الخميس ١٢ آذار (مارس) ٢٠٢٦

يُخلَقُ من الشَّبَهِ ياسمين لميادة مهنا سليمان

مرياني عبد المجيد

بلاغة العطر وفتنة الومضة في شعر يُخلَقُ من الشَّبَهِ ياسمين

حين يفتح القارئ ديوان "يُخلَقُ من الشَّبَهِ ياسمين" للشاعرة ميادة مهنا سليمان، يشعر منذ الصفحات الأولى أنه يدخل حديقة حسية أكثر مما يدخل كتابا. الحديقة هنا ليست استعارة عابرة بل بنية جمالية كاملة، لأن اللغة نفسها تتحول إلى نباتات وإلى عطر وإلى أجنحة عصافير. الشعر في هذا الديوان لا يقوم على الخطاب ولا على السرد، بل يقوم على اللمعة الشعورية الخاطفة التي تشبه ومضة الضوء فوق سطح ماء. لذلك اختارت الشاعرة شكل الومضة، وكأنها تؤمن بما قاله الشاعر الفرنسي بول فاليري إن الشعر ليس فيض كلام بل لحظة صفاء تلتقي فيها اللغة بالدهشة.

منذ الإهداء تتشكل الملامح الأولى لعالم الديوان. دمشق ليست مجرد مدينة، بل ذاكرة حسية تتكئ عليها الذات الشاعرة. تقول في الإهداء إن قاسيون علم قصائدها الشموخ وإن ياسمين المدينة علمها أن تفوح شعرا. هذه العبارة ليست مجرد تحية مكانية بل إعلان جمالي مبكر، فالشعر هنا مرتبط بفعل الفوح، أي أن القصيدة عطر قبل أن تكون خطابا. وقد قال الجاحظ قديما إن المعاني مطروحة في الطريق ولكن الشأن في جودة السبك، والشاعرة هنا لا تبحث عن المعنى الكبير بقدر ما تبحث عن الرائحة التي تصدر عنه.

في أولى الومضات يتجلى هذا الحس العطري بوضوح. تقول الشاعرة

كلما مررت من قربهم
تساءلوا عن اسم عطري
هم لا يعلمون
أنه يفوح عطرا
لأنك فيه.

هذه الومضة القصيرة تشتغل على فكرة التحول الحسي. الحبيب لا يظهر جسدا بل يتحول إلى عطر يسكن الكيان. الصورة هنا تقوم على اقتصاد لغوي شديد، لكن الدلالة تتسع. كأن الشاعرة تردد بطريقة حداثية ما قاله المتنبي قديما إن ذكر الأحبة يحيي الروح. الفرق أن الروح هنا تتحول إلى حاسة الشم، وكأن الحب يتجسد في الرائحة. الرائحة في الشعر عادة مرتبطة بالذاكرة، وقد كتب الفيلسوف غاستون باشلار أن الذاكرة العطرية أكثر قدرة على استعادة الزمن من الصور البصرية. لذلك تبدو هذه الومضة كأنها باب للدخول إلى عالم الديوان كله.

وفي ومضة أخرى تنتقل الشاعرة من حاسة الشم إلى المسرح البصري للحب

على خشبة الحب
يقف كساحر جميل
يمسك قلبي
فيخرج منه
فراشات وقصائد.

هنا تتشكل صورة مركبة تجمع بين المسرح والسحر والطبيعة. القلب يتحول إلى صندوق سحري، والفراشات هي نتيجة هذا السحر. الفراشة في التراث الشعري رمز للتحول والرهافة. وقد كتب نيتشه مرة أن الأفكار التي تأتي كالفراشات هي وحدها القادرة على النجاة من ثقل العقل. الشاعرة تستثمر هذه الرمزية بذكاء، فالفراشات ليست مجرد زينة بل دليل على أن الشعر نفسه نتيجة فعل الحب. القصيدة لا تكتب بالقلم بل يخرجها الساحر من القلب كما يخرج الأرنب من القبعة.
ومن أجمل لحظات الديوان تلك الومضة التي تقول

كلما عزفت على ناي الأنوثة
صارت نياه ثقوبا.

اللغة هنا تتجاوز المباشر لتدخل منطقة الإيحاء. الناي رمز للصوت الداخلي. الأنوثة ليست جسدا بل موسيقى. وعندما تعزف الذات على هذا الناي يصبح الآخر مثقوبا بالدهشة. الصورة تبدو بسيطة لكنها تحمل طبقات من المعنى. الناي في الثقافة الصوفية رمز للحنين، وقد قال جلال الدين الرومي إن الناي يبكي لأنه اقتطع من الغابة. الشاعرة تعيد توظيف هذا الرمز ولكن في سياق العاطفة الإنسانية، فتجعل الموسيقى الأنوثية قادرة على اختراق الصمت.

وتستمر هذه الحساسية في ومضة أخرى تنتمي إلى حقل الطبيعة

كيف تأتي
عصافير الاشتياق
إلى حقل الحب
وقلبك فزاعة.

الصورة هنا مفارقة دقيقة. الحقل عادة مكان للحياة والخصب، لكن الفزاعة تطرد الطيور. وكأن الشاعرة تقول إن الحب قد يتحول إلى أرض خائفة. هذه المفارقة تذكرنا بما قاله الشاعر الإسباني لوركا إن القلب البشري حديقة مليئة بالظلال. الشاعرة لا تصف الألم مباشرة بل تبنيه عبر مشهد طبيعي بسيط.

في موضع آخر تتكثف الرؤية الرومانسية عبر استعارة الطفولة

ليلة قامة الطفولة كنت طويلة
وكان قلبك
قصير قامة
الحنان.

الطفولة هنا ليست مرحلة زمنية بل معيار للقياس الروحي. الطول والقصر يتحولان إلى رمزين للحنان. وهذا ما يجعل الصورة مؤثرة، لأنها تعيد تشكيل الذاكرة الإنسانية بلغة شفافة. قال الفيلسوف روسو إن الإنسان يولد طيبا ثم يفسده العالم. والشاعرة تبدو كأنها تبحث عن تلك البراءة الأولى في علاقة الحب.

ومن أجمل الومضات التي تكشف الحس الأنثوي قولها

كلما رأيت عينيه
أيقنت أن
بعض النظرات شعر.

هنا تبلغ اللغة ذروة الاختزال. النظرة تتحول إلى قصيدة. وقد قال الشاعر الألماني ريلكه إن الشعر يبدأ حين تصبح الأشياء الصغيرة أكثر اتساعا من الكلمات. الشاعرة تحقق هذا المعنى بدقة، فهي لا تكتب عن العيون بل تكتب عن اللحظة التي تتحول فيها النظرة إلى نص غير مكتوب.

وفي ومضة أخرى تتجلى علاقة الشعر بالذاكرة

كلما مر طيفه في ذاكرتي
فاحت القصائد عطرا.

تعود الرائحة مرة أخرى، وكأن الديوان كله يدور حول هذه الحاسة. العطر هنا ليس مجرد جمال بل دليل حضور الغائب. وقد قال محمود درويش يوما إن الغياب شكل من أشكال الحضور. الشاعرة تجسد هذه الفكرة عبر الصورة الحسية، فالقصائد تفوح كلما مر الطيف.

إن ما يميز هذا الديوان هو هذه القدرة على تحويل التجربة العاطفية إلى مشاهد حسية صغيرة. الومضة لا تسعى إلى بناء خطاب فلسفي كبير بل إلى التقاط لحظة إنسانية شفافة. لذلك تبدو النصوص مثل فسيفساء وجدانية. كل قطعة صغيرة لكنها عندما تتجاور تصنع لوحة كاملة. هذه التقنية تذكر بتجربة الهايكو الياباني حيث تعتمد القصيدة على ومضة الإدراك. لكن الشاعرة تمنحها روحا عربية مشبعة بالعاطفة.

ولعل أجمل ما في هذا الديوان أنه لا يدعي العمق بل يتركه يتسلل بهدوء. فالشاعرة لا تقول إن الحب قدر كوني ولا تحوله إلى خطاب وجودي، لكنها تجعل القارئ يشعر بذلك عبر صور بسيطة. وكما قال الفيلسوف كيركغارد إن الحقيقة العميقة تصل إلينا أحيانا في همسة لا في صرخة.

وهكذا يمكن القول إن يُخلَقُ من الشبه ياسمين ليس ديوانا عن الحب فقط، بل عن الحواس التي تصنع الحب. العطر، الفراشات، العصافير، المطر، كلها عناصر تشكل معجما حسيا يضيء التجربة الإنسانية. القصيدة هنا ليست بناء لغويا فحسب بل حالة شعورية تتفتح مثل زهرة.

وعندما يغلق القارئ الديوان يشعر أنه خرج من حديقة عطرية، وأن الومضات التي قرأها لم تكن مجرد كلمات بل أنفاس إنسانية. وربما لهذا السبب تبدو تجربة ميادة مهنا سليمان قريبة من القلب، لأنها تكتب بما يشبه ما قاله الشاعر التشيلي بابلو نيرودا مرة، إن الشعر الحقيقي هو ذلك الذي يجعل العالم أكثر دفئا ولو بكلمة واحدة.

مرياني عبد المجيد

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى