توهم الشاعرية والعبث بالشعر
آزاد عبدالواحد
إن الظواهر القبيحة والمبتذلة في عالم الشعر، وظاهرة "أدعياء الشاعرية" كثيرة جداً، لدرجة أن الكتابة عنهم لا تنتهي. ولعل السبب في ذلك يعود، من جهة، إلى أن للشعر لدينا تاريخاً طويلاً وممتداً، ومن جهة أخرى، فإن عدد الذين اتجهوا نحو كتابة (الشعر) مقارنة بالأنواع الأدبية الأخرى، هو عدد أكبر بكثير. لذلك، وضمن هذا الفيضان العارم من كتابة الشعر وتوهم الشاعرية، يبرز الكثير من الأشخاص الدخلاء الذين لا فقه لهم ولا صلة بعالم الشعر والشاعرية.
إن ما أتحدث عنه الآن هو إحدى الظواهر التي تقع عليها عيني باستمرار في المجلات، والصحف، والمنشورات، والمواقع الإلكترونية، والحسابات الشخصية؛ ألا وهي كتابة (الشعر) من قِبل أشخاص متخصصين في مجالات نادرة وحيوية، ومهمة وضرورية للأدب والفن والثقافة الكوردية. هؤلاء الأشخاص بارعون ومقتدرون جداً في مجالاتهم، وبصماتهم واضحة، وقد تبوأوا مكانتهم بجدارة واستحقاق. لكن للأسف، فإن هؤلاء الكُتّاب، بعد كتابة وطباعة كتاب مهم وذي قيمة عالية، أو كتابة بحث ودراسة مثيرة للاهتمام في مجالات مثل: الفكر والفلسفة، النقد، الفن، الرواية، القصة، الهندسة المعمارية، التاريخ، الترجمة، وغيرها.. يأتون، مدفوعين بذكريات الماضي، لينظموا كلاماً يدّعون أنه شعر، ويضيفون (قصيدة) على تلك المواضيع.
وفي الوقت الذي نرى فيه أن هؤلاء متخصصون في مجال مهم وضروري وقد تألقوا في كتاباتهم، وأن وجودهم في مجالهم ذاك يتطلب منهم بذل المزيد من الجهد والسعي والعطاء الأكاديمي والعلمي ــ خاصة وأن المكتبة الكوردية تعاني من فجوات وثغرات كبيرة جداً في مجال تخصصهم ــ إلا أنهم ينشغلون بكتابة شيء آخر أطلقوا عليه اسم (الشعر!). ومن ثم، لا يثنيهم شيء، ولا يمكن لأحد كبح جماحهم. وتجد من بينهم من يحمل شهادة في مجال فني نادر، وتتطلع أعين طلابه إليه ليكتب لهم في تخصصهم ويغذيهم بثقافة نوعية وخاصة، لكنه مع ذلك لا يكف عن هراء كتابة (شعره)، بل يصرّ ويلحّ على أنه ــ لا محالة ــ شاعر، وأنه لا يقل شأناً عن الشعراء الآخرين، ولا بد له أن يكتب (الشعر). بل ويرى أن من واجب القراء أيضاً أن يضعوا أيديهم على صدورهم احتراماً له، وأن يبدوا إعجابهم بأشعاره، ويعترفوا به (كشاعر) قسراً وغصباً.
وفي حياتي الكتابية، أدركتُ مبكراً جداً أن كتابة الشعر ــ من بين جميع المواهب ــ هي موهبة خاصة ومتميزة؛ وهي موهبة لا يمتلكها الجميع. وأعلم جيداً أننا جميعاً، وأنا من ضمنهم، حينما كتبنا (الشعر)، ربما شعرنا في مرحلة ما من حياتنا بأننا شعراء جيدون، لكننا سرعان ما أدركنا أن هذا الحلم والرغبة في أن نكون شعراء لا يتحقق بمجرد الهوى والتمني. لاحقاً، ومع مرور السنين وتراكم الخبرة، وقراءة قصائد كبار الشعراء والوقوف على تجاربهم العظيمة، إلى جانب التعمق في نقد الشعر وفهم جزء يسير من أسراره، تراجعنا إلى الوراء. لذلك، ينبغي على أدعياء الشعر يوماً بعد يوم أن يتهيبوا من كتابة (الشعر)، وأن تجعلهم خبرتهم وثقافتهم يتريثون، فلا يمدّوا أيديهم إليه بسهولة ولا يكتبوه بعد الآن.
والأغرب من كل ذلك هو: أن الشعر الذي يعدّ في حد ذاته (غاية) و(وسيلة)، يتحول لدى هؤلاء إلى مجرد وسيلة فقط؛ لأنهم لا يفقهون جيداً وظيفة ولغة الشعر، ولا يدركون كنهها، ولهذا لا يمكنهم أبداً كتابة شعر عميق ومتعدد الأبعاد. إننا حين كنا في مرحلة المراهقة والشباب، نكتب الشعر بديلاً عن رسائل الغرام، وكان ذلك غالباً لجذب انتباه الفتيات. أما هؤلاء، فيلجأون اليوم إلى الشعر ويستخدمونه كوسيلة لإيصال رسالة ما، سواء كانت رسالة أيديولوجية، أو اجتماعية، أو عاطفية. ولهذا السبب، فإن هذا النوع من الشعر لا يُقرأ أكثر من مرة واحدة، وقارئ الشعر الحقيقي لا يملك أي شغف لإعادة قراءتها، ولا ينبض قلبه لها، بل ولا يلتفت إليها مجدداً.
عزيزي، إذا كنت تكتب بالأسلوب الكلاسيكي، فلن تصل قط إلى مصاف كبار الشعراء الكلاسيكيين، وحتى لو كتبت مثلهم وبمستواهم، فلن يُتقبل منك في هذا العصر. وإذا كتبت بالطريقة الحديثة، فلن تصل إلى مستوى الشعراء الحداثويين ولن تتفوق عليهم. لذا، لا أدري لِمَ تُجهد نفسك؟ إنك تأثم بفعلتك هذه، فتنحَّ عن الشعر جانباً ولا تعبث به.
المصدر: مجلة (رامان) الكوردية, العدد (345)، الصادر في 5/6/2026. ص (160).
