الخميس ١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٥
قصة قصيرة
بقلم ناجي الخشناوي

المقالة الافتراضية

" نؤكّد من جديد التزامنا بمبادئ حريّة الصّحافة, وحرّية المعلومات وكذلك بمبادئ الاستقلال والتّعدّديّة والتّنوّع, وهي عناصر جوهريّة في مجتمع المعلومات, ومن الأمور الهامّة في مجتمع المعلومات حرّية التماس المعلومات وتلقّيها وإذاعتها واستعمالها لإحداث وتراكم ونشر المعرفة."

النقطة 55 من إعلان المبادئ لبناء مجتمع المعلومات.

القمة العالمية.

جنيف 2003 منشورات الأمم المتحدة
والاتحاد الدولي للاتصالات

" ينبغي لمجتمع المعلومات أن يحترم السّلم وأن يدافع عن القيم الأساسيّة مثل الحرّية والمساواة والتّضامن والمسؤوليّة المشتركة واحترام الطّبيعة."

• النقطة 56 من إعلان المبادئ لبناء مجتمع المعلومات.
القمة العالمية.

جنيف 2003 منشورات الأمم المتحدة
والاتحاد الدولي للاتصالات

لنفترض أنّه عندما طرق الصّباح باب غرفتي الباردة, حوالي السّاعة السّابعة إلا ّعشرين دقيقة, استقبلت يومي بكلّ تفاصيله. بدءا من صوت فيروز ينهمر على مسامّ جسدي من كلّ الجهات, إلى أن استقبلني رئيس تحرير الجريدة الوحيدة الّتي قبلت نشر مقالتي دون أدنى تحفّظ.

بعد أن أعلمني رئيس التّحرير أنّ قرّاء الجريدة إفتراضيّون, ولا خوف لا من مقصّه ولا من الرّقابة الأمنيّة, وطمأنني أنّ عقابي - إن حدث - سيكون افتراضيّا, فإن طردت من عملي فافتراضا, وإن سجنت وحوكمت صوريّا فافتراضا أيضا... طمأنني بهذا إذا ما أنا كتبت ـ فوق ورقاتي الافتراضيّةـ أمورا تتعلّق بقمع الرّأي ومصادرة حرّية التّعبير, و إلجام الحناجر عن"الصّراخ" داخل أسوار الجامعات والكلّيات, وعن عسكرة الشّوارع وانتهاك الحرمات الجسديّة والمعنويّة للمواطنين العاديّين بترصّد خطواتهم واعتقالهم ومطاردتهم وحضر تجوّلهم وسط الشّوارع ومراقبة حركاتهم وسكناتهم داخل المقاهي وبين جدران الحانات... وإجبارهم ـ في المخافر تحت الرّكل والشّتم طبعاـ على الالتزام بعدم التّعبير عن آرائهم مطلقا وطلب العفو, كتابيّا, عن نيّتهم في التّظاهر سلميّا!!! ( من أوكد شروط استمرار الأنظمة الافتراضية مدى الحياة, الكشف عن نوايا المواطنين ومصادرتها فورا !!!).

طمأنني, بل شجّعني, رئيس التّحرير لئلاّ أتردّد في القيام بتحقيقات ميدانية عن العاطلين المنثورين في المقاهي, والمتسوّلين المبعثرين في المنعطفات والأزقّة, واللّصوص المترصّدين لفرائسهم في وسائل النّقل العمومي... بل نبّهني إلى إمكانيّة إجراء حوار مع فتيات الأرصفة ليتحدّثن عن تجاربهنّ ومغامراتهنّ في الملاهي اللّيليّة وتحت أشجار الطّرقات السّريعة... أو فوق سطوح البنايات المظلمة...

بعد أن أعلمني رئيس التّحريرـ إعلاما افتراضيّا ـ بكلّ ما أسلفت ذكره ( وما نسيه الرّاوي أو تعمّد نسيانه ربّما),تبدّدت هواجسي وتماسكت في ارتباكي الّذي كان يطوّقني. نهضت ومددت كفّي للسيّد رئيس التّحرير مهنّئا إيّاه على جرأته وشجاعته في الدّفاع عن حرّية التّعبير عن الرّأي واحتضان الأقلام الحرّة, والأفكار الحرّة والحرّية الحرّة... صافحته بحرارة أسطوريّة, حتّى أنّي لم أخجل عندما استدرت خلف مكتبه من الجهة اليسرى واتّجهت نحوه أقبّل جبينه بحرارة مضاعفة, وتلقائيّة لم أعهدها في نفسي من قبل.

لم أصدّق عينيّ وهما تشرئبّان نحو ذراعيه القويّتين, أراهما ينفتحان على إتساعهما ويضمّان صدري النّحيل إلى ربطة عنقه المتدلّية فوق بطنه المنتفخة, حتّى خلت نفسي سألجه من الأمام أو ستبتلعني أمعاؤه!!! ولم أصدّق حروفه القويّة المتناثرة مع بصاقه اللّزج تنسكب كالضوء في ثقب أذني اليمنى عندما قال لي" أنت الصّحفي الّذي تحتاجه جريدتنا, وتفتقده صحافتنا." حتّى خيّل إليّ ـ ونحن متعانقان هكذا ـ أنّنا سننخرط في نوبة بكاء فرحا بلقائنا, وكأنّنا عاشقان فكّا أزرار خجلهما وباحا بعشقيهما شعرا ومجازا فوق صخرة سكّريّة دغدغت حبيباتها أمواج بحر شتوي...

عدّل ربطة عنقه الحمراء, عندما رنّ جرس الهاتف من فوق مكتبه العريض. تركه يرنّ طويلا, إلى أن استويت أنا في مقعدي قبالته ـ أين كنت أجلس ـ وانشغلت بمحفظتي الجلديّة أقلّب محتوياتها بشكل عشوائي لأتركه يحادث مخاطبه, ولم أتفطّن لانقطاع الرّنين و لا إلى الحركة السّريعة والمرتبكة لأصابع رئيس التّحرير فوق أزرار جهاز الحاسوب المنتصب حذوه.
رفعت بصري من أمام المحفظة المفتوحة وقلت له وأنا ألاحق الحروف المتطايرة من حلقي:

ـ مقالتي افتراضيّة لم أكتبها على ورق أبيض.

التقط كلمتي ورق أبيض من صوتي وقال:

ـ طبعا. طبعا, فجريدتنا افتراضيّة لا ترقن على الورق الأبيض.
صمت قليلا, وهو يتفرّس تبدّل ملامحي, وأضاف:

ـ بما أنّ قرّاءنا افتراضيين, فإنّ جريدتنا افتراضيّة ولا تقبل إلاّ المقالات الافتراضيّة.
لمح بريقا في عينيّ, فابتسم نصف ابتسامة كشفت بياض أسنانه, وأضاف:
ـ ولحسن حظّك أنّ مقالتك تخضع لمقاييس النّشر لدينا.
اتّسعت عينيّ أكثر حتّى لمحت بريقهما منعكسا كأشعّة شمس هذا الصّباح في عيني رئيس التّحرير, وكدت أن أعاود الرّكض خلف مكتبه, لكن لم أشعر كيف خفت بريقهما فجأة وانقبض قلبي بمجرّد أن سمعت وقع خطوات قويّة قادمة من الرّواق المفضي مباشرة إلى المكتب الّذي نحن فيه. خطوات واثقة وحاسمة, تقترب نحونا بسرعة.

حاولت أن أهدّئ من روعي باستئناف الكلام مع رئيس التّحرير, غير أنّي بمجرّد أن رفعت بصري نحوه لم ألمح لا وجهه الّذي كان مشرقا منذ ثوان, ولا ربطة عنقه المتدلّية فوق بطنه. فقط تراءت لي أصابعه الخشنة تمسك بطرفي جريدة كبيرة. أكبر من وجهه وبطنه, جريدة ورقيّة كتب أعلى صفحتها من جهة اليسار باللّون الأحمر "حرّية".

خطوات الأقدام أسقطت قلبي وسط أمعائي لهول وقعها الّذي صار كالطّبل يدقّ داخل ثقبي أذنيّ, وبعدها لم أتذكّر ما الّذي حدث.
تعالت أصوات محرّكات السّيارات والحافلات في الخارج, خارج غرفته. تقلّب فوق فراشه أكثر من ساعة تقريبا إلى أن رنّ جرس المنبّه المركون فوق المنضدة المحاذية.(جرس المنبّه صار يذكّره دائماـ على ما أذكرـ بهاتف رئيس التّحرير فيما بعد.). رنّ المنبّه في السّاعة السّابعة إلاّ عشرين دقيقة تماما. مدّ ذراعه من تحت اللّحاف وأسكت الجرس المصرّ على الرّنين, وبحركة آليّة شغّل قارئ الاسطوانات ليستقبل صوت فيروز يتسلّل إلى مسّام جسده ككلّ صباح.

انزلق رأسه تحت العباءة, ومعه صوت فيروز ليمضي العشرين دقيقة الفاصلة عن السّاعة السّابعة, محاولا كعادته دائما كلّ صباح, أن يمتصّ رغبته في الاستغراق في النّوم وطرد الكسل عن مفاصله المرتخية. لم تمض ثلاث دقائق تقريبا حتّى ألف نفسه محاطا بأكثر من عشرة أشخاص جلسوا كلّهم أمام أجهزة حواسيب ذات شاشات مسطّحة, داخل قاعة فسيحة قسّمت مساحتها بحواجز من البلّور الرّمادي اللّون, بلّور سميك يرتفع بين الحاسوب و الآخر, وكان يجلس حذو بابها رجل وسيم بملابس أنيقة, مرتّبة بعناية تنمّ عن ذوق رفيع, كان يملي ـ على ما يبدو - جملة أوامر من جذاذة حمراء بين يديه (عثر الرّاوي على نسخة منها في وقت لاحق وقد شحبت حمرتها واهترأت حواشيها.).

كانوا كلّهم يضعون آلات صغيرة, بحجم حبّة القمح, داخل آذانهم, تربطها أسلاك ذهبيّة بأجهزة الحواسيب المنتصبة أمامهم. كانوا يستقبلون بتلك الآلات أوامر الرّجل الأنيق, الّذي اختلط صوته مع صوت فيروز. عندما أرهف السّمع, التقط جمل الرّجل الّتي تندفع من حلقه واضحة وحازمة. وقال:

ـ علينا أن نجعله أعجوبة لا تنسى, ليكون عبرة لمن يجرؤ على عرشنا ومملكتنا, ولهذا سنفصل, أوّلا, رأسه عن جثّته ونستبدله بمحرّك البحث "غوغل" أو"عجيب". ثمّ سنمزّق المتبقّي من جسده, في مرحلة ثانية, ونوزّع أعضاءه على مختلف المواقع الالكترونيّة الّتي أحدثناها.
صمت قليلا مركّزا بصره على الرّجال المتراقصة أصابعهم فوق أزرار الحواسيب, ثمّ استأنف كلامه:

ـ ولئلاّ نسيء إلى صورتنا, فإنّنا سنتركه ينشر مقالته الافتراضيّة تلك في أكثر من جريدة ومجلّة دون تتبّعه, وخاصّة خارج حدود مملكتنا, لنبرهن أنّنا فعلا نؤمن بحرّية الصّحافة وندافع عن القيم الأساسيّة لمجتمع المعلومات.

حوالي السّاعة الثّامنة إلا ّعشر دقائق صباحا, كان يحتسي قهوته مع زميل له داخل مشربة الشّركة الّتي يشتغل بها تقني إعلاميّة. تردّد قليلا ثمّ اقترب منه أكثر وأخفض صوته (وهنا قطع الرّاوي أنفاسه وأطرق السّمع قليلا ليلمّ بتلابيب الحكاية الّتي رواها لزميله)... أخفض صوته ودسّ له في إحدى أذنيه كلاما مرتبكا التقط الرّاوي منه هذه الجملة اليتيمة :" كلّ شيء يمكننا أن نصيّره واقعا افتراضيّا ما عدا صوت فيروز ووقع أقدام الجنود".

إشارة أخيرة :

إعلان افتراضي:

لكلّ قارئ أن يضيف ما شاء إلى مسودّة هذه القصّة
ويرسل إضافته إلى عنوان الجريدة الافتراضي التّالي:

Iftaredhe @ yahoo.fr


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

قاص وصحفي ثقافي تونسي

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى