الخميس ٢ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم هاني غيلان عبد القادر

عشر رسائل خارج الإطار

(1)

رحل العقيدُ الذي سبقت صورتُه الشمسَ إلى الجدران،
وبقي صوته في المذياع… يقطر صديداً.
تنفّس الناس نصف يومٍ… بنصف رئة،
ثم اعتلى ابنه العرش؛
غلامٌ ترتجف على كتفيه رتبةٌ أكبر من عمره.
في الجنازة: دموعٌ موزونة، وأيدٍ تتمرّن على العزاء كأنه ميراث،
والوطن… بندٌ مؤجّل في دفتر التركة.
وحين أطلّ الفجر…
كان الوجه ذاته… ولكن باسمٍ آخر.

(2)

أنزلوا الصور عن جدران السبعين،
فتجمهر الناس أمام فراغٍ لم يألفوه.
صعد العمال بالسلم ذاته،
وبالحبال نفسها،
وبمسامير لم تبرد حرارتها بعد.
ضحكت عجوزٌ تبيع الريحان وقالت:
"تتبدّل الأسماء… والجدار يبقى مشغولاً".
لكنّ ثقب المسمار القديم…
كان ينزُّ ضياءً.

(3)

افترقنا عند أول الشارع:
طابورٌ للراتب… وطابورٌ للغاز.
للرغيف ثمنٌ باهظ لا يُدفع بالعملة.
ختم الموظف بطاقتي متماً:
"من فيض عطاياه".
كأن الراتب مكرمةٌ… لا حقٌّ مُستحق.
عند الغروب:
عدتُ بسلةٍ فارغة…
وعدٍ أثقل من الجوع.

(4)

المدرسة مبنى يتعلّم فيه الجدار كيف يتشقق،
وتتدرّب فيه الأحلام على السقوط المبكر.
سبورةٌ مشروخة،
ومعلّمٌ يقرأ الدرس كأنه يودّع الحياة.
الكتب تبدأ بصورته… وتنتهي بمديحه.
أغلقتُ النافذة في وجه الغبار…
لكن الضوء سبق يدي.

(5)

عاد ابني مطأطئ الرأس،
وفي دفتره حبرٌ أحمر فاقع يصرخ: "مخالفٌ للأدب!".
لأنه كتب في موضوع التعبير:
"نأكل الخبز ولو كان مرّاً… لكن الباطل لا يُبتلع".
أغلقتُ الستارة خوفاً، فالنوافذ عيونٌ متربصة،
فنظر إليّ وقال بيقين:
"الشمس يا أبي لا تستأذن الحراس".

(6)

عبروا البحر خفافاً،
فالموج لا يحتفظ بالأحلام الثقيلة.
تركوا الأبواب بلا طرقات،
والمفاتيح أمانة في أيدي الأمهات.
كاتبٌ يبيع قلمه في سوقٍ هجر القراءة،
وشاعرٌ يقايض قصيدته برغيف،
ومعلّمٌ يلوّح بشهادته… كمن يلوّح براية الهزيمة.
"كُلْ نصف رغيف اليوم…" قالت أمٌ لابنها،
وتأخر الغد كثيراً.

(7)

حين هدأ ضجيج الشعارات… سمعنا وجيب قلوبنا.
في الغرفة المجاورة،
أمعاء ابني تعتذر له عن الجوع.
لكنك يا رب تعلم كم هي نظيفةٌ هذه الأيادي؛
لم تتسلّق أكتاف الأزمات،
لم تصفّق لطاغية،
لم ترفع صورة بشر،
ولم تسبّح بحمدِ أحدٍ سواك.
حمدناك في طوابير الذل،
كسرنا التلفاز… ولم نكسر الصدى،
ومضغنا الصبر… حتى استحال خبزاً.
وفي النافذة:
شمسٌ مرسومة تقاوم عتمة الليل.

(8)

خرجتُ قبل أذان الفجر،
فالنوم أضيق من الحلم،
والوطن أضيق من تاج الملك.
الجدار مثقوبٌ كذاكرة وطنٍ منهك،
مررتُ أصابعي على الثقوب…
فتساقط غبار الشعارات الزائفة.
مرّ الضوء من خلالها عذباً ونظيفاً…
فالضوء هو الشيء الوحيد الذي لا يُشترى.

(9)

طلع النهار بلا خطاباتٍ عصماء،
وبلا ضجيج مواكب.
لم يتغيّر العالم في لحظة،
لكن شيئاً ثقيلاً في القلب انزاح.
لم نسلم من سقوط الصور فوق رؤوسنا…
إلا حين تجرأنا ورفعنا الرأس.
فتح الخباز فرنه،
ورفع البائع ستاره،
وطفلةٌ تراقب الأفق الباسم.
كان كل شيء عفوياً وعادياً…
ولهذا كان حراً وخفيفاً.

(10)
وغداً…
حين تصير الألقاب عابرة وخفيفة على الذاكرة،
وتتآكل الصور على جدران السبعين…
لن تتغيّر الشمس.
سيفتح الخباز فرنه كالمعتاد،
وتعود زوجتي بما يكفي من القوت،
ويمشي ابني إلى مدرسته مرفوع الهامة.
أما ميدان السبعين… فسيبقى حراً بلا صور.
نمرّ به ذات يوم… ونضحك ملء قلوبنا على ما كان يُبكينا.
التفتُّ التفاتةً أخيرة…
كان الجدار عارياً تماماً إلا من ثقبٍ صغير،
منه يدخل الضوء إلى قلوبنا كل صباح.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى