الأحد ٢٣ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم هاني غيلان عبد القادر

وطن نغادره ولا يغادرنا

(1) حين يصبح الرحيل حلمًا

المفارقة المؤلمة أن يكون الوطن أحب الأشياء إلى قلوبنا، وفي الوقت نفسه المكان الذي صار العيش فيه شاقًا، حتى غدا الرحيل حلمًا يراود كثيرًا من أبنائه.

غادر كثيرون اليمن بأجسادهم، وبقوا فيه وجدانيًا. وبقي آخرون فيه، وقد غادرتهم الحياة التي ألفوها.

المغترب يحن إلى العودة ثم يخافها. والشاب يحلم بالسفر، لا كرهًا بأرضه، بل بحثًا عن حياة طبيعية. أما الأم فتتمنى بقاء أبنائها بجوارها، وهي تعرف أن هذا البقاء قد يكلفهم مستقبلهم.

حتى الأحياء والقرى والمدن بقيت في أماكنها، لكن علاقتنا بها تغيّرت.

فالوطن ليس مسقط رأس فحسب؛ إنه المكان الذي تكون فيه الحياة ممكنة، وحقك لا يحتاج إلى معركة، ومغادرته ليست الحلم الوحيد.

(2) الانتظار

لم نعد نترقب نهاية الحرب وحدها؛ صرنا نترقب انفراجًا في كل تفاصيل حياتنا.

الموظف ينتظر راتبًا، والخريج عملًا، والطالب تعليمًا، والأم ابنًا، والمغترب عودة، والمريض علاجًا. ونحن جميعًا نترقب صباحًا أقل قسوة من الذي سبقه.

لا نريد معجزة؛ نريد حقنا البديهي: أن نؤمن بالغد بدل أن نستجديه.

وحين يتحول وعد الغد إلى تأجيل دائم، يصبح الانتظار عادة.

والانتظار الطويل لا يورث التعب فقط؛ إنه يعيد تشكيلنا. نبدأ بتوقع الخسارة قبل وقوعها، ويغدو الأمل نفسه بعيدًا، كأنه شطحة من الخيال.

(3) جيل لم يعرف الاستقرار

يسأل طفل أباه عن تفاصيل كانت عادية ذات يوم:

كيف كانت الرحلات المدرسية؟

كيف كنتم تسافرون من صنعاء إلى عدن؟

كيف كنتم تقضون الإجازات؟

وهل كان الراتب يأتي في موعده؟

يجيب الأب، ثم يخيم عليه الصمت.

فهو لا يروي تفاصيل طفولته فقط، بل يحكي عن بلدٍ حُرم ابنه من معرفته.

سنوات الصراع لم تسلبنا حاضرنا فقط، بل عزلت جيلًا كاملًا عن ذاكرة أرضه. جيل يعرف اليمن من الصور والحكايات، لا من شوارعها ومدارسها وأعيادها.

أبناؤنا لا يحتاجون إلى استعادة الوطن الذي كان، بقدر ما يحتاجون إلى وطن يمكن أن يكون.

(4) الذكريات

الوطن ليس خريطة صماء؛ إنه شعور يتسلل إلى أعماقنا ببطء، حتى يصبح جزءًا من كينونتنا.

رجل في بلاد بعيدة تصادفه أغنية «ارجع لحولك»، فيتسمّر في مكانه، وتفيض عيناه.

لم تعد الأغنية لحنًا؛ صارت بيتًا قديمًا، ورائحة أم، وذكريات طفولة.

تلك المباني الشاهقة تذكّره بقلاع اليمن وحصونها، وتلك الهضاب المكسوة بالثلج تستدعي مدرّجاتها الخضراء، وحتى البرد القارس يعيد إليه دفء بلاده ونسيمها العليل.

نحن لا نشتاق إلى الجغرافيا وحدها، بل إلى نسخة قديمة منّا عاشت هناك: إلى رائحة الخبز والقهوة، وضجيج الأسواق، والأعياد، والجيران، وتلك التفاصيل الصغيرة التي لم ندرك قيمتها إلا بعد الابتعاد.

لهذا قد يقطع الإنسان آلاف الكيلومترات، لكنه يعجز عن قطع المسافة بينه وبين ذاكرته.

كثيرًا ما نغادر الوطن، لكنه لا يغادرنا.

(5) الثقة

قد تضع الحرب أوزارها، لكن توقف القتال لا يعني زوال آثاره.

فالصراع يهدم شيئًا أصعب من المباني: الثقة.

تآكلت الثقة بالجماعات والأحزاب والنخب، ثم امتدت إلى الجسد الاجتماعي نفسه. فأصبح الخوف يحكم علاقة الفرد بالآخر، وأصبح الاختلاف خصومة.

لكن الأخطر هو فقدان الثقة بالمستقبل.

حين يفقد الإنسان إيمانه بالغد، يتحول السؤال من: «كيف ننجو جميعًا؟» إلى: «كيف أنجو بنفسي؟»

وهنا تبدأ الخسارة الأعمق؛ حين لا تعود الحرب خرابًا في الخارج فقط، بل تصبح ندبةً تستوطن الأرواح، وتشوه نظرتنا إلى بعضنا وإلى المستقبل.

(6) النصر

النصر ليس راية تُرفع، بل دولة تجعل الجميع رابحين.

ما قيمة انتصار يخرج منه البلد منهكًا، ومؤسساته مدمّرة، ومجتمعه منقسمًا؟

السيطرة على الأرض لا تعني القدرة على بناء الدولة.

والسلطة التي تحكم بلدًا ولا تستطيع إدارته، أو حماية مواطنيه، أو تعليم أطفاله، أو رعاية مرضاه، لم تنتصر حقًا؛ لقد سيطرت على الأرض، لكنها لم تبنِ دولة.

السؤال إذن ليس: من سينتصر؟

بل: كيف سيعيش الجميع في بلد واحد بعد انتهاء الحرب؟

اليمن لا يحتاج إلى سلطة تنتصر على المجتمع، بل إلى دولة تنتصر له.

(7) اعتذار

في الخيال، تجلس اليمن على رأس طاولة طويلة.

لا تحمل خريطة، ولا مذهبًا، ولا منصبًا، ولا شعار حزب؛ تحمل قائمة بأسماء ضحايا الحرب.

تضعها أمام السياسيين وتسأل:

«ماذا فعلتم بالتعليم والصحة؟

ماذا تقولون لشاب اضطر إلى المغادرة؟ ولأسرة تفككت؟ ولجيل لم يعرف أرضه إلا عبر طبول الحرب ودخانها؟»

يصمتون.

تمر لحظة ثقيلة.

ثم تقول:

«خذوا الثروات والكراسي والمناصب. لا أريد أن ينتصر طرف على آخر، ولا أريد اعتذارات أمام الكاميرات.

أريد أفعالًا.

أريد دولة تعيد للمواطن كرامته، وللمؤسسة معناها، وللمدرسة دورها، وللمستشفى وظيفته.

أريد وطنًا لا يضطر أبناؤه إلى الاختيار بين حبّه ومستقبلهم.

أريد أرضًا ينشأ فيها الطفل وهو يعرف أن الوطن ليس حكاية يرويها الأب عن زمن مضى، بل مكان يستطيع أن يعيش فيه، ويحلم، ويبدع، ويختلف، وينتقد.»

ثم تنهض اليمن وتمضي.

وتبقى القائمة على الطاولة أمام السياسيين.

أفدح ما يصيب وطنًا ليس أن يغادره أبناؤه، بل أن ينشأ فيه جيل يعتقد أن الوطن حنينٌ يُروى، لا واقعٌ يُعاش.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى