هل للحمام متخيل؟
لا يسعفني المتخيل في رسم الحوادث و النوازل، والصواعد و الهوابط، فلا الخيال و لا التخييل قادران على أن يحاصرا بؤرة الدفقة الشعورية، التي تنتابني على حين غرة. كنت أعود إلى ما كتبه جلبير دوران في"البنيات الانتروبولوجية للمتخيل"، فأجد أن العلوَّ و السُّمُو من الجلالة والمهابة، فحتى الصلاة المفروضة،في الدين الإسلامي، جاءتنا من السماء؛ لعلو قيمتها ونبضها في شريعتنا السَّمْحاء. وما تبقى فهو أرضيٌّ وترابيٌّ. أعود إلى جلبير دوران فأجد أن معمر القذافي، في الشهور الأولى للانتفاضة من سنة 2011، كان يطل على أتباعه و مريديه من عل ؛ من باب العزيزية، وهو يلقي عليهم، خطبة النصر المزعوم. فالمتخيل الوجودي، لجون بول سارتر، هو الذي دفع بالليبيين للخروج إلى الشارع، والمطالبة بإسقاط نظام جائر، يسوس الناس بالحديد و النار، لمدة نيَّفت الأربعين عاما. سارتر جاءنا بالحرية الوجودية، فلا قيمة للحياة في غياب هذا الوتين.
إن الحرية تعددت مفاهيمها، و تشعبت مجالاتها، كنت أقرأ كتاب"مفهوم الحرية"لعبد الله العروي، فأحسست بفكر الغرابة و الدهشة تسري في مسام الكتابة، بَيْد أن الواقع هو الذي يمنح للمفهوم قيمته و تداعياته ؛ فكما يقول العروي ليس لديك نقودا بأن تشتري دواءً، فأنت لست حرا، وإذا لم تتقن القراءة والكتابة، نقصت حريتك. فالحرية، هاهنا، ممارسة و إبداع و تفنن. فقبل العروي نجد عبد المجيد بن جلون في"مارس استقلالك"، فالاستقلال ليس محصورا في وثائقَ ممضاةٍ، وموقعة بأقلام الأبنوس، ومرصوصة في رفوف، وإنما هو سفر في الوجود ؛ في الذات و في الآخر و في عيون المارة و الناس. فالاستقلال تحس به عندما يكون لك ثمن شراء قطعة من الخبز، أو عندما يجد الطفل مقعده في مدرسة عمومية، أو أن يجد طبيبا يسهر على صحته في مشفى عمومي.
يسعى المبدع إلى تجاوز الواقع، والسفر بعيدا لحلحلة واقعا يبدو مترديا و متشظيا كبقايا الزجاج المكسور، ويتم ذلك استنادا إلى متخيل يُعتبر عالما من الوهم و التيه في ضفاف صورة ملأت الدنيا و شغلت الناس. فغاستون باشلار هو الأب الروحي للمتخيل ؛ لأنه، في"الماء و الأحلام"، أقر أن الإنسان ينتمي إلى عالم الصور أكثر مما ينتمي إلى عالم الأفكار، فكانت العبارة مفتاحا لأبواب موصدة، زهاء ثمانية قرون، لمن جاء بعده، أي بعد الحرب العالمية الثانية، أمثال ميرسيا إلياد، و هنري كوربان، وجيلبير سيموندون، وأخيرا جلبير دوران. فمن خلال مركز الدراسات و الأبحاث الخاصة بالمتخيل بكرونوبل، والذي أشرف عليه دوران في الستينيات من القرن الماضي، كان الاهتمام منصبا على الأحلام و الأساطير و الحكايات، التي تتألف منها الذاكرة. ومع إمانويل كانط الفيلسوف الذي عاد إلينا من السديم، من خلال"نقد العقل العملي"؛ بما هو نقد للعقل التجريبي الخالص و الخاضع للمنطق و التجربة.
فمن أرسطو إلى حدود رينه ديكارت، كانت المخيلة مصدرا للًّحَن والضلال والزيف، ولا يجئ في قراراتها إلاَّ زمن الأخطاء و البوار والكساد. فهاهي المدينة الفاضلة التي ظل يدافع عنها سقراط بحب وشغف، دافع عن الحكم و السياسة و الفلسفة و الحوارات الفيدونية. فقبل إعدام سقراط أمام أفلاطون واجه الحقيقة، وإن رشى أفلاطون حارس السجن، فرفض سقراط الهروب الكبير؛ لأنه أراد أن يواجه الموت، وهو فيلسوف شجاع، لا فيلسوفا جبان. حواراتهم كلها كانت في صالح العامة. فأفلاطون يقتفي أثر أستاذه في الممشى، و يطرح عليه أسئلة تؤرقه،من قبيل: ما الحرية؟ ما العدالة؟ ما الشعب؟ ما الديمقراطية؟ما المساواة؟
لعلها أسئلة وجودية، تقتفي أثر الوجود، الذي ضحى من أجله جون بول سارتر في"غبي العائلة"، أو في"المتخيل"أو حتى في"الخيال". فالوجودية أعادت إلينا إنسانيتنا المسلوبة، واللاغبة في فلاة العقل و تصحراته. الوجودية انكفاء، و انطواء على ذات تحن إلى الصور، بل تعشق جمعها كسائح الشاعر محمود درويش.
فهل للحمام متخيل؟
حط سرب من الحمام على سور مجاور، فبدأت عنقودتي الأخيرة تغدق عليه ببعض حبات الدخن و السمسم، في البداية لا تسمع له هديل، وهو منكفئ يشرب ماءً زلالا. ما أن يسمع نسيم حركة في صحن الدار، حتى يرفرف و يطير... توالت الأيام، فألف الحمام السور، وألفوا معه عنقودتي، و هي تحمل لهم الدخن والسمسم. فكلما عنت لهم، وفي يدها الصحن، يتحلقون حولها،ويطربونها بهديلهم الحنون. وبذلك تخلص الحمام من الخوف، بفعل الصورة التي راكمها في ذاكرته بعد انصرام مدة من الزمن، وبفعل اليد الممدودة في السَّخاء، و العطاء، و الجود، والكرم.
فهل كان الحمام، هو أيضا، يبحث عن مدينته الفاضلة؟
