في مَهَبِّ الراتب
أنفق عمره في الانتظار. يجسّ جيبه الفارغ كمن يجسّ جرحًا يأبى الالتئام، ويطيل النظر إلى التقويم كمن ينتظر موعدًا يعرفه الجميع... إلا الراتب. الفاتورة سيف بلا غمد، والدَّين حارس لا ينام، والإيجار (…)
أنفق عمره في الانتظار. يجسّ جيبه الفارغ كمن يجسّ جرحًا يأبى الالتئام، ويطيل النظر إلى التقويم كمن ينتظر موعدًا يعرفه الجميع... إلا الراتب. الفاتورة سيف بلا غمد، والدَّين حارس لا ينام، والإيجار (…)
في «حكومة البياض»، لم يُفرض علينا الروتين بالقوة؛ نحن من اخترناه حين تعبنا من الحروب والصراعات. الروتين هنا كائن بلا جفون؛ لا يرمش ولا ينام. يُعقَّم بانتظام، ويُقطَّر قطرةً قطرة. منذ قرنين؛ (…)
قال عنترة: «فوددتُ تقبيلَ السيوفِ لأنّها لمعتْ كبارقِ ثغركِ المتبسّمِ» يقال: «لكل مقام مقال»، لكن للشاعر ما لا يجوز لغيره؛ له أن يخلط بين مقام الغزل ومقام الحرب، وأن يرى في لمعان السيوف بريق (…)
جلس أحمد في آخر القاعة، وفي يده ورقة بيضاء. كانت زوجته نور — التي كان يناديها «رحمة» في أوراق المحكمة — أمامه بمقعدين، ترتدي الحجاب الأسود، وتضع حقيبتها السوداء إلى جوارها. لم تلتفت إليه منذ (…)
حين يطمئن الوجدان إلى الحقيقة، يسقط عنه عبء الحراسة. لا يعود بحاجة إلى وصيٍّ يفكر عنه، ولا إلى جيوش تسوق الناس إليها، ولا إلى أسوار عالية تُقام حولها بحجة حمايتها. العقيدة الواثقة لا ترتجف أمام (…)
أخطر أشكال التزييف ليس ما يمسّ وجه الدنيا، بل ما يتسلّل إلى أفق الآخرة. إنه استغلالٌ يستعير من المقدّس هيبته، ومن الإيمان نوره، ليحوّل الرسالة التي جاءت لكسر الأغلال إلى أغلالٍ جديدة من التبعية؛ (…)
من يتأمل صمود الغزاويين يدرك أن في الإنسان مساحةً عصيّة على الاحتلال؛ مساحة لا تُرى بالعين، ولا تُحبس بالأسلاك والجدران. قد تضيق، لكنها لا تختفي. قد تُرهق، لكنها لا تموت. ومن هذه المساحة تبدأ (…)
ليس الجوعُ فراغًا في المعدة. الجوعُ يوقظ السؤال: لماذا ليَ الجوع، ولكَ الموائد؟ لماذا أزرع الأرض بيدي، ولا يبقى لي منها إلا غبار الطريق؟ لماذا أسقيها عرقي، ثم يكون ثمرها لغيري؟ ولماذا حين أمدُّ (…)
في البيت ينهض مع الفجر، كأن بينه وبين الضياء ميثاقًا قديمًا لا يُنقض. لا يوقظه صخب منبّه؛ تكفيه رعشة الصباح الأولى، وانبثاق النور على جفنيه، ليعرف أن يومًا جديدًا أُودع بين يديه أمانة. يتوضأ، (…)
كتابٌ واحد نتلوه، وقبلةٌ واحدة نسجد إليها، ونبيٌّ واحد نصلّي عليه... ثم انقسمنا إلى قبائل من الشعارات. المصحف واحد، لكن الجماعات التي تتحدث باسم الدين كثيرة؛ لكل منها خطابها وقياداتها (…)