آليات التدجين باسم الدين
أخطر أشكال التزييف ليس ما يمسّ وجه الدنيا، بل ما يتسلّل إلى أفق الآخرة.
إنه استغلالٌ يستعير من المقدّس هيبته، ومن الإيمان نوره، ليحوّل الرسالة التي جاءت لكسر الأغلال إلى أغلالٍ جديدة من التبعية؛ فيمنح سلطة البشر قداسةً لا تُمسّ، ويجعل من النقاش جريمة، ومن السؤال خطيئة، ومن محاولة التثبّت خروجًا على الدين.
وهنا تبدأ صناعة التجهيل.
يُزرع في الإنسان وهمٌ قاتل: أن صلته بالخالق لا تصحّ إلا عبر بوابتهم، وأن الحقيقة حكرٌ عليهم؛ كما قال تعالى:
مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى.
المشكلة ليست في الدين؛ فالدين هدايةٌ تهذّب الروح، وإنما في إنزاله من مقام النور إلى مقام الأداة، وتحويل العلاقة الروحية إلى وصايةٍ أرضية ترتدي ثوب القداسة.
وحين تُفصل العاطفة الدينية عن الفطنة، يُعطَّل العقل باسم الدين، ويتّسع الوهم على حساب اليقين، ويُرفع اجتهاد البشر إلى مرتبة النصّ المقدّس.
والتاريخ يشهد: من صكوك الغفران إلى يومنا هذا، لم يكن الوحي مصدر الخطر، بل كان الخطر دائمًا في اللحظة التي يقف فيها بشرٌ على عتبة المقدّس، ليطالبوك بالانحناء لظلّهم.
عندها يبدأ التدجين بثلاث خطوات:
لا تسأل؛ فيُغلق باب المعرفة.
لا تناقش؛ فيُفرض عليك الصمت.
دعنا نفكّر عنك؛ فتُسلب إرادتك.
وبمرور الوقت، يتكلّس العقل حتى يرى القيد عبادة، والصمت صبرًا، والخضوع طاعة. ويُلبس الجور ثوب القدر، ليُعفى الظالم من المساءلة، ويُطلب من المظلوم أن يحتسب بدل أن يسأل: من الذي ظلمه؟
وهذه هي الحيلة الأعتى: أن يُدفع المظلوم إلى التفتيش عن العيب في نفسه، لا عن اليد التي كسرتْه.
والفرق بين الإيمان والوصاية واضحٌ كالشمس:
الإيمان: اقتناعٌ حر، وبصيرةٌ تستضيء بالمعرفة.
الوصاية: طاعةٌ تُنتزع بالخوف، ويحرسها التكفير والإقصاء.
الدين الذي يوقظ الضمير لا يرتعب من العقل، والإيمان الذي يمنح السكينة لا يفزع من البحث الصادق.
فالسماء لا تحتاج إلى وكلاء على الأرض؛ الأرض هي التي تحتاج إلى عقولٍ ترفض المتاجرة باسم السماء.
فالإيمان الذي يحرّر لا يخشى النور، والحق الذي يثق بنفسه لا يخاف الحرية.
