حمل شاق
شعرت بالخجل وهي تدخل الشركة متأخرة مرة أخرى. كثرت حججها، حتى أصبحت مهددة بالتوقف عن العمل. تكون آخر الملتحقين بالعمل، وأول المغادرين له. انها زينب. لها طفل صغير، فهي التي تتحمل مسئولية اصطحابه الى الروضة والعودة منها. وغالبا ما تضطر الى احضاره الى مقر عملها لعدم وجود من يرعاه. قلت لها يوما "لماذا لا تتركيه بالبيت مع أبيه؟" ابتسمت بشكل آلي وقالت لي بصوت خافت "أنت لا تعرفينه. زوجي، شديد القسوة ولا يتحمل رعاية طفل في هذا السن؟" لم أفهم كيف تبرر سلوكه. قلت لها وهي منهمكة في مراجعة بعض الأوراق التي تراكمت عليها فوق مكتبها" زوجك له الوقت الكافي ليأخذه الى الروضة ويحضره، خصوصا أنه تاجر، يتحكم في وقته." ابتسمت من جديد بكل لطف وقالت لي" لقد حاولت معه. وفي كل مرة يقول لي، الطفل مهمتك أنت. تصرفي. أنا غير مسئول." وأضافت كأنها كانت تنتظر الفرصة لكي تحكي" خناقات يومية حول هذا الموضوع. هو عارف انني مهددة بالطرد من العمل، مع ذلك مصمم على رأيه." اقتربت منها وقلت لها بكل هدوء" اسمعيني، بما أنك تجدين دائما الحلول ولو على حساب عملك، هو لن يهتم. يجب عليك تغيير سلوكك اتجاهه" أصابها الهلع كأنها سمعت خبرا غير مفرح. حاولت تهدئتها وشرحت لها أنها فقط يجب أن تحمله مسئوليته ولا تستسلم.
ابتسمت كأنها وجدت حلا لعملية معقدة واتجهت بنظراتها صوب نافذة مكتبها ثم قالت لي بكل ثقة" كلامك عين الصواب. لقد تنازلت كثيرا وحان الوقت ليتغير هذا الوضع."
كانت عيناها تحملان شعلة من التحدي والرغبة في التغيير. سلمت علي وخرجت خروج المنتصرين رغم أنها كانت في بداية طريق جديد.
وتوالت الأيام، التقيتها يوما، كانت مبتهجة ومقبلة على العمل بحماس كبير. سألتها "هل هناك جديد؟" أجابتني بإشارة من يدها تحمل بشائر النصر..
مكياج العقل
كانت سيدة أنيقة، تهتم كثيرا بلباسها ومكياجها. كل خطوة عندها محسوبة ومدققة. لا يمكن ان ترتدي أي فستان بدون ان تدقق في الألوان وما هي الموضة هذه السنة. تطيل النظر الى المرآة حتى تنسى أن تتناول فطورها. هي هكذا دائما، قالت يوما لأحدى صديقاتها "إذا خرجت من دون مكياج، ينتابني شعور بأنني عارية" يسيطر عليها إحساس غريب كلما فكرت في الخروج من دون الماكياج. ولا اللبس المناسب الغالي الثمن. سألتها يوما صديقتها:" أنك تبالغين في مكياجك. ماذا سيحصل لو خففت منه؟" تارت ثائرتها وقالت لها: "لا أستطيع".
توالت السنين، وهي في صراع مع الزمن والمكياج واللباس، روتين يومي يبدأ بالمرآة وينتهي بالمرآة. كانت يوما في لقاء عمل، وتفاجأت أن التي تديره هي صديقتها التي كانت تحاول أن تشوش على أسلوب حياتها. انتهى اللقاء، وهي صامتة، تائهة بأفكارها. باغتتها صديقتها قائلة: "أهلا بك، ما رأيك؟ "لم تفهم كيف مر كل هذا الوقت وهي في مكانها، وصديقتها أصبحت مسئولة عن قسم بأكمله في الشركة مع أنها كانت من الأوائل الذين التحقوا للعمل فيها..
سألتها بصوت متردد وخجول: "كيف ومتى حصلت على هذه المسئولية الجديدة؟"
اقتربت منها أكثر وقالت لها: "كنت ابحث عن مكياج آخر."
زواج غلط
تنتمي فاطمة الى أسرة فقيرة، تتكون من ستة أفراد. الأب مريض لا يستطيع العمل، بثرت يده يوما لما كان يشتغل بإحدى الشركات. واضطرت الأم العمل بالبيوت. بيت جد صغير في احدى الأحياء الشعبية. لا نوافذ ولا نور يدخل اليه حتى يعيد اليه بهجة الحياة. يظل باب البيت مفتوحا طوال اليوم، حتى تزوره الشمس والرياح وتنظفه من بواقي النوم. الحياة عند عائلة فاطمة، صعبة وشاقة ولا تعاش بسهولة. في يوم غائم، لا شمس فيه ولا مطر، غيوم ورياح تدق طبولها بقوة كأنها تعلن حالة حرب على الفقراء. زارهم رجل يطلب الزواج من فاطمة. كانت فرحة كبيرة استوطنت البيت الغائم، وحمدوا الله على هذه الفسحة التي أعادت إليهم نور الحياة ولو قليلا. تزوجت فاطمة، ورحلت الى بيت آخر، تسكنه هي وزوجها. مرت الأيام تتسارع كشلال في أعالي الجبال، أنجبت فاطمة ولدا وبنتا. كانت تساعد في مصروف البيت بالعمل في البيوت كأمها. كأنه قدر الفقراء أن يعيدوا انتاج وسطهم الاجتماعي. جاءت يوما تبكي حالها لأمها، وتصرخ وتطلب حلا لحياتها البئيسة. سألتها عن السبب. قالت فاطمة وهي تصرخ" زوجي رجل أحمق. يحتاج الى طبيب." حاولت الأم أن تهدئ من روعها وأن تشرح لها بأن كل الرجال حمقى. وأضافت "انظري الى أبيك، هل تعتقدين أنه رجل سوي. انه مجنون ومع ذلك أنا صبرت ولم أعد أهتم له." انتفضت فاطمة وصرخت بكل قوتها الكامنة بجسدها وروحها وقالت: "انه ليس مثل أبي. انه مجنون. صرت أخاف منه. لا أستطيع العيش معه."
تدخل والدها ليضع حدا لهذه الوضعية الصعبة والمؤلمة في نفس الآن. لأنه يعلم أن لا مكان لها ولا لولديها في البيت. وذلك الركن الصغير الدي كانت تحتله سابقا، قد صار من نصيب أختها الصغرى. قال لها بصوت صارم" ممنوع الطلاق يا فاطمة. يجب عليك أن تساعدي زوجك حتى يعود الى حالته الطبيعية." تارت ثائرتها وانزوت في ذلك الركن الصغيرمن الغرفة الوحيدة في البيت، وقالت لهما بصوت حزين "إذا رجعت الى البيت، سيقتلني. " استوطن المكان، صمت ثقيل كصمت الكهوف، قامت فاطمة تدك الأرض بقدميها دكا وتلعن حياتها التي توقفت عند بيت صغير بلا نوافذ. خرجت، لكنها لم تعد.
