الخميس ٦ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٨
بقلم إيناس أحمد الحبشي

الهوية الاتكالية

غالباً ما نتوجه إلى غيرنا لنطلب منهم عدة أمور تندرج ضمن قائمة العرض والطلب نستطيع القيام بأغلبها، وقد نكون مدركين لمدى الضيق الذي سنرسمه على ملامحهم من ذلك، إلا أننا مازلنا مستمرون في التمادي والتكرار عن طريق الاعتماد عليهم في الحصول على الطرق المختصرة أو المبسطة دون رغبتنا في تكبد أي عناء للبحث والتجربة...!

يقول الإمام الشافعي –رحمه الله- في الاعتماد على النفس:

(ما حكّ جلدك مثل ظفرك... فتولّ أنت جميع أمرك)

عندما ندقق في معاني هذه الأبيات.. والتي تناقلتها الأفواه جيلاً بعد جيل، سندرك بأن آجدادنا وآباؤنا أيضاً كان لهم نصيب من التجارب في هذه الحياة، والتي أرغمتهم على الاعتماد على أنفسهم واستقلاليتهم عن الطلب من الغير، ولن ألمح بحديثي هذا عن ضرورة الاستغناء عن الناس في هذا العالم...!، فالمجتمع يغلب عليه طابع التعاون والمساعدة، وإنما القصد التخلص من الهوية الاتكالية التي يتطبع بها الكثيرون، والتي تقمع الثقة بالنفس.. وتزيد من حاجز الرهبة والخوف في الوقوع في أي خطأ بسيط، سلبية تفرض على حاملها الاتكال على غيره والاعتماد عليه في انجاز أغلب أموره الحياتية في الوقت الذي يستطيع هو إنجاز كل تلك الأعمال بكل سلاسة ومرونة إن بدأ بخطواته الأولى في السعي والتجربة...

جميعنا يرغب بالنجاح والاقتناء.. وجميعنا يلجأ إلى أبسط الطرق والحلول، لا نريد أن نسعى.. ولا نجتهد.. بل نجلس.. ونستند، فالطالب يطلب من زميله أن يقوم بإنهاء بحثه أو حل واجباته ويصف ذلك (بالمساعدة)، والعاطل يستند على أحد معارفه ليحصل على الوظيفة دون أن يبادر بالتقدم بأوراقه لأي شركة ويصف استناده (بالتعاون)، والفتاة تعتمد على أمها في ترتيب حجرتها.. وتصف اعتمادها (بالتدلل)، وآخرون غيرهم تندرج مواقفهم تحت إسلوب (الاتكالية الصماء)، وهم لا يعلنون اعتمادهم بالتصريح، وإنما يدرجها تحت مسميات عديدة كالمساعدة والتعاون والتدلل – ولن ألوم المتسولين أيضا إن وصفوا حالاتهم بالعجز والتملل-...!

تخلوا عن هوياتكم الاتكالية التي تتقدمون بها بكل تكاسل إلى ميادين الحياة، واجتهدوا في البحث والعمل لتستعيدوا قيمة سعيكم وعطائكم، وابرزوا قدراتكم وجوانبكم المشرقة المضيئة بتجاربكم واعتمادكم على انفسكم، واغرسوا تلك الثقة في أبنائكم أيضاً، والذين قد يصبحوا يوماً محطاً للأنظار يرغب المجتمع بالاعتماد عليهم في أحد الأيام.. لا العكس من ذلك.

ومضة لكل اتكالي:
(دع التكاسل في الخيرات تطلبها... فليس يسعد بالخيرات كسلان)


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى