استشراف النهاية في القصائد الأخيرة لشعراء الهايكو
مرةً سأل کونفوشيوس بعض تلامذته.. ما الموت؟ وأجابهم: هل عرفنا الحياة حتى نعرف الموت؟، ومن مأساة الانسان إزاء الموت بدأ التكوين الأدبي في العالم، فالملاحم السامية القديمة هي التي رسمت الخطوط العريضة لهذا التكوين الأدبي التي تتركز حول الموت، ولا تزال حتى الان الينبوع الذي يغرف منه الأدب في الدنيا كلها، فالأديب الموهوب يستمد إلهامه من هذه المأساة الدامية الحفيلة بالغصات والآهات، والتي لا تنتهي آلامها. يقول سارتر: ان أزمة الكاتب الحديث هو الجوع، فيجب ان يكافحه كيلا يكون في خدمة طبقة معينة تمتص دماء الآخرين، وأثار هذا الحديث الكثير من الجدل والنقاش حتى رد عليه كاتب فرنسي آخر: إن أزمة الكاتب الحقيقية هو الموت، فهو مأساة الانسان في كل زمان ومكان.
إذن، الحياة والموت وجهان لحالة واحدة، ولا يمكن لأي بشر أن ينفي إحساسه بهما غير أن إحساس الشاعر بهما أعمق، لعلها الحساسية المفرطة. وقدرته على رؤية مالا يراه الآخرون، والتفكير بـ الثنائية على قدر اتساع الرؤية أو ضيقها، فالإحساس والتفكير بهما هيمنا على روح شعراء الهايكو للمعاناة الحادة التي تسكن وجداناتهم التي تضاد مع الحياة الموضوعية وبنيتها الاجتماعية التي تفترق عن الحياة المجترحة من احساساتهم التواقة إلى عالم الحلم والمثال.
وفي اليابان، كما في أماكن أخرى من العالم، أصبح من المعتاد أن يكتب المرء وصيته استعداداً للوفاة، ولكن تبقى الثقافة اليابانية تملك خصوصيتها في هذا المجال أيضاً، إذ يقوم الشخص بنظم "قصيدة وداع للحياة" على شكل نصائح ومناشدات للناجين بشأن سلوكهم الأخلاقي أو الاجتماعي أو نوعاً من التحية الأخيرة، وذلك كعادة اليابانيين حيث يتعلمون منذ صغرهم المئات من أشكال المخاطبة المهذبة حتى يكونوا مستعدين لكل موقف اجتماعي محتمل، ولكن هل ينبغي لنا إذن أن نعتبر قصائد الهايكو الخاصة بالموت بمثابة تحية أخيرة؟ أم هي ترك إرث روحي للأجيال القادمة..
وقبل أن نعرج على قصائد الشعراء لابد من تعريف بسيط لقصائد الهايكو التي هي نتاج دمج مقطعين في اليابانية القديمة: "هاي" وتعني للإمتاع أو الإضحاك، أما "كو" فتعني لفظة أو كلمة، وتعنيان المزاح والتسلية وقصيدة المطلع، وغالباً ما تنقل قصيدة الهايكو مشهداً أو عنصراً من مشهد، أو منظراً طبيعياً فريداً، أو انطباعاً يتراوح بين الشكوى والفرح والإعجاب والألم والخفة والمزاح، وغيرها، على أن يخضع انتقاء العبارات ذات المقاطع الصوتية الملائمة لأدق المعايير الصوتية والنغمية ذات الإيحاء والفرادة.
وأهم ما يميز الهايكو، من حيث شكله، هو القِصَر إذ لا يتعدى حجمه الأسطر الثلاثة، يتألف كل منها من مقاطع صوتية موزعة على الشكل الآتي:(5-7-5). وقد يكون المقطع الصوتي كلمةً تامةً، أو كلمة وحروفاً معينة، وهكذا دواليك في السطر الثاني والثالث. إذ يُكتب الهايكو على يمين الصفحة، ومن الأعلى إلى الأسفل.
وفيما يلي نعرض بعض القصائد الأخيرة لشعراء الهايكو وأعني القصيدة الأخيرة والختامية لهم كهمسة وداع أو ربما كوصية لتبقى محفوظة في أذهان الأجيال القادمة ...
نبدأها بالشاعر الياباني باشو Basho (1644-1694) هو أستاذ ومعلم شعر الهايكو الياباني وأهم شاعر في جيله وعصره حينذاك، إن عبقرية باشو تتجلى في رفع شعر الهايكو في عصره الى بساطة مطلقة وجمالية روحية مكثفة، من أهم أعماله الشعرية (عن الحب والشعير) و(الطريق الضيق إلى الأعماق).
توفي باشو في اليوم الثاني عشر من شهر تشرين الأول سنة 1694 عن عمر يناهز الحادية والخمسين يقول:
في الرحلة، مريضاً:
حلمي يتجول
فوق الحقول الذابلة
هذه هي القصيدة الأخيرة لأحد أعظم شعراء الهايكو. أصيب باشو بمرض خطير في إحدى رحلاته، وعندما أشار تلاميذه إلى أنه يجب أن يترك قصيدة وداع، أجاب أن أيًا من قصائده يمكن أن تكون قصيدة موته، ومع ذلك، في اليوم الثامن من الشهر العاشر، بعد أن جمع تلاميذه حول سريره، كتب هذه القصيدة، وتوفي بعد أربعة أيام، وبقيت روائعه الشعرية، تعكس حياته التي قضاها في الأسفار، مما جعلت منه روحانيا على نحو مثالي، معبرا عن ذاته في دقة يتخللها الصفاء في التعبير والنقاء والأناقة في اللغة.
أما الشاعر شومبان "Shumpan " الذي كان أحد الساموراي السبعة والأربعين الذين انتقموا لمقتل سيدهم، وبذلك صدر أمر لهم بتنفيذ "السبوكو" (الانتحار الطقوسي). الشاعر يترك العالم وفقًا لتقاليد السبوكو، بحيث يغرز خنجرًا (يبقر) في بطنه، ويقوم شخص آخر واقف فوق الضحية بتوجيه "ضربة رحمة" عبر قطع رأسه، وتوفي في الشهر التالي بعد كتابة قصيدته هذه من عام 1703 عن عمر ناهز الرابعة والثلاثين..
الطائر الشتوي
ينتهي ريشه
منتوفاً
وفي مجال الهايكو النسائية، نجد الشاعرة SHUSHIKIJO "شوشيكجو" والتي توفيت في اليوم الخامس عشر من شهر نيسان عام 1725 عن عمر يناهز سبعة وخمسين عامًا:
أستيقظ، لأجدَ
السوسن الملوّن
رأيته في حلمي
وُلدت في عائلة تدير مخبزاً للكعك وتزوجت من عائلة تعمل في مجال التحف والبضائع المستعملة، وتعكس وجهة نظر مذهب الماهايانا في البوذية، والذي يختلف عن فرع الثيرافادا القديم، حيث يعبر مذهب الثيرافادا عن التنوير كيقظة من عالم الظواهر، الذي يُسمى "اللون" في الأدب البوذي، إلى عالم الحقيقة أو الفراغ (النيرفانا).
بينما يرى مذهب الماهايانا أن الفراغ ليس حالة تقف معارضة لعالم الظواهر، بل كل شيء حولنا هو الفراغ، والعالم بأشكاله وألوانه هو الفراغ، في قصيدة شوشيكجو، تستيقظ من عالم الأحلام المليء بالسوسن الملون إلى عالم الحقيقة، وهناك أيضًا تجد السوسن، والمعروف عنه أنه ينمو بجانب البحيرات والمستنقعات، ويصل ارتفاعه من خمسين إلى سبعين سنتيمترًا، ويزهر في أيار وحزيران بأزهار ذات لون أرجواني عميق، وقد تكون بعض أنواعه مزروعة وتظهر باللون الأبيض..
في الثيمة نفسها، نصادف الشاعر HAKUJUBo هاكو جوبو والذي توفي في السادس عشر من شهر حزيران عام 1817 يكتب قصيدته الأخيرة:
قلبي الهادئ
يرتحل
نحو السماء الغربية
أيضاً في القرن التاسع عشر نجد الشاعر بايكا Baika الذي توفي في اليوم الثالث من شهر آذار سنة 1843 عن عمر يناهز السبعين عاماً ينظم آخر كلماته:
أيها الناس، عندما ترون الدخان،
لا تعتقدوا
إنها من الحقول المحترقة
هنا يشير الشاعر إلى الدخان المتصاعد من حرق جسده وليس إلى الفلاحين الذين يحرقون الحقول اليابسة لتخصيب الأرض.
وإلى أوائل القرن العشرين نجد الشاعر Bokusui بوكوسوي الذي توفي في اليوم التاسع والعشرين من تشرين الثاني عام 1914 عن عمر يناهز الأربعين عاماً يكتب مرثيته الأخيرة:
كلمة وداع؟
الثلج الذائب
بلا رائحة
وعلى غراره نجد قرينه "ساروأ" Sarou الذي توفي في اليوم السابع والعشرين من أبريل عام 1923 عن عمر يناهز الثالثة والستين عامًا يخط آخر كلماته:
أزهار الكرز تسقط
على فطيرة
نصف مأكولة
القصائد من كتاب
Japanese Death Poems: Written by Zen Monks and Haiku Poets on the Verge of Death, compiled and introduction by: Yoel Hoffman, Tuttle publigshing , Tokyo , 1986.
