بشارة مرجية: حين تصير الكتابة للطفل امتحانًا للمعنى والهوية
هل يمكن لنصٍّ موجَّه إلى طفل أن يُسهم في تشكيل إنسانٍ كامل؟
في تجربة الدكتور بشارة مرجية، لا يبدو هذا السؤال ترفًا فكريًا، بل مدخلًا إلى مشروعٍ يرى في الطفولة البنية الأولى للوعي، وفي الكلمة الأولى بذرة المعنى الأكثر رسوخًا.
ينتمي مرجية إلى جيلٍ فلسطينيٍّ أدرك مبكرًا أن الثقافة ليست ترفًا، بل شكلٌ من أشكال البقاء. من الناصرة، حيث تشكّلت ملامح تجربته، اختار أن يبدأ من الطفل—لا بوصفه قارئًا صغيرًا، بل إنسانًا في طور التكوّن. درس اللغة العربية، ونال الدكتوراه سنة 1995 عن بحثٍ في صورة المرأة في الأدب العربي القديم، قبل أن ينصرف إلى مسارٍ طويل في التعليم والكتابة، جامعًا بين الحسّ الأكاديمي والخبرة التربوية، ومكرّسًا جهده لأدب الطفل بوصفه حقلًا عميقًا لا يقل شأنًا عن أي جنسٍ أدبي آخر.
في هذا الأفق، لا تُختزل الكتابة للطفل في التبسيط، بل تُفهم بوصفها رهانًا على الارتقاء. فالطفل، في نظره، ليس كائنًا ناقصًا، بل قارئٌ يمتلك حساسيته وقدرته على الفهم والدهشة. ومن هنا، يصبح صدق النص هو المعيار الأول: صدقٌ يحترم عقل الطفل ووجدانه، ويمنحه حقّ السؤال، لا أن يُغرقه في أجوبة جاهزة أو خطابٍ وصائيٍّ يفقد الأدب روحه.
يتقدّم أدب الطفل، في تجربة مرجية، خطوة أبعد من الحكاية نحو التفكير. فالسرد ليس غاية، بل وسيلة لفتح الأفق، لزرع الأسئلة الأولى التي يتشكّل منها الوعي. وهنا تتجاور اللغة والخيال والمعرفة في بناءٍ واحد، حيث تصبح القصة مساحةً للتأمل، لا مجرد تسلية عابرة.
أما اللغة العربية، التي يُظن أحيانًا أنها فقدت قدرتها على الإدهاش في زمن الصورة، فيعيد مرجية اكتشافها من داخل النص. فالمشكلة ليست في اللغة، بل في طرائق تقديمها، وفي خيالٍ لم يعد يواكب هذا الجيل. العربية، حين تُكتب بحيوية، تستعيد طاقتها الجمالية، وتصبح قادرة على ملامسة الطفل بعمق. والصورة، رغم جاذبيتها، لا تكون بديلًا عن الخيال، بل عنصرًا مكمّلًا له—شرط أن تُوظَّف دون أن تسبق النص أو تختصره.
في هذا السياق، تتجلّى الكتابة بوصفها مسؤولية. فالقيم لا تُمرَّر عبر المباشرة أو التلقين، بل تنبثق من داخل التجربة السردية، عبر المواقف والتحولات. وهنا تحديدًا يكمن أثر الأدب: في ما يتركه خفيًا، لا فيما يعلنه صريحًا. وربما لهذا يؤمن مرجية بأن كتابًا واحدًا، إذا كُتب بصدق، قادر على أن يترك أثرًا عميقًا في حياة قارئه.
وعلى مستوى الهوية، لا ينفصل الأدب عن بيئته. فالطفل يرتبط بلغته حين يراها حيّة، قريبة من واقعه، تعبّر عنه لا عنه غيره. لذلك يفقد أدب الطفل صدقه حين يستعير نماذج بعيدة، ويكتسب قوته حين ينطلق من تفاصيل الحياة اليومية. وفي السياق الفلسطيني، تزداد هذه المهمة تعقيدًا، إذ يتعيّن على الكاتب أن يوازن بين نقل الواقع كما هو، وحماية خيال الطفل من قسوته، دون أن يُفرغ الحقيقة من معناها.
ولا يغيب البعد النقدي عن هذه الرؤية، إذ يشير مرجية إلى مفارقة واضحة في المشهد الثقافي: وفرة في الإنتاج لا تقابلها دائمًا جودة موازية. الخلل لا يقتصر على النص، بل يمتد إلى النشر وغياب مشروع ثقافي متكامل، وهو ما يعيق هذا الأدب عن بلوغ حضوره العالمي المستحق.
في زمن تتزاحم فيه الوسائط، لا يتبنى مرجية موقفًا إقصائيًا من التكنولوجيا، بل يدعو إلى التوازن. فالكتاب الورقي يحتفظ بقيمته الخاصة، فيما تظل الشاشة أداة جذب لا يمكن تجاهلها. والحل ليس في المفاضلة، بل في المزج الواعي بينهما، حيث يبقى الأدب ثابتًا، وتتغير وسائطه.
هكذا، لا تبدو تجربة الدكتور بشارة مرجية مجرد مسارٍ في الكتابة، بل رؤية متكاملة ترى في أدب الطفل مدخلًا إلى بناء الإنسان. رؤية تُدرك أن الكلمة الأولى ليست بدايةً فقط، بل مسؤولية—وأن ما يُكتب للطفل اليوم، ليس مجرد حكاية تُروى، بل وعيٌ يُبنى… ومستقبلٌ يُكتب بصمت.
