الجمعة ٢٢ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

أنا… تقريبًا

لا أبتسم
لأنّ الوجوه التي عبرتني
تركت على فمي صدوعًا صغيرة
كلّما حاولتُ ترميمها
تساقط منها الكلام.
ولا أضحك
لأنّ الضحكة تشبه نافذةً مفتوحة
في بيتٍ مهجور،
وكلّما دخلها الهواء
تحرّكت الكراسي الفارغة
كأنّ الذين رحلوا
عادوا قليلًا

ثمّ تذكّروا موتهم
وغادروا من جديد.

أنا لا أحزن أيضًا
لكنّ قلبي
يشبه مدينةً انطفأت كهرباؤها
منذ سنوات،
والناس فيها
يتحسّسون الطرقات بأيديهم
كي لا يسقطوا في الحفر
التي حفرتها الخيبة.

في داخلي
ساعة معطوبة
تشير دائمًا
إلى وقتٍ لا يحدث.
كلّ شيءٍ يتأخر
حتى النسيان.

أفتح النافذة أحيانًا
فلا يدخل الضوء،
كأنّ النهار نفسه
نسي عنواني،
أو لعلّه مرّ من هنا
ورأى هذا الخراب الصامت
فأكمل طريقه
نحو بيوتٍ أكثر قابليةً للحياة.

لا أبتسم
لأنّني جرّبت كثيرًا
أن أبدو بخير،
وكنت كلّ مرة
أشبه ممثلًا متعبًا
نسي النصّ
فراح يرتجل حياةً كاملة
فوق خشبةٍ فارغة.

أصدقائي يقولون:
أنت هادئ أكثر من اللازم.
ولا أحد يعرف
أنّ الهدوء ليس فضيلة دائمًا،
أحيانًا
يكون مقبرةً واسعة
دُفنت فيها الصرخات
دون شاهد قبر.

أنا الذي
حين أجلس وحدي
أسمع ارتطام الأيام
بجدار العمر،
وأرى الوقت
يتساقط من يديّ
مثل ماءٍ مثقوب.

حتى المرآة
لم تعد تنظر إليّ بثقة،
كلما وقفت أمامها
بدت مرتبكة،
كأنّها ترى شخصًا
يتحوّل ببطء
إلى غيابه.

لا أبتسم
لأنّ الأشياء الصغيرة
التي كانت تُنقذني
اختفت واحدةً واحدة.

أمشي كثيرًا
كي أتعب فقط،
لا لأنّ هناك مكانًا أصل إليه.
المدن كلها
تتشابه حين تكون الروح متعبة،
والمقاهي أيضًا
مجرد كراسٍ إضافية
لوحدةٍ أكبر.

هناك تعبٌ قديم
يسكن عظامي،
ليس تعب العمل
ولا السهر،
بل تعب أن تكون حيًا
أكثر مما ينبغي.

أحيانًا
أشعر أنّ رأسي
غرفةٌ ضيقة
تمتلئ بأصواتٍ قديمة،
أبواب تُغلق،
خطوات تبتعد،
أسماء تُنادى
ولا يجيبها أحد.

كلّ الذين وعدوا بالبقاء
تركوا كراسيهم فارغة،
وأخذوا معهم
النسخة الوحيدة
من الطمأنينة.

لا أبتسم
لأنّني تعبت من ترميم نفسي.
كلّما أصلحت جزءًا مني
انهار جزءٌ آخر،
كبيتٍ قديم
يقاوم السقوط
بالاعتياد فقط.
حتى أحلامي
لم تعد تركض نحوي،
صارت تمشي ببطء
كأنّها تخشى الوصول.

أجلس طويلًا
أمام فناجين القهوة الباردة،
وأفكر
كم يشبهني هذا السائل الداكن:
مرّ،
صامت،
ويترك أثره
في القاع فقط.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى