ثنائية الضوء والعتمة
في مجموعة «جسد قديم» نموذجا للشاعرة (راضية الشهايبي)
من شهقة الصبح ومن خفقة نسمات المساء يطل علينا بريدها وهي تفتح دفتر أشعارها لتبدأ يومها بمناداة صباح كسول، حين تغرس أمنية في الفضاء، لتطرد غربان اليأس من ذاكرتها، وقد أعدت في ليلها لائحة لأحلامها. حين تفتح خيالها وقد انطلقت خيول الكلمات تسابق الوقت ليكون الميلاد نصوص شعرية اكتنزت بظلال المعاني وقد همست لقطار الوقت أن يقترب تواضعا وللأرض أن ترتفع غرورا، نصوص شعرية إختارت لها من الأسماء (جسد قديم) للشاعرة راضية الشهايبي، الصادر عن دار زينب للنشر والتوزيع سنة 2021 وهي بمثابة خلاصة اكتنزت أسلوب الشاعرة، وأبرزت خطها الشعري والإبداعي، فجاء ديوانها بمثابة امتداد شعري لتجربة متكاملة تنتصر لقصيدة النثر عموما ولقصيدة الومضة بصفة خاصة، فلفظها لا يخلو من شجن وحزن وشعرها لا يخلو من وجع تشعر بحزن معانيه وبألم التجربة.
فالشاعرة راضية الشهايبي تفضح الكلمة بكل معانيها لتطلّ علينا فاتحة ذراع القصيد حين تعانق حزن الشمس وقد توارى الصباح الذي يأتي في موعده صامتا كصخب القصائد، مع طغيان معجم النور والظلمة، التي كان لها دور كبير في التعبير عما يختلج في ذات الشاعرة من مشاعرالحزن والقلق الوجودي، لتتناسق وتجتمع الأغراض الشعرية في قصيدة واحدة بانسيابية مدهشة. فالشاعرة تعبر عن خوالج النفس وعن تجربة ذاتية، وفي الآن ذاته تعبر عن تجارب وأحاسيس جماعية.
وقد تجلى ذلك في بناء نصوصها من خلال اعتمادها على ثنائية النور والظلمة وتوظيفها لخدمة النص للدلالة على الوجع والألم تارة وللدلالة على الفرح المغلف بطابع الحزن. خاصة وأن البناء التكويني للعالم منذ خلق الله الأرض ومن عليها وما يزال، يمثل حركة تصادم وصراع بين الأضداد. فالحياة قائمة على مجموعة من الثنائيات لا يقوم أحدها إلا لنفي الآخر أو إثباته وفق حتمية تاريخية مرتكزة على مجموعة من الثنائيات والمتضادات (الشمس ≠ الظلال، الليل ≠ النهار، الضوء ≠ الظلمة، الصباح ≠ المساء ...).
فالشاعرة اعتمدت على معجم العتمة باستعمال ثيمات تدل عليها، كالظلام والظل والسواد والمساء والليلُ حيث تكررت ثيمة الليل حوالي 76 مرة بمختلف إشتقاقاتها بالإضافة إلى عدة معاني تحيل إليه:
"الليل
قيامة العاشقين
الليل فستان فاضح
أغري به الأرق كي ينام
الليل غابة تتفرع داخل رأسي
والذكريات ذئاب سائبة "(ص17).
كما أن الليل والنهارُ ضِدّان والبياض والسواد، كالليل والنهار، جاء في التهذيب، ونَقَلَهُ ابنُ منظور في مَعْجَمِهِ، الليل ضدُّ النهار، والليلُ ظلامُ الليلِ والنهارُ الضياء، فالنهار ابنُ الضوء، والضوء ابنُ الشمس، والألوان بنت الضوء، ومن دون ضوء تكون ظلمةً والظلمةُ عَماء. وليس الليل مجرد غياب النهار ونوره، الليل كيان قائم بذاته.
كما تحدَّثت الشاعرة في شعرها عن ألفاظ الزمن، ومن أبرز هذه الألفاظ الصباحُ، وما أدراك ما الصباح؟ الثيمة التي تكررت حوالي 38 مرة في عدة مواضع من نصوص مجموعتها:
"هذا الصباح...
لا شيء يختلف عن الصباح البارحة
تأتي الشمس محتشمة
ثم تتعرى تماما
تتعرى الحركة ...تتعرى الأصوات
أستر أحلامي
أتمطى بحذر كي لا أصدق أني
مبتهجة بصباح جديد "(ص97).
معتمدة بذلك على أسلوب التكرار الذي يعد من الأسس الأسلوبية التي تعمل على التماثل في النص الشعري خاصة وأنه يساهم في تمتين وحدة النص وتماسكه بالإضافة إلى أنه مرتبط بالحالة النفسية للشاعرة بشكل مباشر والذي يظهر من خلال تكرار جملة من المفردات والجمل في القصيدة الواحدة أكثر من مرة، كما يساهم في مزيد إيضاح المعنى قبل الإيقاع. وهو ما يكشف خطوط المعنى بين ذاكرة الكتابة وذاكرة الصورة، ليصبح الشعر أداة للتعبير عن المعاناة والتجربة الحقيقية. لتصبح القصيدة عند الشاعرة هوية قولية ترتب تفاصيلها.
فالصباح رمز الأمل والتفاؤل، والعمل؛ والصباح رمز للسعادة والخير، فالصباح كالتغريدة التي يحلو بها الصباح وما يُحْدِثه في النفوس من بهجة، فالصباح رمز التفاؤل والأمل وعدم اليأس، فالصِّعاب إلى زوال، مهما اشتدت وصعبت، والصباح مصدر انشراح الصدر وسعادته وإشراقَ الصباح يجعلنا نشعر بالصفاءِ والانشراحِ.
بالإضافة إلى ذكر عدد من الثيمات التي تدل على النور كالبياض والنهار والضوء والشمس:
"ماذا يفعل الليل في بيتي
لا شأن لي بالشمس الغاضبة
لا شأن لي بالأرض
تولي وجهها عكس الشمس الغاضبة
وبيتي يلوذ بضوء باهض الثمن
تسرع أواخر يومي وأسرع
أتقي خسارات الحرب بين الشمس والظل"(ص135).
فذكر الشمس يدل على الأمل، فالشمس هي أصل النور والضوء، الذي يمثل الحب والحياة ويضفي عليها السعادة والتألق، والرقة والشفافية، فالضوء يمتلك صفة الاستمرار بالحياة تفاؤلا، من خلال الذكريات المؤلمة. كما يعبر الضوء عن الحسن والقلق. وقد جاء لفظ الضوء محملا بمعاني التمرد والرفض:
"كم يكفيهم من الضوء
ليعدلوا فكرتهم المظلمة عن الضوء"(ص25).
وقد جاء الضوء دالا على النور والحب والحياة والضياء والأمل، كما يعبر عن الحرية والتحرر من القيود. والضوء جاء هنا في نصوص الشاعرة ليدل أيضا على الحزن، حزن المرأة بوحدتها وإحساسها.
حيث نلاحظ العلاقة جدلية بين ثالوث العتمة والضوء والظل، فلعبة الحضور والغياب بين هذا الثالوث تتخذ شكلا عضويا فالعتمة تشير بدورها إلى الضوء والضوء يوحي كذلك بالظل، وهذه الكلمات الشعرية التي بالضوء والظل والظلام تنفتح على معان ودلالات تتأطر على شكل صور توحي بدلالات ومعان كثيرة يحددها السياق الشعري.
فإشتغالات العتمة والضوء في سياق النص الشعري تتخذ أطوارا وأيقونات تعمل على تجسيد المعاني وتشخيصها من أجل العمل على تأويلها. فالبحث عن الضوء في الكلام أي البحث عن الحرية والانعتاق. والضوء هو تلك الذكريات القديمة التي تحاول الخروج من الذكريات القديمة التي تمثل الظلمة و الحزن التي تعانيه الشاعرة.
فلعبة الضوء والظلام في شعرها يشكل عالما يقوم على الفخاخ والمكائد والخديعة والموت:
"نحن معا نفهم ألاعيب الضوء
يغيب حد انعدام الرؤى
لنراه وسيما أكثر حين يعود
وعوده تتالى
مثل قصص الحكواتي يقتات بالتكرار
هو النهار متستر عن صباح الخديعة
يفتح مسارحه على كتب التأويل"(ص73).
فالعلاقة بين الضوء والظلمة تقوم على أساس مجازي ورمزي، فثنائية الظلمة والضوء تعبر عن ثنائية تقوم على أساس الحياة والموت. والقيد والنعتاق والسجن والحرية والوجود واللاوجود والروح والجسد والذاكرة والنسيان بالإضافة إلى الماضي والحاضر.
كما استعملت الشاعرة على ثنائية (الظلمة ≠ الضوء ) للتعبير عن الألم والوجع والقلق حيث تكررت كلمة الحزن حوالي 30 مرة بمختلف اشتقاقاتها اللفظية دون اعتبار المفردات الدالة عليه:
"أتنهد كثيرا كي يستأنس بحزني
الحزن أسود مثله تماما
الحزن منبوذ كلقيط
والليل خطيئة الوقت"(ص120).
نعم الليل خطيئة، والليل فراشة حزينة سرقت أجنحتها والليل الذي احترق حزنا على فراق النهار، هو الوقت، الذي رافقها وعبرت عنه بصورة جلية، كأنها تصارع الوقت الذي أنسنته الشاعرة ليصبح الوقت حارسا وله خطيئة:
"كل حزني وقت هارب من حائط الغفلة
حيث نعلق ساعة وقت نبكيه بها
كلما رفعنا هاماتنا، رددنا فات الوقت
كل حزني، وقت ساقط حين...
جرحتني شظايا ذات الساعة التي هشمتها
وأنا أحاول دخول دائرة الوقت
كل حزني الآن: كيف لي بقراءة الوقت
لأقوم بواجب القول: فاتني الوقت"(ص173).
فلا يخلو نص من نصوصها إلا وقد وشحته بمسحة حزن ووجع، رغم ما ينبع من نصوصها، بصيص النور والأمل وهذا مرده البعد النفسي الداخلي الذي يمثل منظور شخصية الشاعرة ورؤيتها للأشياء، فظاهرة الحزن تعد ظاهرة لها حضورها وامتدادها في الكثير من التجارب الشعرية الحديثة فحزن الانسان البسيط غير حزن الانسان المبدع الذي يتسم باحساس خاص ليتحول إحساسه إلى مادة إبداعية.
فالحزن ضد السرور وهو حالة نفسية تطغى على العديد من التجارب الشعرية وفي العديد من النصوص، فهي ليست حكرا على شاعر دون سواه بل هي ظاهرة عامة تقع في عديد التجارب ومن خلال استقرائنا لنصوص هذه المجموعة التي يغلب عليها الحزن والقلق، يقول اسماعيل عز الدين عن الحزن في الشعر العربي: " وفي شعرنا المعاصر استفاضت نغمة الحزن حتى صارت ظاهرة تلفت النظر، بل يمكن أن يقال إن الحزن قد صار محورا أساسيا في معظم ما يكتب الشعراء المعاصرون من قصائد" (1).
تلك الأحزان والحالات النفسية التي تتملك الشاعرة، تخرج في شكل صور تذكارية سواء كانت تلك الذكريات من ذاكرة الطفولة أو الذاكرة المجتمعية التي تمتلكها الشاعرة ومخزونها المعرفي، فالشاعرة راضية الشهايبي لم يكن استعمالها لعبارة (الذاكرة والذكرى والتذكر) التي تكررت في نصوصها حوالي 33 مرة لم يكن مجرد ذكر عادي يحكمه السياق بقدر ما يحكمه المعنى والحالة التي تعيشها الشاعرة من حالة القلق و حالات الذكرى التي تعيشها أثناء كتابة نصوصها.
"وأعود...أجوب ذاكرتي
أجدني في مدينة الأشباح
أنادي: يا...يا...يا....
ولا مجيب ولا صدى
وأعود
أجوب ذاكرتي
أتعلق بآخر الأخبار القادمة
من هنا وهناك"(ص111).
فلا قدرة للانسان عموما على العيش بدون تلك الذكراة الطفولية التي تحمل ذلك الزخم من المشاعر المدفونة والذكريات التي تشكلت بمضامين ومعاني متعددة لينتقل من الواقع السلبي إلى الفعل الإيجابي.
وبما أن الطفولة هي المهد الأول للخبرات والتجارب الحياتية فإنها المخزون الأوفر والأكثر سعة للذاكرة الإنسانية عموما. فالذكريات الطفولية التي تراودها مرة تلو أخرى تتكون في داخلها في شكل قبسات شعرية و ومضات لتخرج شعرا عذبا وصورا تذكارية لها دلالاتها في النص الشعري.
"تكفي ذكرى لأبتسم
بسمة تهزم حزن الملامح
وغضب يشتعل كلما
عدت لأقرأ "لاتصالح"
أوحفلة للبراءة
كلما حنت لي الطفولة "(ص157).
كما يميز نصوص الشاعرة راضية الشهايبي تماسكها وانسجامها، فتكرار الكلمة أو العبارة لا يعني تكرارها تكرارا نمطيا عاديا بل هو تكرار يحقق ذلك التكثيف في المعنى، مما يحيل إلى معنى مختزل تتبلور خلاله رؤيا الشاعرة المعبرة عن قلق النفس و حيرتها، لذلك نجد الكثير من النصوص تنبني على كلمة واحدة محورية يمنحها المعنى دلالة مميزة تحقق ما ترمي إليه الشاعرة و ما تريد بثه في المتلقي.
وفي ختام هذه الورقة يمكن القول أن فاعلية المفردة اللغوية وكثافتها التعبيرية في نصوص الشاعرة التونسية راضية الشهايبي، التي اعتمدت على تقنية التكرار لتعميق الدلالة الشعرية ومنح نصوصها التأثير في نفس المتلقي بالإضافة إلى تفعيل الدلالة التفاعلية للمفردة اللغوية خاصة وأن الألفاظ المتكررة تعتبر من المفاتيح التي تلقي بها الشاعرة في يد المتلقي ليكون التأويل حين تزدحم في نصوصها المشاعر بالإيقاع والوجع بالألم، فهي مجازفة بقدر ما هي كسر للثبات والجمود لتخلق عوالم أخرى تتنفس تفاصيلها وتنفث فيها أحزانها، لتفضح ما حولها وما تحمله أشعارها من رؤية إبداعية وعمق شعري.
(1)- عز الدين اسماعيل:(1929-2007) ناقد و أستاذ جامعي مصري.
