكأنها نظرات مودع فناداها أيمن قائلاً:

- مالك يا ( ما ما ) إذا كنت تنجحين في إجراء عمليات للناس فكيف ستعملين مع ابنك الوحيد وفلذة كبدك ؟؟ يا الله شدي حيلك يا أغلى دكتورة وأحنّ ماما في العالم..

تنفست الأم قليلا ثم مسحت دموعها وهي تعتذر من زملائها الحاضرين وقالت للطبيب المخدر بأن يبدأ عمله وبدأت لحظة الصفر الحاسمة ..
ما كانت إيمان لتفكر في لحظة من اللحظات أن زبونها هذه المرة هو فلذة كبدها وأنها ستقوى على غرز المشرط والسكاكين في صدره وأضلعه وأنها يمكن أن تتحمل النظر إلى الدماء وهي تسيل من فؤاده وأحشائه وفوق هذا وذاك أنها من سيتولى هذه المهمة الصعبة.

بدأت حالة من الذعر والخوف والارتعاد تسيطر عليها وهي تتصارع مع عقلها كدكتورة وقلبها كأم ٍفعقلها يقول لها :( تمالكي نفسك يا دكتورة إيمان وأمسكي بالآلات بدقة وإتقان كما تفعلين كل مرة ..). وقلبها يقول لها :( هل تجرؤين يا أم أيمن على شق صدر ولدك الوحيد وغرز المشارط في قلبه وصماماته وهل تقوى عيونك على النظر إلى الدماء وهي تسيل وتنبض أمامها وحرارتها تلتهم أصابعك.)

ظلت هذه اللحظات وهذه الأفكار تنتابها لأكثر من ساعة وهي تمارس عملها حتى كادت أن تجن وزملاؤها يرقبون الموقف بذهول شديدي والعرق يتصبب من على جباههم وهم ينادونها بأن تشجعي يا أم أيمن وادعي الله أن يعينك وان يشد أزرك ..بينما إيمان صامتة لا تتكلم وكأنها توفر الكلام والصوت إلى أجل غير مسمى ..

وما هي إلا لحظات ويحدث الذي لا يتخيله العقل وتحدث المفاجأة الكبرى والداهية الدهياء التي لم يتوقعها أحد فقد توقف قلب ايمن وحط رحاله وامتنع عن إكمال المشوار ولكنه لو عرف ما سيحدثه لقلبه الآخر لما توقف ..

فقد صاحت أمه صيحة كاد أن يخر لها سقف الغرف وتوقفت على إثرها كل الأجهزة التي بدأت تطلق نفيرها المدوي وارتمت الأم فوقه وهي تصيح بأعلى صوتها :

ولدي ..ايمن ..حبيبي.. لا ..لا ..لا ..لا ..لا تفارقني أرجووووووووووووووووك

أرجوك لا تمت ..أرجووووووك ..أيم......!!!!

وهنا تتوقف الأم عن الكلام ويرتمي القلب الكبير فوق القلب الصغير ليتوقفان إلى الأبد وقد أعلنا نهاية قلبين.......

تمـــّت,,,,,

ميقارلو

لأول مرة يغادر والده المنزل في مهمة تجارية تستغرق الشهر الكامل، تاركا عليه مهمة رجل البيت الصعبة، وقائلا له بعد أن ربت على كتفه: "سأنظر فيما إذا كنت رجلا وتستطيع حماية البيت في غيابي أم لا"!

بهذه الكلمات المحرقة والمدوية في أعماق أذنيه تسلم سمير ذو الخمسة عشر عاما زمام السلطة خلفا عن والده وهو يردد بنبرة امتزج فيها الخوف والرجاء قائلا: "سترى يا أبي"!

رحل الأب لعمله تاركا خلفه بيتا قوامه أم وثلاث بنات وولدان يكبرهم سمير.

مرّ اليومان الأولان على القائد الجديد بكامل لحظاتهما سالمين كأي يوم طبيعي، لم يعكر صفوهما شيء سوى الشعور بفراق الأب الذي أظلم البيت من دونه.

غير أن اليوم الثالث جاء مختلفا بعض الشيء عن سابقيه فقد حمل معه بعض المشاكل التي جلبها الأخ الأصغر مع أبناء الجيران، عندها قام سمير بمباشرة عمله، وعالج الموقف بحنكة واقتدار ورباطة جأش وأرضى جميع الأطراف من أخيه المشاغب الذي يشعل الحارة كالبنزين.
تعزّزت الثقة في نفس سمير وازداد إعجابه بطريقته في إدارة دفّة الحكم، خصوصا بعد نجاحه في اليومين الأولين.

اليوم- هو اليوم الرابع منذ تسلمه مقاليد الحكم وتوليه العرش... وبعد أن أسّدل الليل ستاره وحان موعد النوم طلبت الأم من سمير المبيت مع أخيه في غرفة أبيهما وهي ستنام مع أخواته في غرفتهن الخاصة.

ازدادت الثقة مرة أخرى في نفس الحاكم بعد منحه هذا الوسام الذي لم يكن يحلم به في أي يوم من حياته وتوجه هو ووزيره الصغير صوب القصر الجديد.

مرّت الساعات الأولى من الليل بسلام والحاكمان يتأملان أرجاء القصر وزواياه بدهشة وزهو بالنفس، خصوصا عندما رأيا بندقية والدهما المعلقة فوق رأسيهما.

وبعد أن أنهيا جولتهما في ربوع القصر المنيف وأطفآ الأنوار توجها صوب السرير وغاصا في فراشه الوثير الذي يفوح بعبق الحاكم الحقيقي الغائب.

بدأ الحاكم حديثه مع الوزير وكل منهما يداعب فدمي الآخر بقدمه من تحت اللحاف الذي غمسهما بالكامل وهما يطلقان الضحكات عالية في الهواء.

وفجأة سمعا ما يمكن أن يسمى طرقاً على إحدى نوافذ الغرفة عندها تثلّجت قدم الحاكم على قدم الوزير وصمتا برهة من الزمن وأمال كل واحد منهما عنقه عله يتحقق من مصدر الصوت الذي أخمد فرحتهما وبتر سعادتهما. بشجاعة مصطنعة نطق الحاكم بعد صمت مطبق قائلا: لا شيء!! فقد تحركت قدم السرير وخيّل لنا انه صو... وما كان لينهي كلامه حتى عاد ذلك الصوت مرة أخرى، ولكنه أقوى وأطول من ذي قبل، ثقلت قدم الحاكم وتصلبت الدماء في عروقه وجفّ الريق من فمه وتملكه خوف شديد سيطر عليه للحظات، لكنه استجمع قواه وانتفض من فراشه مسرجا نور الغرفة ليتأكد من مصدر الصوت.

ظل الأخوان يتبادلان النظرات الاستفهامية بينهما والصمت لا يزال مخيّما، ولم يعد يسمع سوى دقات الساعة على الحائط وخفقان قلبيهما.
عادت الطرقات مرة أخرى وبشكل متواصل وسريع هذه المرة والرجلان متسمران في مكانيهما وأنهارت قوى الحاكم وأصدر صوتا شاحبا تخالطه العبرات قائلا لوزيره: "ما الذي أعلم اللصوص أن والدي ليس موجودا؟!"

ولماذا وافقت على هذه المهمة الصعبة؟ هيا يا أخي قم وأعمل شيئا تحرك؟

الأخ الصغير لا حول له ولا قوة فقد غطّى رأسه بالبطانية وهو يرتعد كالعصفور المبلل في ليلة ماطرة ولم يكن بوسعه سوى قوله وبصوت
أخفت منه:

- أنت ناسي إنك رجل البيت!!

دوّت هذه الكلمات في أذنيّ سمير وراح يجول ببصره في أرجاء الغرفة حتى وقع بصره على بندقية والده وقام بأخذها مصوبا رأسها تلقاء النافذة وصاح بأخيه:

- هيا!! ادفع أبواب النافذة وأنا أتكفل بالباقي.

ارتعد الصغير أكثر وازداد خوفه، ورفض هذا الطلب وهذه المغامرة الخاسرة وخاف من أن يمسك اللص بيده.

أخذ سمير المكنسة بيمينه ورماها لأخيه قائلا: "أنا سأفتح الأبواب الداخلية، وأنت عليك أن تدفع الأبواب الخشبية.. هيا!! تحرك!!
نهض الصغير وهو يبدو كالمصاب بالشلل الرعّاش وقد انتهت أسطورته اليوم في مشاغبة أطفال الحارة فأمسك بالمكنسة ودفع الأبواب الخشبية لتكون عندها المفاجئة الكبرى!

يا إلهي!!! لم يكن مصدر ذلك الصوت سوى "ميقارلو" القط المدلل الذي كان يتعارك مع إحدى العظمات التي ظهر وهو يمسكها بين فكّيه ويحركها يمنة ويسرة.

تنفس الرجلان الصعداء، وجثا كل واحد منهما علىركبتيه وأطلقا ضحكاتهما بصوت عال وارتمى كل واحد منهما في حضن الآخر، ثم عادا إلى فراشهما لتنتهي أولى غزوات هذا الحاكم.

انتهت,,,

قصتان من اليمن

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى