أسئلة الحرب
موجز الأنباء: قُصف مصنع ومسجد، ودُمّرت مدرستان وثلاثة مستشفيات. تقدّمت القوات هنا ميلًا، وانسحبت هناك ثلاثة أميال. مائة قتيل، ومائتا جريح، صواريخ انطلقت، وقنابل سقطت.
اسجدوا لله شكرا: سجدنا.
احمدوا الله: يا ربنا، لك الحمد.
كبّروا: الله أكبر، الله أكبر.
اهتفوا: عاشت الحرب، ومات الشعب!
ردّدوا الهتاف بصوت أقوى: عاشت الحرب، ومات الشعب!
يمرّ النبأ، وتتردّد الهتافات، ونفرح بالانتصارات، ثم ينصرف الجميع إلى شؤونهم كأن شيئًا لم يكن.
تبدأ الحرب بالرصاص، لكن أخطر ما تنتهي به يحدث داخلنا؛ حين يصبح موت الناس خبرًا عاديًا، وغياب الأحبة أمرًا نتعايش معه، ووجع الآخرين ومنظر الجثث مشهدًا نراه ولا نتأثر: أمٌّ تنتظر أبناءها الذين انقطعت أخبارهم في الجبهات، وطفلٌ تعلّم الخوف قبل الحروف، وأسرةٌ تغادر بيتها ولا تعرف إن كانت ستعود إليه.
لهذا أكتب. لا أملك أجوبة عن أسئلة الحرب، ولا أتوهم أن الكلمات ستوقفها. لكنني أخشى أن نعتاد ما كان ينبغي أن يوجعنا، وأن نفرح أحيانًا بما كان ينبغي أن نحزن لأجله، وأن تتحول المآسي إلى أخبار عابرة، فنفقد، مع طول الحرب، قدرتنا على رؤية ما يحدث لنا وللآخرين.
أنا حميريُّ الهوى والجذور؛ تسكنني عدن ببخورها وبحرها، وتعز بجبالها وآثارها، وصنعاء ببيوتها القديمة وقمريّاتها، ومأرب بما تحفظه من شواهد حضارية. فلكل مدينة ملامحها ولهجتها وخصوصيتها، لكنها جميعًا أجزاء من حكاية يمنية واحدة.
أعتز بتاريخ بلدي، لكنني لا أريد أن أختبئ خلف أمجاد الماضي كلما أخفقنا في الحاضر. فما قيمة تاريخ نفخر به إذا كان أطفال اليوم يُحرمون من التعليم والعلاج، وكان المعلم ينتظر راتبًا يطعم به أسرته فلا يجده؟ ينبغي أن يمنحنا الماضي دافعًا لبناء مستقبل أفضل، لا أن يتحول إلى عزاء نتداوى به من خيبات الحاضر.
أرى الحرب في أب يحاول إخفاء عجزه عن أولاده، وفي نازح يعود بعد سنوات إلى الحي الذي نشأ فيه، فلا يجد بيته، وإن بقيت بعض جدرانه قائمة. أراها في جريح لا يجد العلاج، ومعتقل لا يعرف أهله مكانه، وعائلة لا تجد مأوى. تستطيع الأرقام أن تحصي الضحايا، لكنها لا تخبرنا كم بيتًا خلا من أصحابه، وكم حلمًا انطفأ، وكم سنة سُرقت من أعمارنا.
ومع امتداد الحرب، أخشى أن نفقد قدرتنا على رؤية بعضنا شركاء وطن واحد. فإذا ورّثنا أبناءنا أحقادنا، فلن تنتهي الحرب بإسكات البنادق؛ ستنتقل إلى قلوبهم، ويكبرون وهم يرون الآخر عدوًّا قبل أن يكون زميل دراسة.
لهذا لا يكفينا أن تتوقف الحرب. علينا أن نسأل: أي حياة تنتظرنا بعدها؟ فقد تصمت المدافع، ويبقى المواطن تحت رحمة أصحاب النفوذ، ويظل الفساد والظلم قائمين، ثم يُطلب من الناس أن يسمّوا ذلك سلامًا وتغييرًا.
نريد دولة تحمي مواطنيها ولا يخافونها، وتتاح فيها الوظائف على أساس الكفاءة، ويختار الناس حكامهم ويحاسبونهم. نريد مدرسة ومستشفى يليقان بأطفالنا، وراتبًا يصل في موعده، وصحافة حرة دون أن تصبح الحقيقة تهمة. نريد مسؤولًا يدرك أن منصبه مسؤولية، وأن المواطن صاحب حق، لا تابع يستجدي العطف.
نريد..، ونريد..، هذه ليست مطالب مؤجلة إلى ما بعد انقضاء أعمارنا. كيف يُطلب منا الصبر إذا لم نرَ في المستقبل ما يستحق الانتظار؟ وكيف يطلب منا التضحية لوطن نراه يتدمر أمام أعيننا؟
وحين يُستخدم الدين لتبرير التخوين، وتُرفع الشعارات لتغطية القمع، يفقد التدين معناه. لسنا بحاجة إلى أن نتشابه كي نعيش معًا، ولا إلى أن يتخلى أحد عن قناعاته؛ نحتاج إلى الاعتراف بحق الاختلاف، وألّا يحتكر فريق الحقيقة أو يتعامل مع السلطة كأنها ملكه الخاص.
أشعر بثقل هذه الأسئلة حين أعود متعبًا، فتستقبلني ضحكات طفلتيَّ. أفكر في المستقبل الذي أريده لهما؛ مستقبل لا تضطر فيه الطفولة إلى التعايش مع الحرب، ولا يكبر فيه الأطفال وهم يظنون أن الحرمان والخوف قدر لا مفر منه.
خلف كل رقم إنسان له اسم وبيت وأحلام وأشخاص ينتظرونه. وخلف كل قرار بالحرب عائلات تدفع من أعمارها ثمنًا لشيء لم تختره. لذلك لا يكفي أن نعرف من انتصر ومن خسر، ومن تقدّم ومن تراجع، ومن قصف وقتل أكثر. علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا أبقت الحرب من إنسانيتنا؟ ومن عاداتنا وأخلاقنا؟ وماذا سنفعل كي لا نورّث أبناءنا الكراهية؟
سأظل أسأل، وأسأل، لا لأنني أملك إجابات، بل لأن الصمت قد يجعل المأساة تبدو أمرًا عاديًا. ولأنني، رغم كل ما أصاب الوطن، ما زلت أؤمن بالمستقبل؛ مستقبل لا نحتاج فيه إلى الاحتفال بموت الآخرين كي نشعر بأننا انتصرنا، ولا نكتفي فيه بغياب الرصاص بينما أسئلة الحرب حاضرة.
