السبت ١ أيار (مايو) ٢٠٠٤
بقلم نجــلاء محـمود مِحْرِم

جَدّى و... أنـا !

زأر أبى يوما وحكى لى الحكاية ..

قال : إن جدنا البعيد البعيد كان يتبختر فى الغابات وفوق التلال !

سألته : ألم يكن يعيش فى قفص يا أبى ؟

تحشرج زئير لائم فى حلقه :

ـ من ذا الذى كان يجرؤ على حبسه فى قفص ؟

كنت أعرف مواعيد حكايات أبى .. فأجرى إليه .. أربض بجواره ساكنا .. وبعد أن يستريح وتهدأ نفسه المعذبة يبدأ فى الحكى :

ـ كان جدك حاكما .. له تخضع الرعية .. ولرهبته يسود النظام .. ولعدله تحل الطاعة ..

نظرتُ إلى الكرباج الملقى هناك .. خارج القفص واندهشتُ !

ـ ألم يكن هناك من يضرب جدى بالكرباج ؟

غضب أبى غضبا شديدا.. هز رأسه بحدة فاهتزت لبدته .. أطلق زئيرا مرعبا جعلنى أتراجع إلى أقصى ركن من القفص !

بعد كل عرض أعرف أن موعد الحكى قد حان .. فأُسْرِعُ إلى جوار أبى العطشان للذكرى الحبيبة ..

ـ كان جدك أول من تسيد الأرض .. وعلم الآخرين النظام ..

بدأت أفهم أن أبى يتداوى بالذكريات .. وكنت أرى عينيه العسليتين ترقان وتهدآن للحكى .. وتعلمت ألا أغضبه بأسئلتى الجارحة ..

ـ مملكة جدك كانت حراما على الآخرين .. لا يجرؤ أحد على المساس بطرف من أطرافها .. وإذا حدث وتجرأ طائش من الطائشين .. لا يحل المساء إلا ويكون قد استقر فى معدة جدك !

بدأت تنتابنى نفس النشوة التى تنتاب أبى .. كنت أنظر لزملائى ذوى الأجنحة والحوافر وأنفخ صدرى قائلا لنفسى : " أنا حفيد جدى " .. وأخطر بكبر إلى أن يفْجَأَنى صوت المدرب فأعود " أنا " من جديد !

ـ كل يوم يخرج جدك للصيد .. يترصد الأسمن والأضخم لتشبع رعيته .. يأكل من الفريسة ما يشاء ثم يبتعد ليتقاطر الباقون فينالون نصيبهم من اللحم الطازج الشهى ..

الحمير المريضة والنافقة هى طعامنا .. قال لى أبى : إن جدى كان يفضل لحم الغزال .. واندهشت للكلمة : " يفضل " ! يالها من كلمة غريبة !

لما نبتت لى لبدة .. وغلظ صوتى .. كنت قد تعلمت التراجع والخضوع والطاعة .. وأصبحت جاهزا لأداء دورى .. وصرت أقفز خلال حلقات النار وأجلس كالقط فوق كرسى صغير وأنام على الأرض وأتمرغ .. وصرت أكثر احتياجا لسماع حكايات جدى .. أجرى بعد كل عرض إلى أبى العجوز فيحكى ويحكى .. وأتداوى بالماضى ..

صرت نجما .. وصرت أفهم تصفيق المتفرجين وأنتشى له .. وأنتظر الوجبة الاستثنائية من لحوم الحمير التى أنالها كلما زادت حرارة التصفيق ..

واستمر فخرى واعتزازى بعراقة أصولى ! حتى وأنا أقفز من خلال النار وأزدرد لحم الحمير الميتة .. كنت أشعر بعراقة أصولى ! لكن أحيانا ينتابنى شىْء من الخجل !

ماذا لو رآنى جدى وأنا أُضَرُب بالكرباج ؟

ماذا سيفعل لو رآنى أدخل القفص بأقدامى دون اعتراض ؟

أجرى نحو أبى .. يرمقنى بعينيه الكسيرتين .. يدرك وقوعى فى فخ الطعام والخوف .. يكف عن الحكى ..

ـ احْكِ لى يا أبى عن جدى

= لا فائدة يا بنى .. لا فائدة .. ربما يكون أبناؤك ....

ويصمت أبى فى تشكك ..

وأخرج للعرض .. أتأخر فى تأدية الحركات .. يكثر زئيرى ورفعى لكفى مشهرا مخالبى .. كل شىْْء يثيرنى .. هذا الكرباج .. وهذه النار .. وهذا المدرب .. وقبل كل شىْء هذا الخوف الذى يحتل كيانى ..

ماذا لو رفضت القفز ؟

وأقفز !

ماذا لو رفضت الجلوس ؟

وأجلس !

ماذا لو رفضت المرور نحو القفص ؟

وأمر .. وأثناء مرورى .. والغضب يتفجر داخلى .. ونظرة أبى تقتلنى .. وتاريخ جدى يسحقنى .. اعترضنى شىْء .. أطبقت عليه فكىّ .. قضمته .. فتته .. أكلته .. فى ثورة غضبى اجتاحتنى الأمنيات .. سأكون حفيد جدى .. لكننى بعد لحظات رأيته .. ما زال واقفا هناك .. بساقيه الاثنتين كاملتين .. وفى يده الكرباج !


فبراير 2002


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى