الأدب الممسوخ
حتى وقت قريب، كانت تقنيات الذكاء الاصطناعي حلماً بعيد المنال، أما اليوم فقد أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، وعندما نذكر مصطلح الذكاء الاصطناعي فإننا نقصد النماذج اللغوية التوليدية التي تولد النصوص اعتماداً على مدخلات المستخدم كالشات جي بي تي وغروك وديب سيك وغيرها.
تدربت هذه النماذج على كميات ضخمة من البيانات مما يتيح لها توليد مخرجات تبدو منطقية للإجابة عن العديد من الأسئلة والأوامر، مع الأخذ بعين الاعتبار هلوسة هذه النماذج أحياناً وتقديم نتائج خاطئة.
يشيع استخدام هذه التقنيات بشكل خاص بين مهندسي التكنولوجيا والكتّاب، في الحالة الأولى، يمكن اعتبارها مساعداً هندسياً، يتلقى الأوامر ويسرّع إنجاز الأعمال المطلوبة، وفي حال الاعتماد عليها بشكل مطلق، قد تظهر أخطاء في الأنظمة التقنية التي طورتها، مما يدفع المهندسين إلى تفعيل إمكانياتهم البشرية جزئياً أو كلياً لتصحيح المشكلات.
ومهما كانت الأضرار التقنية جسيمة، فإنها تبقى - في رأيي - أقل خطراً من الأضرار الأدبية؛ لأن أعطال الأنظمة يمكن رصدها وإصلاحها، أما تآكل الأسلوب والذائقة الأدبية فهو أكثر خفاءً وتأثيراً على المدى البعيد.
تكمن المشكلة في الاستخدام الثاني لنماذج الذكاء الاصطناعي، وهو في مجال الكتابة، وتشمل جميع أنواع الكتابة؛ الأدبية، والإعلامية، والأكاديمية وحتى الرسمية.
لا يمكننا بالتأكيد التخلي عن هذه الأدوات في الكتابة، فهي تمتلك إمكانيات جبارة، ولكن، كيف نستخدمها في الكتابة؟
من تجربتي الشخصية، اعتدت إرسال أي نص أكتبه إلى هذه النماذج بغرض التقييم وإبداء الملاحظات، كما اعتدت مناقشتها حول فكرة معينة قبل الكتابة عنها لاستكشاف وجهات نظر جديدة، وتوليد بعض الصور التي تضفي روحاً للنص. حرصت على ألا أقع في مصيدة الكتابة المباشرة من قِبل النموذج، ومع ذلك، تأثر أسلوبي في الكتابة سلباً بها رغم حرصي على استخدامها كمساعد لا كبديل.
منذ أيام، جاءني خاطر بمراجعة بعض كتاباتي القديمة على موقع ديوان العرب؛ الركن الثقافي الأقرب إلى قلبي والذي نشرت فيه أولى كتاباتي بعد أن بقيت حبيسة الدرج لسنوات طويلة.
عدت إلى منشوراتي القديمة لمقارنتها بمنشوراتي الجديدة، فوجدت أن أسلوبي، بفعل القراءة اليومية للنصوص التي ينتجها الآخرون من نماذج الذكاء الاصطناعي، قد تأثر، والنتيجة، أنني أصبحت أكتب -من حيث لا أشعر- بالطريقة ذاتها، وعلى خلاف ما توقعت، وجدت أن مقالاتي القديمة كانت أفضل بكثير من الجديدة.
ومن المفارقات التي تُضحك الثكلى، أنني قرأت منشوراً منذ أيام لكاتب يرفض استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في الكتابة ويثمّن جهود إحدى الحكومات العربية في قرارات اتخذتها لضبط استخدام الذكاء الاصطناعي، والطريف أن المنشور من كتابة هذه النماذج!
وفي موقف لا يقل فظاعةً، شاهدت منذ أيام نائباً عربياً يقرأ كلمته المكتوبة بهذه النماذج ويتلعثم بها، ناهيك عن التقارير الإعلامية والتدوينات ومقالات الرأي والنصوص الأدبية الممسوخة التي تثير في القارئ شعوراً بالغثيان.
ولكثرة النصوص التي قرأتها والمكتوبة بهذه النماذج، أستطيع في كثير من الحالات تمييزها عند قراءة الكلمات الأولى، حتى عندما يحاول الكاتب تغيير بعض التراكيب اللغوية والمفردات، وخلصت إلى نتيجة هامة، لا يكفي الاستخدام الحكيم لهذه النماذج، وإنما يجب الهرب من النصوص المكتوبة بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي كما يهرب المرء من الطاعون، ولهذا، علينا أن نعود إلى قراءة الكتب التي حافظت على حضور الكاتب وصوته قبل هيمنة هذه الأدوات.
وإن لم نفعل، سنفقد جزءاً كبيراً من متعة القراءة، وستختفي هوية كل كاتب لتذوب في هوية واحدة جامعة، وهي الآلة.
