السبت ٦ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٤
قصة قصيرة
بقلم راندا رأفت

حنين

أتجه إلى الطائرة... روحي تعود لي ... بعدما غابت عني سنوات ... أشعر بها تسري في عروقي ... أزيز الطائرة الصاعدة ، و حركتها في السماء.. تعيد التوازن المطلوب لروح تدب في جسد... تأتي المضيفة بارعة الجمال .. بزي أزرق بلون السماء التي أراها من النافذة الصغيرة.. تقدم طعام الإفطار ...

في نهاية الحصة الثالثة .. يدخل احد المدرسين ، معه صندوقان .. الوجبة المدرسية التي توزع كل يوم .. بسكويت جميل الشكل جدا .. كفيل بأن يجعل الأطفال يقبلون عليه ، بل و يتشاجرون من أجله .. لم تدخل جوفنا اول قطعة .. و كان من الضروري إستدعاء الإسعاف...

قلبي يخفق بشدة .. جدا.. كخفقات لقاء الحبيب... عرفت أني في المجال الجوي لحبيبتي... تهبط الطائرة .. ببطئ ... تسير على الأرض ... تقف... تفتح الأبواب... يلفحني الهواء الذي اشتقت إليه دهرا... فيسكرني .. انزل .. اترنح من سكري... اخلع حذائي ، لم انتبه أن أحد يراني ، فيتهمني بالسوقية أو الجنون... ما أنتبه الإ أن أشبع شوق قدمي لهذا التبر

نخرج من الفصل ، فارحين بما أتانا من وقت للعب ... اتفقنا على الأستغماية.. جاء دوري لإغماء عيني ... أجري ورائهم ، و أمسكهم ... أصطدم بأشياء اتوقعها و لا اتوقعها ... اصطدم بأحد الأرصفة ... فسقط على الأرض .. فكسرت ساقي...

أخيرا وقع بصري على وجوه قمحية .. علاقتي بهم لا تتعدى حدود الشعاع الذي يقع من عيني عليهم ... إلا أن روحي تخاطبهم .. أرواحهم تخاطبني .. منذ زمن لا تخاطبني روح ... ليس الخروج من المطار بالأمر الهين .. لابد من إجراءات لا يحتملها شوقي ... و أن كانت لا تستغرق دقائق بذلك التوقيت البشري المفروض علىّ...

لابد أن أصل إلى عملي في الثامنة .. كما أصل كل يوم الثامنة إلا خمس دقائق .. بالمصعد الكهربائي لن يتكلف سوى دقيقتين للدور السابع ... حيث مكتبي الأجوف في الحجرة المتهدلة .. مفاجأة اليوم عامل المصعد الوحيد متغيب .. اضطر إلى الصعود بالسلم .. اجازي على تأخري .. الجميع لابد أن يتعودوا الصعود بسرعة ؛ لأن عامل المصعد الوحيد مريض ، و لا أحد يعلم متى سيشفى ؟ ربما شهر ، ربما سنة ، ربما يموت ...

الشمس ساطعة جدا .. سطوعها الصيفي على كل شيء ، يدفئ ما برد في كياني ... أشعر بعطش شديد .. رغم أن بحوزتي زجاجة مياه ؛إلا أنها معدنية .. لا تغني عن عطش .. ما يروي الظمأ سوى النيل ... مهما أعلنت المنظمات الدولية كميات تلوثه ... أرى النيل .. يرتوي ظمأي ... أتمنى لو يتسع صدري ، لأضمه كله في أحضاني .. لكنه لا يتسع ...فليضمني هو ، ليس لدي أي مانع أن أموت غرقا ...

اتفقنا أن نؤجر مركب ... نهيم به على بساط النيل .. الهواء رائعا ... يداعب خصلات شعري بأيادي حريرية ... المياه دافئة .. حرارة شمس الظهيرة لم تتبدد منها بعد ...أنزل يدي إلى الماء... تنساب بين أصابعي ... سقط خاتمي...

تهفو نفسي إلى الفول و الطعمية .. حسبتها في أيام سالفة أحد رموز التخلف ... لكنها كل الحضارة .. تربت عليها الأجيال منذ الفرعون الأول ... و يخرجا خير أجناد الأرض ...

في طريقي لبيتي لا أعجب من المتغيرات في كل شيء حتى عدد الأشجار .. لكن الناس لا يتغيرون....

دائما أعود إلى بيتي عصرا من نفس الطريق حتى حفظني طوب الأرض ... أواجه اليوم أناس يتشاجرون .. ترهقني أصواتهم الحيوانية المنكرة ... أتردد في مواصلة السير .. لكنه الطريق الوحيد ، لا أستطيع الإنتظار ... فأنا مرهقة طوال النهار .. لا أعرف متى سينتهون ... أتقدم .. تبدا الرؤوس و الأيادي تتشابك .. أتقدم .. نالني مما ينالهم...

أدخل بيتي الذي اشتقت حتى لجدرانه .. أجدها تضمني معاتبة أحضان والداي ؛ تزيل عناء ما ظننته يمحى أبدا ... اسمع زقزقة العصافير .. عرفت أن عصفورتي الخضراء ماتت عندما تركتها .. ينتابني أسى لموتها على كف غير كفي .. تتدحرج من عيني دموع تواسيني ...

ساهرة طوال الليل تبلغ درجة حرارتي مائة درجة ؛ بمقياس حرارة قلب أم يشتعل لمرض رضيعها ... تقاربت الحالة من التحسن .. تهدأ عيني .. فتغفو .. لم تمر دقيقتان .. افيق على صراخ ..... مستحيل أن تكون حياتي في دنيا رفضت حياة ابني...

انتهت أمي من إعداد الغداء ... تدعوني رائحته قبل أن تناديني .. أجفف دموعي؛ كي لا يرها أحد .. آكل كل ما يقدم لي .. ما كان يشبعني سوى طعام أمي .. الجميع يتجه للقيلولة .. اشتاق إلى هذا الذي كان لي مهدا ثم أصبح ملجأ لراحتي ...اسمع أصوات متداخلة "طازج يالمون"، "الخمسة بجنيه يا جزر..." اشتقت لهولاء الجائلون أيضا ...

في الصباح مبكرا جدا عن موعدي ... ايقظني صوت بائع عجوز ينادي على بضاعته .. اخرج من نافذتي أنهره .. فيرد بتلقائية الذي يتوقع السؤال فجهز له الإجابة :"مش مهم الناس ؛ المهم اللي يسد الجوع.." و استمر ينادي ...

لا أعرف إن كان العجوز مازالا حيا .. أتقلب في مهدي .. فرحتي بالرجوع تحرمني النوم .. أفتح المذياع .. مفاجأة ... صوت العندليب ... مفاجأة آخرى .. يغني من أجلي .."بالأحضان يا حبيبتي يا أمي ، يا بلادي...." .


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى