الاثنين ٦ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

يُرجَّح أنّه

لم يتأكد متى بدأ فقدان وضوحه، ولا متى صار حضوره أخفَّ من نفسه. استبدَّ به شعورٌ بأن الأشياء على معرفةٍ به أكثر من معرفته بها، وأنه كلما اقترب من ذاته ابتعد. الأسماء المحمولة في أوراقه لا تشبهه تمامًا، والوجوه أمام عينيه لا تعكسه كاملًا؛ إذ تنساب حياته في صيغةٍ مبهمة، بانتظار كلمةٍ يسعى لخطِّها.

دأب على التوقيع باسمه الكامل في الأوراق الرسمية، وبنصفه فقط في الرسائل، وبلا اسمٍ حين يخصُّ نفسه بالكتابة. تخفيفٌ يخلو من العشوائية؛ فقد أدرك أن الاسم كلما اكتمل صار عبئًا، وأن الحروف، مثل الوجوه، ثقيلةٌ حين تُرى دفعةً واحدة.

في الدائرة، ينادونه: "أستاذ". وفي البيت: "أبي". أمّا زوجته، فأحيانًا باسمه، وأحيانًا "أبو رؤى" لأسبابٍ نفسيةٍ لها تأويلها الداخلي. وفي رأسه، يسود صمتٌ مطبقٌ بلا نداء.

استيقاظه مبكر، لا لبكور العمل، بل لتأخر النوم في أعماقه. عند النافذة، يقع في مراقبة الشارع أثناء حركة ما يرى: عاملٌ يكنس ببطء، امرأةٌ تجرُّ صمتها في كيس خضار، طفلٌ راكضٌ هاربٌ من مشاكسةٍ أو ذنبٍ اقترفه. أمعن التأمل في التفاصيل، يدوِّنها أحيانًا، ثم يمحوها خوفًا من ثباتها.

في المكتب، تنصبُّ مهمته على مراجعة معاملات الآخرين، ووضع أختامٍ نهائيةٍ على أشياء لم تبدأ. فاق توقيعه إتقان قراءته. وحين يسأله أحدهم عن إجراءٍ ما، تأتي إجابته بدقةٍ عالية، كمن يصف دربًا مجهولًا بلا عابرين.

قال له زميله مرة: "أنت هادئ أكثر من اللازم". فاكتفى بابتسامة؛ فحقيقة عيشه تبتعد عن الهدوء، وتتجسد في الاقتصاد في الظهور.

خلال الاستراحة، يجلس مع المجموعة، يشاركهم الضحك في اللحظة المناسبة، وهزَّ رأسه حين يلزم، محتفظًا بجملةٍ واحدةٍ في داخله. استقرَّت دائمًا هناك، قريبةً من فمه، بعيدةً عن السمع.

في المساء، رجوعٌ إلى البيت. خلع صوته عند الباب، وعلَّقه قرب سترته قبل الدخول. عند سؤال زوجته عن يومه، جاء جوابه: "عادي"، على الرغم من امتلاء يومه بأحداثٍ لم تقع.

أرته ابنته رسمة: بيت، شجرة، رجل بلا ملامح، وقالت: "هذا أنت". أطال النظر بلا اعتراض، ثم سأل: "لماذا بلا وجه؟" فجاء ردها: "لأنك دائمًا تنظر بعيدًا". ضحك بخفة، مارًّا فوق شيءٍ حادٍّ دون نزف.

في الليل، فتح دفترًا قديمًا. الصفحة الأولى بيضاء إلا من تاريخٍ غابرٍ خطَّه في لحظةٍ ظنَّها بداية، ولم يتبعها بشيء. قلب الصفحات الصامتة كلها. همَّ بالكتابة ثم توقف؛ فالفكرة ليست في ما سيُقال، بل في مَن سيقوله. أمسك القلم، وخطَّ اسمه الكامل. تأمله طويلًا بشعورٍ مغاير، فشطب نصفه، وبقي نصفٌ غير كافٍ، فشطب الباقي، تاركًا الصفحة بيضاء، بقصدٍ هذه المرة.

في اليوم التالي، وصلت معاملة باسمه. قرأها ببطء، قارئًا عن شخصٍ آخر. التفاصيل دقيقة: العمر، المهنة، الحالة الاجتماعية. كل شيءٍ صحيح، باستثناء غياب حقلٍ مخصصٍ لما يختلج في صدره من شعور.

رفع رأسه نحو المحيطين به، فالجميع مشغولون بإثبات أنفسهم في أوراقٍ ضيقة. وضع الختم على المعاملة، تردد لحظة، ثم ضغط بقوة، ليخرج اسمه واضحًا، نهائيًا، ومعتمدًا. ظلَّ ناظرًا إليه منتظرًا اعتراضًا، لكن لا شيء حدث.

في طريق العودة، مرَّ بالشارع ذاته. العامل فرغ من الكنس، المرأة غابت، والطفل جالسٌ على الرصيف بلا ركض. جلس بجانبه وسأله: "من أنت؟" رفع الطفل كتفيه قائلًا: "لا أعرف". هزَّ رأسه بفهمٍ عميقٍ للإجابة يفوق الحد.

عند وصوله إلى البيت، لم يخلع صوته هذه المرة، بل دخل به. التفتت زوجته ملاحظةً شيئًا ما دون سؤال. ابنته ترسم، فاقترب منها قائلًا: "ارسمي لي وجهًا". نظرت إليه بترددٍ ثم بدأت. خطوطٌ غير مستقرة، وملامح تتكوَّن ببطءٍ في رحلة اكتشافٍ له. انحنى أكثر مراقبًا، ولأول مرة، تخلَّى عن النظر بعيدًا. وحين انتهت، غاب عنه التأكد إن كان هذا وجهه، أو مجرد احتمال.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى