السبت ٢٠ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم نجاة بقاش

حين لا يقرأ الوطن..

أكتبُ إليكِ، وقد انطفأ الرجاء، كل الرجاءْ.. لم أعد أشكو إليكِ الجفاءْ.. ولم أعد أرجو من الثناءْ بهاه..

فالرسائل التي لا تجد من يقرأها.. تجد للسراب معناه.. يذوبُ الحرف على صفحاتِ الهوى.. ويضيعُ في الصمتِ خطاه...كلماتٌ إذا لم تحط الرحال.. تضيع في التيه مغناه..أسرارٌ تكبرُ في صدرِ الجوا.. يخرسُ الليلُ قبل أن يبدي نجواه.. وقصائدُ عشقٍ لم يكتب لها.. يذرفُ الدمعُ قبل أن يبلغَ مداه.. ويبقى الليل على جمره ليلا.. حتى يذوبَ في الصبحِ ضحاه.

إذا كنتُ قد ألتزمت الصمت والصيام.. فلماذا تقيم طقوس الجهر بالغياب.. أنا لم أرضَ أن يلبسني ثوب الحرمان.. لماذا صفقت أنت لصوت الطغيان.. كم كنتُ أخشى أن أراكَ، تركض تابعا في حلقةٍ جوفاء.. أو تصير طبلًا في جوقةٍ هوجاء.. صفوف جاءت من كل الأرجاء.. وجوهِ تُقصي صوتَ الحق عن مغناه.

واليومَ، لم أعدْ أخشى الموتَ بقدر ما.. أخشى أن يسبقني الفناءُ قبل أن أبوحَ بالسر ومغناه.. أخشى أن يلتهمني الصمتُ قبل.. أن أضعَ معلقتي على بابِ الصلحاء.. كمن يعلّقُ أملَه الأخيرَ على قارعةِ الغرباءِ.. يا وطنًا قد طال فجر ضحاه.. يُقصي الأصواتَ تحت طائلةِ من يهواه.. يا وطنًا يُدارُ بالمصالحِ، لا يُصغي لنبضِ جراحِ من رجاه.. يحنُّ لمن تركه في ليلةٍ ظلماء، ويتنكرُ لمن أخلص وهام في دعواه..

من شرفاتِ الانتظار كتبتُ لك: أهواك.. لوّحتُ بوشاحٍ تاهَ في مداه.. أرسلتُ قلبي لقلبه مع التيار.. فلا عادَ الأول، ولا عادَ الثاني إلى مرساه.. لم يقرأْ رسائلي ولم يرتجف فيه رجاء.. ولم يرتبك الفؤاد ولا الوجدانُ في نجواه.. لم أطلبْ منك مالًا ولا جاهًا.. ويلٌ لمن ظن عكس ذلك في ثناياه.. أردتُ أن تعرفني حين تمرُّ على عتبة المنسيين.. كمن يلتمس في الريح عطره وشذاه.. وأن تلتفتَ إليّ حين.. يضيعُ بين أوراقِ الياسمينِ صباه..

يا وطنًا جعلتني حبلى بالأحزان.. أخاطبُكَ لا بالكراهية بل ثكلى قبل الأوان.. فهمتُ، كما فهمت أنت، أن المرسالِ بلغ مثواه.. ختم بختمِ الصمتِ قبل أن يبلغَ منتهاه.. وأدركتُ أني لم أكن أعنيك.. بل كنتُ أعني أثرَ صوتي يبتعدُ عن خطاه.. صرتُ أراك لا أرضًا ولا سماء، بل فراغًا موصدا لا أمل نترجاه..
حلمًا ارتمى في حضنِ الفناء.. نسيَ الرجوع إلى أول مداه..

وحين تعبَ صوتي من النداء، لم أعد أبحثُ عن نفسي فيكَ، بل عن "أنا" التي ضاعت حسرةً عليك.. فلم أجدْ سوى صدىً يشبهُني، لكنه لا ينطقني، ولا يحمل وجعَ من والاك..

حينها أدركتُ أن الخسارةَ ليست في الغياب، بل في أني طرقْتُ بابًا لا يقفُ خلفه أحد.. فمضيتُ تاركةً كلَّ ما فيك.. وتركتُ بابَ اللا-مكانِ مواربًا على منتهاه.. وفي ظلمةِ مداها، صارَ الوطنُ حضنًا لا يرحم، ابتلعَ كلينا.. أنا وأنت..

هكذا مضيت دونَ أن ألتفت إليك.. لا لأنني شفيت أو نسيت.. بل لأنكَ علّمتني ألا أميز بين الاثنين.. الطريقِ الذي يوصلُ إليكَ والطريقِ الذي يبتلعُ خطاك.. هكذا صرنا نحنِ الاثنين.. خسرتُكَ أنا، وخسرت أنت كلَّ من عليكَ.. حين لا يقرأُ الوطن، يموت المعنى.. ويذوب كل من عليه..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى