يحيى السماوي: وطن في قواف
يتملكني خليط من الإعجاب والذهول حين اقرأ للشاعر العراقي الكبير يحيى السماوي:
إعجاب باللغة الجزلة،والموسيقى العذبة .....والمعاني السامية ..
وذهول لمقدرته العجيبة على سكب روحه قصيدا عذبا مؤلما.
حب الوطن والحنين له هو المحور الذي تدور حوله قصائد/ روائع السماوي. فقد نفته احداث الزمان إلى استراليا، فرحل جسده إلى هناك تاركا فؤاده في "السماوة"، ينزف لها حبا وحنينا، ويحلم بتقبيل ترابها مرة أخرى محررة من ظلم طاغية أو دنس المحتل.
كان السماوي يعاني من ظلم وديكتاتورية صدام وحزب البعث، فكان حانقا على الحكم الظالم، رافضا لسياسة اذلال العباد. وقد أبدع في تصوير احد مشاهد هذا الظلم، حين نسج لنا قصة "حمادة الحمّال" الذي تعرض للضرب المبرح من قبل رجال الأمن لأن حماره تبول تحت إحد النصب. فهو يعرض الحكاية بطريقة ساخرة مؤلمة في قصيدة "لي ما يبرر وحشتي هذا الصباح :
ليْ ما يُـبَـرِّرُ وحْـشـتي هذا الصباح َوما سَـيَذبَحُ في رياض ِ فـميأزاهيرَ ابْـتِسـاميفـ "حَـمادة ُ الحَمّالُ " مات حِمارُهُ ..وأنا أُرَجِّحُ أنْ يكون َ " حمادة ُ الحَـمّالُ "قد قتلَ الحِمارَتَـدَبُّـرا ً لـ " بِـطاقـة ِ التموين ِ "والـسُّـوق ِ التي كـَسُـدَتْوللحـَقـل ِ الذي ما عادَ يعرفُ خضرة َ الأعشاب ِ..كان " حمادة ُ الحمالُ " مُخـتصّـا ً بنقل ِ الخضروات ِوكان أشـْهَـرَ في " السماوة ِ " من وزيـر ِ الخارجيَّـة ِغـيْر أنَّ حكومة َ البطل المُـجاهد ِ عاقـَبَـتـْهُلأنه ُ :تـَرَك َ الحمارَ يَـبـولُ تحتَ منـصَّـة ٍرُفِعَتْ عليها صورة ُ البطل ِ الحـبيبْو" حمادة الحمالُ " يجهلُ في السياسة ِلمْ يُشـارِكْ في انتِخـاب ِ البرلمان ِ..وحينَ يُسـألُ لا يُجيبْ
ويُقالُ:إنَّ كبيرَ مسـؤولي الحكومة ِ في " السماوة ِ "كان يَـخـْطبُ في اجتماع ٍ حـاشِـد ٍفي عيد ِ مـيلاد ِ الرئيس ِوكان صادَفَ أنْ يـَمُـرَّ " حمادة ُالحمالُ " ..فارتبك الحمارُ(وربما احتفل الحمارُ)فكان أنْ غـطـّى النهيق ُ على الخـطيبْولذاأُرَجِّـحُ أنْ يكون " حمادة الحمالُ "قد قـَتـَلَ الحمارَأو الحكومة ُ أرْغـَمَـتـْه ُ بأمْـر ِ قائِدِها اللبيبْفـ " حمادة الحمالُ " مُـتـَّهَـمٌبتأليب ِ الحمار ِ على الحكومـة ِ والنظام ِ
ويُقالُ :
إنَّ " حمادة َالحمالَ "حاولَ أنْ يبيعَ حماره ُ غـيرَ المُـهَذب ِبَيْدَ أنَّ السـوقَ كاسِـدَةومات حمارُهُ من بعد ِ عام ِوأنا أُرَجِّـحُ أن يكون " حمادة الحمالُ "قد قـتـلَ الحمارَتَخـَلـُّصـا ً من تـُهْـمَة ٍ أُخـرى بمملكة الـنـِّعام ِليْ ما يُـبَـرِّرُ وحشتي هذا الصباحَوما يُـفـسِّـرُ خـشـْيَتيمن فتح ِ صندوق البريد ِ..وغـلق ِ نافـذة ِ الكلام ِسـألوذ ُ من صَحْـو ِ الحقول ِبرمل ِ صحراء ِ المنام ِ...فأنا ورائي جثة ٌ تمشيومقبرة ٌ أمامي !!
