الخميس ١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٥
بقلم رأفت دعسان

قصة حب

كانت فراشة فائقة الجمال تنتقل بين الأزهار صباح مساء ، معلنة وجود أبدية الجمال في هذا الكون . كانت تجلس بجانب ذلك الجدول العذب الشفاف حاملة قيثارتها عازفة أعذب الألحان منشدة بصوتها الملائكي أروع القصائد والأشعار ، فقد اجتمع لها الحسن وفن العزف وعذابة الصوت .

كان كل من في الحديقة يعشقها ، تراهم حينما يرونها مسلوبي العقل ، شاخصي الأبصار إلى هذا الجمال الأخاذ وعندما تغني يهدأ كل شيء حتى الماء يتوقف خريره ، حتى الريح ، حتى الأنفاس .
وكان اسمها نسمة وفعلا هي نسمة في شفافيتها ورقتها وجمالها وكل ما فيها.

تقدم لخطبتها كل من رآها من فراش ، الكبير والصغير ، الشاب والطاعن في السن ، كل يود أن يدنو منها أكثر ويرشف من جمالها وحسنها دون نهاية .

ولكنها تأبى فهي تؤمن بالحب وأنه لا بد يوما قادم ليأخذها إلى موطن سرمدية السعادة والفرح الأزلي .

وفي أحد أيام الصيف الصافية يصل الحديقة زائر جديد، إنه عاصف وفعلا كان عاصفا، فعاصف هذا ضفدع دميم الوجه، خشن الملامح، ذو صوت رعدي. جاء من حديقة مجاورة طردوه أهلها لدمامته وخشونته فهو يضفي على حديقتهم مسحة من البشاعة التي لا تليق بها.

ويدخل عاصف الحديقة راجيا أن يقبله أهلها فهو على دمامته نقي القلب ، جميل الروح ، مهذب الكلام .

ولكن أين أهل الحديقة ؟..... عاصف يسأل نفسه ، إني لا أرى أحدا وكأنها خلت من ساكنيها ، ويمشي عاصف إلى أن يصل إلى جدول الماء ، فيرى أهل الحديقة مجتمعين حول فراشة تغني وتعزف ، هي تحفة في الجمال وعذوبة الصوت ، ويقترب عاصف إلى أن يدنو من الحاضرين ويسلم عليهم وترد نسمة برقة : أهلا وسهلا ..... وإذ بسهم الحب يخترق قلب عاصف ونسمة معلنا ولادة قصة حب لم تسمع لها الأفاق مثيلا .

ماذا ألم بك يا نسمة ؟ ...... نسمة تحاور نفسها ، أمعقول هذا !!!! أنا نسمة الجميلة الرقيقة تحب هذا الضفدع البشع ، لا يعقل !!!! ولكن أحبه ، نعم أحبه ، وكأني أعرفه منذ سنين ، لا أتوقع أن يوما مر في حياتي لم أره فيه ، نعم أحبه ...... أحبه ...... أحبه ......
ماذا حصل لي ؟ ...... عاصف يحاور نفسه ، أجننت !! أم أني أحلم ؟ .... أأحبها ، لا أستطيع أن أحبها ، هي فائقة الجمال وأنا بشع ، هي عذبة الصوت وأنا كريه الأنفاس !!!! ولكني أحبها ...... نعم أحبها ...... أحبها...... أحبها ......

نسمة مرحبة : تفضل بالجلوس ......

عاصف : أنا ضيف جديد على حديقتكم فهل تسمحون لي بالعيش معكم ...
نسمة بدون تردد : أكيد ، أكيد ، ولكن عليك الالتزام بقوانيننا ، فحديقتنا تحكمها قوانين أساسها الحب واحترام الآخرين .
عاصف : سأكون عند حسن ظنك وظن الحضور بإذن الله ، فهل تسمحين لي بالجلوس .

نسمة : بالطبع ، تفضل .....
وتعود نسمة للعزف والغناء ولكن داخلها نار تتأجج حبا وشغفا ، فتغني غناء لم تسمع الحديقة مثله أبدا ، والكل هنا أحسن أن هناك شي ما قد تغير في نسمة ، فكل ما فيها فرح ، غناؤها ، عزفها ، ابتسامتها ، قيثارتها ، كلها فرحة وكأنها لبست ثوبا جديدا لم نره من قبل .

وتغرب الشمس ، وينفض الحاضرين كل إلى بيته وفراشه ، ويذهب عاصف يجول في الحديقة وكأنه نسي النوم في حديقته السابقة ، أحبك يا نسمة - عاصف يحاور نفسه – كل ما في يعلن حبي لك ، لقد اشتقت لرؤياك ، لا تستطيع عيناي الصبر على فراق ملامسة محياك الجميل ، آه ما أجمل الحب ..... آه ما أعذب الاشتياق ..... أحبك ....... أحبك ..........
ويجلس عاصف على ورقة توت على تلك الشجرة وسط الحديقة، رافعا بصره إلى السماء ، متأملا القمر وما فيه من مفاتن وجمال وتمر الثواني والساعات وعاصف في دنيا أخرى تختصر في كلمة واحدة ؛ نسمة .......
وفي تلك اللحظات ، وإذ به يسمع همسا من أسفل الشجرة ، إنها نسمة حبيبة القلب والروح .

لا أدري ما حصل لي !!! – نسمة تحاور نفسها – أمعقول أني أحب هذا الضفدع !! لا أدري ، وكأن صاعقة من السماء أصابتني ، ولكني أحبه ، أشعر بذلك بكياني بوجداني ، أحبه ، أحبه ، أحبه ........
هنا يتمالك عاصف شجاعته ، ويقفز من على الشجرة أمام نسمة ، وأنا أحبك ، أحبك ، فليسمع العالم ، ولتسمع الدنيا ، ولتشهد قطرات الماء ونسمات الهواء ، أنا أحبك .....
نسمة مذهولة متفاجئة : وأنا أحبك ..... أحبك .............
ويبدأ هذان الحبيبان يعيشان قصة حب لا أروع ولا أجمل ، ويرشفان خمرة السعادة ونبذ الواقع والعيش بين أطياف المحبة والفرح ، ها هما يجلسان كل يوم هنا ، تغني له وتعزف ، وتشربه كؤوس الحب والعشق في قوارير النغمات والأشعار.

الشمس اليوم ترسل أشعتها الدافئة في ثنايا الحديقة راسمة نهارا من نهارات الصيف الدافئة الصافية ، وها هي نسمة بقرب الحبيبين – عاصف والجدول تنشد أعذب الأغاني وتعزف أرق الألحان .

ويسكن قرب هذه الحديقة مدرسة للأطفال الذين يحملون البراءة في وجوههم غير مدركين معطيات الزمن المر وآلام الحياة وفي إحدى زوايا المدرسة يقبع المختبر الذي منه يتعلم الأطفال بعض الخبرات والتجارب التي ستفيدهم في حياتهم القادمة .

سامر أحد طلاب هذه المدرسة خطرت بباله فكرة بريئة في مجملها بشعة في عواقبها قبيحة عند تجريدها من ملابس البراءة ، ها هو سامر يمسك بشبكة صيده الصغيرة متوجها إلى الحديقة ، ما هذه الفراشة الجميلة ؟ - سامر يحاور نفسه ، لا بد أن اصطادها واضعها في مختبر مدرستي الحبيبة لتزيده بهاءا وجمالا ، ويدنو سامر من نسمة الفراشة الجميلة ويصطادها أمام أعين أهل الحديقة وأمام أعين الحبيب عاصف .

ويذهب سامر بنسمة الى المختبر ويقتلها ويثبت أجنحتها على لوح خشبي ويضعها بالقرب من نافذة المختبر المائلة وها هو أستاذ العلوم يضع يده على كتف سامر مثمنا هذا العمل الرائع الذي أضاف شيئا جميلا رائعا على مختبر المدرسة .

كل هذا الفرح والسعادة وهم لا يدركون أن قلبا آخر قد إنكسر وتعاسة قاتلة إجتاحت حياة أخرى ، يا لتعاستك يا عاصف ، يا لحزنك يا عاصف ، أيعقل ما يحدث ....

ها هو عاصف يرفد الجدول بدموعه ، وتقرأ في ثنايا محياه أسطورة الحزن منذ بدايات الخليقة ، ما لهذه الدنيا تغيرت فجأة ؟ - عاصف يحاور نفسه ، إن كل ما أراه حزين ، لقد كتبت علي التعاسة واليوم بدأت رحلة الالام في حياتي التي لا يمكن أن تنتهي إلا عندما ألقاك يا معشوقتي عند ذاك المقام السرمدي في حياة أخرى يتساوى فيها كل المخلوقات كبيرهم وصغيرهم قويهم وضعيفهم ، غنيهم وفقيرهم .

وتمضي الايام والليالي وعاصف تزداد مأساته ويزداد شوقه لرؤية الحبيبة وسماع كلماتها العذبة والنظر لمحياها الجميل .

لا بد أن أراها – عاصف يخاطب نفسه ، لا بد من طريقة لكي أراها ، نعم لا بد من طريقة ، ها هي لقد خطرت ببالي الىن الفكرة ، ويذهب عاصف الى غراب يقف على غصن شجرة ويبدأ بمخاطبته :

عاصف : أيها الغراب ، هل ترغب في بعض من الحبوب اللذيذة
الغراب : ولم لا
عاصف : عندي هذه الحبوب ولكني أريد منك خدمة بسيطة وتكون الحبوب ملكك .
الغراب : تفضل
عاصف : أريدك أن تطير بي فوق المدرسة التي بجوار حديقتنا لكي أرى محبوبتي الغالية فقد قتلوها ووضعها في المختبر .
الغراب : حسنا هيا بنا .

ويتعلق عاصف بقدمي الغراب ويطيران في السماء محلقين فوق المدرسة .
ها هي محبوبتي ، إني أرى محياها الجميل ، ماذا فعلوا بك يا معشوقتي – عاصف يتحدث ، أرجو أن تحلق بي بمحاذاة محبوبتي أيها الغراب العزيز .
ويحلق الغراب ويصبحان بمحاذاة النافذة المائلة التي تطل على الموضع الذي صلبت فيه نسمة .

وفجأة ، وبسرعة عالية ودون تردد يخرج عاصف شوكة إنتزعها من الحديقة ويخز بها قدم الغراب ، وإذ بعاصف يهوي بسرعة عالية ويكسر بجسده زجاج النافذة ويسقط صريعا بجانب محبوبته على تلك الخشبة في تلك المدرسة .
أخيرا انتهى مشوار العذاب في حياتك يا عاصف وها هي روحك تلتقي روح محبوبتك الجميلة في حياة أخرى لا تسكنها ظلال القسوة والوحشية وظلم الكائنات لبعضها .


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى