يُرجَّح أنّه
لم يتأكد متى بدأ فقدان وضوحه، ولا متى صار حضوره أخفَّ من نفسه. استبدَّ به شعورٌ بأن الأشياء على معرفةٍ به أكثر من معرفته بها، وأنه كلما اقترب من ذاته ابتعد. الأسماء المحمولة في أوراقه لا تشبهه تمامًا، والوجوه أمام عينيه لا تعكسه كاملًا؛ إذ تنساب حياته في صيغةٍ مبهمة، بانتظار كلمةٍ يسعى لخطِّها.
دأب على التوقيع باسمه الكامل في الأوراق الرسمية، وبنصفه فقط في الرسائل، وبلا اسمٍ حين يخصُّ نفسه بالكتابة. تخفيفٌ يخلو من العشوائية؛ فقد أدرك أن الاسم كلما اكتمل صار عبئًا، وأن الحروف، مثل الوجوه، ثقيلةٌ حين تُرى دفعةً واحدة.
في الدائرة، ينادونه: "أستاذ". وفي البيت: "أبي". أمّا زوجته، فأحيانًا باسمه، وأحيانًا "أبو رؤى" لأسبابٍ نفسيةٍ لها تأويلها الداخلي. وفي رأسه، يسود صمتٌ مطبقٌ بلا نداء.
استيقاظه مبكر، لا لبكور العمل، بل لتأخر النوم في أعماقه. عند النافذة، يقع في مراقبة الشارع أثناء حركة ما يرى: عاملٌ يكنس ببطء، امرأةٌ تجرُّ صمتها في كيس خضار، طفلٌ راكضٌ هاربٌ من مشاكسةٍ أو ذنبٍ اقترفه. أمعن التأمل في التفاصيل، يدوِّنها أحيانًا، ثم يمحوها خوفًا من ثباتها.
في المكتب، تنصبُّ مهمته على مراجعة معاملات الآخرين، ووضع أختامٍ نهائيةٍ على أشياء لم تبدأ. فاق توقيعه إتقان قراءته. وحين يسأله أحدهم عن إجراءٍ ما، تأتي إجابته بدقةٍ عالية، كمن يصف دربًا مجهولًا بلا عابرين.
قال له زميله مرة: "أنت هادئ أكثر من اللازم". فاكتفى بابتسامة؛ فحقيقة عيشه تبتعد عن الهدوء، وتتجسد في الاقتصاد في الظهور.
خلال الاستراحة، يجلس مع المجموعة، يشاركهم الضحك في اللحظة المناسبة، وهزَّ رأسه حين يلزم، محتفظًا بجملةٍ واحدةٍ في داخله. استقرَّت دائمًا هناك، قريبةً من فمه، بعيدةً عن السمع.
في المساء، رجوعٌ إلى البيت. خلع صوته عند الباب، وعلَّقه قرب سترته قبل الدخول. عند سؤال زوجته عن يومه، جاء جوابه: "عادي"، على الرغم من امتلاء يومه بأحداثٍ لم تقع.
أرته ابنته رسمة: بيت، شجرة، رجل بلا ملامح، وقالت: "هذا أنت". أطال النظر بلا اعتراض، ثم سأل: "لماذا بلا وجه؟" فجاء ردها: "لأنك دائمًا تنظر بعيدًا". ضحك بخفة، مارًّا فوق شيءٍ حادٍّ دون نزف.
في الليل، فتح دفترًا قديمًا. الصفحة الأولى بيضاء إلا من تاريخٍ غابرٍ خطَّه في لحظةٍ ظنَّها بداية، ولم يتبعها بشيء. قلب الصفحات الصامتة كلها. همَّ بالكتابة ثم توقف؛ فالفكرة ليست في ما سيُقال، بل في مَن سيقوله. أمسك القلم، وخطَّ اسمه الكامل. تأمله طويلًا بشعورٍ مغاير، فشطب نصفه، وبقي نصفٌ غير كافٍ، فشطب الباقي، تاركًا الصفحة بيضاء، بقصدٍ هذه المرة.
في اليوم التالي، وصلت معاملة باسمه. قرأها ببطء، قارئًا عن شخصٍ آخر. التفاصيل دقيقة: العمر، المهنة، الحالة الاجتماعية. كل شيءٍ صحيح، باستثناء غياب حقلٍ مخصصٍ لما يختلج في صدره من شعور.
رفع رأسه نحو المحيطين به، فالجميع مشغولون بإثبات أنفسهم في أوراقٍ ضيقة. وضع الختم على المعاملة، تردد لحظة، ثم ضغط بقوة، ليخرج اسمه واضحًا، نهائيًا، ومعتمدًا. ظلَّ ناظرًا إليه منتظرًا اعتراضًا، لكن لا شيء حدث.
في طريق العودة، مرَّ بالشارع ذاته. العامل فرغ من الكنس، المرأة غابت، والطفل جالسٌ على الرصيف بلا ركض. جلس بجانبه وسأله: "من أنت؟" رفع الطفل كتفيه قائلًا: "لا أعرف". هزَّ رأسه بفهمٍ عميقٍ للإجابة يفوق الحد.
عند وصوله إلى البيت، لم يخلع صوته هذه المرة، بل دخل به. التفتت زوجته ملاحظةً شيئًا ما دون سؤال. ابنته ترسم، فاقترب منها قائلًا: "ارسمي لي وجهًا". نظرت إليه بترددٍ ثم بدأت. خطوطٌ غير مستقرة، وملامح تتكوَّن ببطءٍ في رحلة اكتشافٍ له. انحنى أكثر مراقبًا، ولأول مرة، تخلَّى عن النظر بعيدًا. وحين انتهت، غاب عنه التأكد إن كان هذا وجهه، أو مجرد احتمال.

مشاركة منتدى
١٩ تموز (يوليو), ٠٧:١٩, بقلم محمود سلامه الهايشه
وجوهٌ مشوهة في نهاية الغياب: تحليل نقدي لقصة "يُرجَّح أنّه" لصالح مهدي محمد
وجوهٌ تُرسم في نهاية الغياب: قراءة نقدية في قصة «يُرجَّح أنّه» لصالح مهدي محمد
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
ليست كل قصةٍ تروي حدثًا محددًا؛ فبعض القصص لا تسرد واقعةً، بل تروي تجربة شخصية. ويتجلى هذا في قصة صالح مهدي محمد "يُرجَّح أنّه"، التي تُعدّ من هذا النوع من القصص التي تروي تجربة شخصية، حيث يُمثّل الوعي الحبكة، ولا صراع خارجي بل داخلي.
تتلاشى الحدود بين الحضور والغياب منذ الجملة الأولى في هذا النص. يُقال إن الأشياء تعرف البطل أفضل مما يعرف نفسه، وكل محاولة للتقرب منه تُبعده عنه خطوةً أخرى. وهكذا، يُقدّم الكاتب مفتاح فهم القصة: فالمسألة لا تكمن في فقدان الذاكرة أو اضطراب الإدراك، بل في تلاشي الهوية بفعل ضغوط الحياة اليومية.
الهوية كسؤال لا كإجابة
يُمكن اعتبار ما يفعله الكاتب بالأسماء في هذا النص بالغ الحكمة والرمزية. يستخدم بطل القصة اسمه الكامل في الوثائق، واسم عائلته في الرسائل، ولا يوقع إطلاقًا عند مخاطبة نفسه. بعبارة أخرى، كلما اقترب المرء من هويته الحقيقية، ازدادت صعوبة تسميتها.
لا يتناول الكاتب الهوية كبطاقة شخصية، بل يطرح الأسئلة الفلسفية التالية: هل نحن ما تحمله أسماؤنا؟ أم كيف يرانا الآخرون؟ أم ما نعجز عن قوله عن أنفسنا؟
الحياة اليومية كمسرح للوجود
من أبرز جوانب هذا النص أنه لا يتناول حالات استثنائية، بل يحوّل جميع عناصر الحياة اليومية إلى مادة جمالية وفلسفية.
عامل ينظف الشارع... امرأة تحمل حقيبة خضراوات... طفل يركض... موظف يعمل على أوراق (يراجع المعاملات)... تبدو كل هذه المواقف عادية، لكنها تتحول إلى دلالات وجودية بفضل رؤية الراوي. يُظهر الكاتب أن أعظم المآسي قد تختبئ أحيانًا في تفاصيل الحياة اليومية، حين يشعر المرء بانهيار تام وهو مجرد إنسان عادي يؤدي مهامه اليومية على أكمل وجه.
هنا تكمن قيمة النص في تحويل الحياة اليومية إلى معضلة فلسفية دون أي تكلّف.
الاقتصاد السردي والكثافة الدلالية
يمكن وصف النص الحالي بأنه سرد مكثف.
الجمل قصيرة نسبيًا لكنها غنية بالمعاني.
عندما يصف الكاتب كيف "خلع صوته عند الباب"، فإنه لا يقصد مجرد فعل مادي، بل يقصد أيضًا الحالة النفسية الموصوفة. فالصوت رمز للهوية الاجتماعية التي يتخلى عنها المرء خارج المنزل بينما يصمت داخله. وبالمثل، عندما يقول إن يومه "ممتلئًا بأحداث لم تقع"، فإنه يشير إلى حياة كاملة قضاها في الانتظار والحلم.
إن القدرة على ابتكار استعارات سردية تضفي على النص قيمة شعرية خاصة دون أن تنتقص من جودته السردية.
الطفل كمرآة للحقيقة
يبلغ البناء الرمزي ذروته في اللحظة التي ترسم فيها الابنة والدها دون وجه، موضحة ذلك قائلة:
"لأنك دائمًا ما تنظر بعيدًا".
هذه الجملة من أجمل الجمل وأكثرها تأثيرًا في القصة بأكملها.
الطفل في هذه الحالة ليس مجرد عنصر ثانوي، بل هو رمز النقاء الذي يسمح له بفهم ما يعجز عنه الكبار.
يدرك ما لا يدركه صاحبه، وهو أنه يفقد نفسه في غمرة حياته. تتلاشى هويته تدريجيًا، تمامًا كما يتلاشى وجهه، وهو يبتعد عن ذاته الحقيقية.
المعاملات الرسمية... انتصار المؤسسة على الفرد
في نهاية القصة، تبلغ المفارقة ذروتها.
تصله ورقة تحمل اسمه، لكنها تصف شخصًا آخر.
كل شيء في هذه الوثيقة صحيح، باستثناء ذلك الشعور الذي يسكن قلبه.
هذه لحظة كشف عميق؛ يُظهر الكاتب أن المؤسسات قادرة على تدوين كل شيء إلا الفرد نفسه.
قد تصف الملفات العمر، والمهنة، والحالة الاجتماعية، لكن لا يوجد وصف لقلقه، ووحدته، وتدهوره الداخلي.
الآن، تتحول الوثيقة الرسمية إلى رمز لعالم يُفضّل الأوراق على البشر.
النهاية المفتوحة... ميلاد الإمكانية
هذه النهاية هي بالأحرى بداية وليست نهاية.
بطلبه من ابنته رسم وجهه، لا يسعى الأب إلى صورةٍ شخصية، بل إلى استعادة ذاته.
مع ذلك، في هذه الحالة، لا يضمن الكاتب للقارئ اليقين.
قد يكون هذا الوجه وجهه، أو قد يكون مجرد احتمال.
وهذا الاحتمال تحديدًا هو ما يضفي جمالًا على النهاية؛ إذ ينسجم مع عنوان القصة: " يُرجَّح أنّه..."
بمعنى آخر، يعكس عنوان القصة الاحتمال لا اليقين، والإمكانية لا اليقين المطلق. وكأنّ المرء، طوال القصة، عاجزٌ عن إيجاد ذاته من خلال تعريفٍ قاطع، بل يُعيد تعريفها باستمرار حتى الموت.
اللغة والأسلوب
تتميز القصة بالخصائص اللغوية التالية:
• رقة شعرية دون الوقوع في فخ التكلف.
• إيجاز لغوي دون إسهاب.
• صور رمزية تنبثق بشكل طبيعي من السياق دون تكلف.
• إيقاع داخلي متوازن، يعكس الحالة النفسية للبطل.
• القدرة على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز.
مع ذلك، قد يكون هذا الأسلوب بطيئًا بعض الشيء بالنسبة للقارئ الذي يفضل السرد الكلاسيكي والمفاجآت.
الخلاصة
في الختام، يمكننا القول إن قصة " يُرجَّح أنّه..." مثالٌ رائعٌ للقصة العربية القصيرة الحديثة الناضجة، التي تتجاوز السرد البسيط وتطرح تساؤلات حول جوهر الوجود الإنساني. يتناول هذا العمل الهوية كعملية بحث لا تنتهي. كل تفصيل دقيق يصبح انعكاسًا لشقوق في العقل البشري بفضل الأسلوب الواضح والرمزية المناسبة والنهاية المفتوحة.
إن نجاح صالح مهدي محمد في هذه القصة لا يكمن في ابتكار وصناعة حدث استثنائي خارق، بل بإجبار القارئ على إعادة النظر في تفاصيل الحياة اليومية: اسمه، صوته، وجهه، والصورة التي يرسمها للآخرين. ولذلك، لا تنتهي القصة عند نهايتها، بل تطرح سؤالها الصامت مجدداً: متى يفقد الإنسان هويته دون أن يدرك ذلك؟
١٩ تموز (يوليو), ٠٧:١٩, بقلم محمود سلامه الهايشه
ارسم لي وِشّي || أغنية
أغنية بالعامية المصرية مستوحاة من قصة " يُرجَّح أنّه" بقلم/ صالح مهدي محمد، والمنشورة بموقع ديوان العرب، الاثنين ٦ تموز (يوليو) ٢٠٢٦. تقوم فكرة القصة على ضياع الهوية، والبحث عن الذات، وتآكل الإنسان داخل روتين الحياة.
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
"موال"
يا وِشّ راح في الزحمة...
ولاّ الدُّنيا اللي غيَّرته؟
ولاّ السنين وهي ماشية...
بِتسرق منّا صورتُه؟
مين قال للريحة تنسى...
باب البيت وخطوتُه؟
ومين قال للاسم يضيع...
لما يضيع صاحبه قبله؟
"المقطع الأول"
أنا كل يوم أمشي في السِّكة...
والسِّكة تمشي جوايا
والناس تقول: "أهو فلان"...
وأنا مش لاقي حكايا
أوقّع اسمي ع الورقة...
وأرجع أنساه في إيديا
وأضحك ضحكة مستعارة...
وأخبّي وجعي في عنيا
"اللازمة"
ارسم لي وِشّي...
يا بنتي لو تعرفي
يمكن ألاقي في الخطوط...
حِتّة من عمري اختفت
ارسم لي ضحكة...
ما شافهاش غير الزمن
يمكن أرجع أعرف أنا...
مين اللي راح ومين سكن
"المقطع الثاني"
الدنيا فاتحة دفاتر...
وكلّنا فيها أسامي
لكن مين يكتب جوّه القلب...
ويحصّل باقي كلامي؟
كم باب دخلته ساكت...
وسبت صوتي ع الباب
ولبست ألف وشّ للخلق...
ورجعت لوحدي اتعاب
"المقطع الثالث"
قالولي: "كل البيانات...
مظبوطة مِ المِلّي"
قلت: "والراجل اللي جوا...
مين يِعرّف هو مين دلّي؟"
ورقة تعرف ميلادي...
وتعرف شغلي وسِنّي
بسّ اللي عاش العمر ده...
ولا ورقة تعرف عنّي
"اللازمة"
ارسم لي وِشّي...
يمكن ألاقي الملامح
يمكن في لون القلم...
يرجع زماني السارح
ارسم لي حلمي...
قبل المطر ما يغسله
يمكن يكون اللي ضاع...
واقف بعيد مستنّيه
"الخاتمة"
لو يوم سألوك عنّي...
قول لهم: كان ماشي هنا
ساب اسمه فوق الورق...
وساب قلبه للزمن
ولو لقيتوا طفل بيرسم...
وشوش من غير عيون
اعرفوا فيه راجل تايه...
بيفتّش عمره في الكون
"موال الختام"
يا بنت...
لو رسمتيني...
ارسميني زي ما كنت...
قبل ما الدنيا...
تبدّل الوشوش...
وتنسّيني...
أنا كنت مين...؟