وقد بدا جليا عدم رضى يحيى عن النظام العراقي،وعدم قبوله لأكاذيبه التي خدعت العالم العربي في كلمته التي ألقاها في حفل تكريم الجواهري عام ١٩٩٥.. فجاء فيها:
"حين اتخذ النظام العراقي من حزب ( ميشيل عفلق ) معبدا ً وثنيا ً ومن صدام صنما ً : أسقط النظام عن نفسه هوية مكارم الأخلاق ..
وحين اجتاح الكويت : أسقط عنه الشرف العربي فأضحى لعباءته شكل الخطيئة ، وصار العراق تابوتا ً على هيئة وطن ..
أما حين أسقط الجنسية العراقية عن شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري فقد كشف هذا النظام عن نفسه عدوا ً للإبداع وللوجدان الوطني ، ونصيرا للعهـر الفكري .... وإذا كان للعـراق نهـران أسـطوريان ، فإن الجـواهري هـو الــنهـر الثالث ، وما يُميزه عن دجلة والفرات ، أنه النهر الذي لا يعرف النضوب ، والذي منح الغابة الشعرية العراقية الخضرة والعصافير وفضاءات أكثر اتساعا ً من نوافذ الأحلام"
رحل السماوي عن الوطن ، آملا أن يعود له بعد أن يرحل الطغاة ويعم الأمان...ولم يكن يدرك حينها أن ذاك الكابوس سينتهي ليحل مكانه كابوس أخر ......فاستبدال الطاغية باحتلال ارسل الشاعر وآماله إلى حالة من الإحباط ..
يقول في "ارحلوا عن وطني:
هذه الأرضُ التي نعشقُلا تُنبِتُ وردَ الياسمينْللغزاةِ الطامعينْوالفراتُ الفحلُلا ينجبُ زيتوناً وتفّاحاً وتينْفي ظلال المارقينْفارحلوا عن وطني المذبوح شعباً..وينابيعَ .. وطينْفاتركونا بسلامٍ آمنينْنحنُ لانستبدل الخنزيرَ بالذئبِولا الطاعون بالسلِّوموتاً بالجذامْفأرحلوا عن وطني..هذه الخوذةُلايمكن أن تصبح عشّاً للحمامْ
فهو يرفض استبدال الخنزير بالذئب....فيالها من مقايضة خاسرة!!
وقاده الشوق الذي يسكنه إلى وطنه..فصدمه حال الوطن...لم يكن راضيا عن المحتل، ولم يكن راضيا عن كثير ممن يدعي المقاومة.
يقول في "خليك في منفاك :
مررتُ بالبصرةِ .. لكنْلم أجدها ..فقفلتُ راجعا ًولم أبلـِّغ أحدا ً سلامك الحميمَخفتُ أنْ يُصادرَ الغزاةُ صُـرَّة َ التراب ِألقيتُ بهاوضعتُ في الزحامْلا " الحسنُ البصريُّ " في مسجده ِولا " الفراهيديُّ " في مجلسِـه ِولا الفتى " عليُّ " في " المقامْ "خلـّيك في منفاك َلو كان يُجيدُ الهَـرَبَ الترابُما أقامْفي الوطن المحكوم ِبالإعدامْ !يحدثُ أن يُـقـتَلَ عصفورٌلأنَ ريشـَـهُليس بلون ِ جُـبَّـة ِ الإمامْيحدثُ أنْ يُـصْـفـَعَ ظبيٌفي الطريق العامْلأنه لم يُطِـل ِ اللحية َ..أنْ تـُطـْـرَدَ من ملعبها غزالة ٌلأنهالا ترتدي عباءة ً طويلة َ الأكمامْيحدثُ أنْ يُـدَكَّ حيٌّ كاملٌوربمامدينة ٌ كاملة ٌبزعم ِ أنَّ ما رقا ًأقامَ في بيت ٍ من البيوت ِقبل عامْ !!
أجاد رسم الواقع التائه ..وآثر العودة إلى منفاه. فهناك بين محتل غاصب وقاتل "يقتل العصفور لأن ريشه ليس بلون جبة الإمام" ضاع الوطن، "ولو كان يجيد الهرب التراب ما أقام"....فيالفاجعة هذا الوطن.
لكن السماوي وإن كان حال الوطن قد احبطه، فحبه له ساكن في قلبه، وإن عاش في المنفى، فهو يرجو ربه أن يموت دفاعا عن عشقه الكبير: "السماوة".....
يقول لها:
أجّلتُ ميلادي ليوم مماتيعشقا لأبدأ في هواكِ حياتي
فقد ذكر السماوي نفسه بأن هذا البيت مستوحى من قوله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل اللّه أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون...
ويتابع مؤكدا بأنه يستحق هذا الشقاء الذي يحياه، لأنه غادر الوطن، إلآ أنه ينتظر يوم التحرير ليعود للعراق الذي تمنى وحلم :
حُـقــَّـتْ عـلــيَّ الـنـازلاتُ لأنـنـيأبْـدَلـتُ باليـاقـوت ِ فـُصَّ حَـصـاة ِأنا جـَنتي وأنا جحيمي .. جَـرِّبيوَجَعي لتكـتشـفي غـَـرابـَة َ ذاتيتصبو إلى نخل" السماوة " مُـقلتيفمتى يُـطـهَّـرُ من وُحـول ِ غـُـزاة ِ ؟لي صبرُ باديةِ العراقِ على اللظىولقد صبرتُ وفات يومُ جُـنـاتــيوعَـنادُ مَخـْـبولِ الفؤادِ .. طِباعُهُنشرُ الشِراع ِ إذا الرياحُ عَـواتي
فيالها من رحلة عذاب...فقد قدر له أن يحيا الظلم والاستبداد من بني جلدته، ليستبدل فيما بعد باحتلال أجنبي بغيض....
وهو يروي لنا كيف تردد قليلا في ركوب السفينة من أندونيسيا إلى استراليا ، فقد خاف الكثير من المسافرين العاصفة الهوجاء...لكن يحيى كان يعلم أن الرحيل قدره ..وبعد رحلة الأسى الطويلة ليس لديه ما يخسره!!
يقول في "اصرخ بوجه الخوف ذا قدري:
هَـتـَفـَتْ لـكَ الــشــطـــآنُ والأفـُـق ُفارْكـَبْ.. علامَ الخـوفُ والـقـَلـَقُ؟أتـَـخـافُ أمــواجــا ً وعــاصِــفــة ًيـا مَـنْ بـحُـزنِـكَ يَـغـرَقُ الـغـَـرَقُ؟إركــبْ.. فـلـيـس بـِرادِع ٍ قـَدَرا ًحِـرْصٌ.. ولـيـس بـنـافِــع ٍ حَـذق ُهَـبْـكَ انـتهــيـتَ صــريــعَ لـُجَّـتِــه ِأو جَـفَّ بـيـن عــروقِـك َ الـعَــلـَـقُمــا خـُسْــرُهُ من بـعـد عــاصِـفــة ٍنـَـثــَرَتْ طـفيءَ رمـــادِهِ الـوَجَــق ُ؟ألأهــلُ؟ بـاتــوا بــيـن مُـلـتـَحِــف ٍرمــلا ً.. ومــاش ٍ دربُـه ُ طـَـبـِـقُألـدارُ؟ بـاتـت رهْــنَ مُـغـتـَصِـب ٍنــا طــورُهـا: لــصٌّ ومُـرتـَـزِقُ
وكما أن السماوي هو ابن العراق وعاشقه ،فهو ابن فلسطين وعاشقها...فهو يحلم بتحرير العراق، وحلم تحرير العراق مقترن بحلمه بتطهير أرض فلسطين، وبساتين بغداد في قلبه تسكن بجوار سهول الجليل.
يقول في "يحدث في خيالي:
يحدثُ في خياليأن أهزمَ الطُغاة والعتاة والأباطرةْوكلُّ ما في الأرضِ من جبابرةْيحدث أن أطهّرَ الحقول من كلِّ الجرادِ البشريفي بساتين الفراتينوفي "الجليل"… "يافا" … ورياض " الناصرة" ..واسرجَ الخضرةَ في القفار ِحتى تستحيلَ جنّةً أرضيّةً ًضاحكةَ السِلالِ..يحدث أن.. أقيمَ جسرَ الودِّبين الشاةِ والذئب ِوبين الصقرِ والعصفورِبين الضبْعِ والغزالِيحدث في خياليأن الطواويسَ التيتسلقتْ سقيفةَ النضالِتخرج من كهفِ التنازلاتِنحو شُرفةِ النزالِ ؟!
ويظهر هنا إيمانه بحقه في العراق وفلسطين، وفي الوقت ذاته إيمانه بالمعاني الإنسانية وأمله أن يعم الحب والأمان في الأرض...لكن دون تنازل عن الحق، ودون خنوع.
أما نفس شاعرنا الإسلامي فيبدو جليا في قصيدته " قانا"..فهو يناشد أمة القرآن أن تبادر بالتغيير، وينتقد الحكام المتخاذلين، و اللاهثين خلف سلام ذليل:
يا أُمــــــةَ القرآنِ زاحَمَ صُبْحَنـــــاليـــــلٌ وأوشكَ أنْ يتيهَ عبــــــــــادُكم رِدَّةٍ ســـــوداء باسم حنيفِنــــــاوكم استجــــار مـــــن اللظى وُرّادُيا أمــــــــةَ القرآنِ أيُّ غِشـــــــاوةٍحلّتْ فَعَزَّ على الرشيــــــــدِ رشادُ؟يا أمـــــةَ القرآنِ أخزى يومَنــــــــاهذا القنـــــــوطُ وهذه الأحقـــــــــادُكم قائدٍ فينــــــــا وأحرى أنــــــــــهُمن أُذنِـــــهِ والمنخرينِ يُقـــــــــادُ !مُدُنٌ تُشــــادُ على جماجمِ أهلِهـــــــابطشــــاً وأخرى تُستبى وتُبــــــــــادُغرسوا الرَّزايـــا فالتعسفُ مِنْجـــــلٌورؤوس أبرارِ الشعوبِ حصـــــــادُمِضمـــارُهم أجسادُنا ورغيفُنـــــــــاوالمُرخِصونَ ندى الضميرِ جِيــــــادُقانــــــــــــا وهل من نخوةٍ وجموعُنايمشي على أضلاعِها "أفـــــــــرادُ"؟آحـــــــــادُهُمْ عند الهُتــــــافِ مجامعٌوجمــــوعُهُمْ عند الوغى آحـــــــادُ!الراكضـــون الى ســـلام "مناصبٍ"ركض الطَّريدةِ راعَهـــــــــــا الطُرّادُكذِبَتْ أناشيــــد النضــــــالِ ، وكَذَّبَتْزعمَ المناضــــلِ آلــــةٌ وعتـــــــــــادُ
وللجانب الروحاني نصيب في قصائد السماوي، ويبدو إيمانه بالله واعتقاده بمنهجه طريقا للخلاص بارزا في معظم ما كتب ...
يقول معاتبا نفسه:
هذا مصيرُكَ… فاقْبَلِ الغَرَقـــــاما دُمْتَ تركبُ زورقاً وَرَقــــــاهل كنــــت ترجو من مُعَتّــــَقَةٍشهداً… وعتمةِ كهفِها أَلَقـــــــا؟كلُّ اللــــــــــذائذِ غَيرُ باقيـــــةٍإلاّ لــــــــــذاذةُ عِفّـــــــــَةٍ وتُقىيا ويـــــحَ نفسي… كيف أَرْكَبَنينَزَقُ الصِبا لغوايةٍ طُرُقــــــــا؟!
لن نوفي يحيى السماوي حقه مهما كتبنا، فهو شاعر عملاق، ومفكر مبدع....ومازال هناك الكثير من الجوانب لو أردنا ملامستها..لما انتهينا...فتحية لكل صاحب قلم ورسالة///
**********
ملاحظة: قرأت في ثنايا "النت" بأن هناك دراسة قيد الطبع بعنوان "
(المنفى والغربة في شعر الشاعر العراقي يحيى السماوي)" ...للقاص والناقد السوري عبد اللطيف الارناؤوط، بالتأكيد ستكون جديرة بالاطلاع.
