الأحد ٢٦ نيسان (أبريل) ٢٠١٥
بقلم رياض كامل

حزن تحريضي في «نزيف الظلال» لمفلح طبعوني

تحاول هذه المقالة ان ترصد جانب الحزن في ديوان نزيف الظلال (2014) للشاعر الجليلي مفلح الطبعوني، وهو ديوانه الثالث بعد قصائد معتقة (1999) وعطايا العناق (2011). والحزن موتيف متكرر في الشعر العربي والفلسطيني، وفي أشعار الطبعوني لأسباب عديدة. قد نجد ما هو مشترك بين هؤلاء جميعا وقد نجد ما هو مختلف، لكن لكل شاعر أسلوبه ونبرته في التعبير عن ذاته. يعتبر هذا الديوان، برأينا، نقطة تحول في مسيرة الشاعر من حيث "الصناعة"، سواء على مستوى الشكل أم على مستوى الطرح الفني والفكري.

لقد حاول دارسو الشعر العربي ونقاده، في مراحل متقدمة جدا، أن يضعوا حدودا فاصلة لمفهوم الشعر وصورته الخارجية، ووجدوا ان الشعر أحد فنون الصناعة لما تحمله هذه الكلمة من مهارة في فن البناء الشكلي من ترصيع وتشكيل ونظم وزخرفة وتوشيح وزركشة وموسيقى. ومع أهمية الشكل وقوانينه العروضية التي جعلت نقاد تلك الأيام يركزون في الشكل والصورة أكثر من تركيزهم في الموضوع، للتمييز بين الشعر والنثر، إلا أن المتمعن يرى أن المضمون قد فرض نفسه على المنظرين وعلى الشعراء أنفسهم منذ العصور القديمة، مؤكدين على أهمية التأثير المتبادل بين المنتِج والمتلقي. يستطيع الدارس المتابع لما ينشر أن يرى أن الاصطلاحات الحديثة التي ابدعها النقاد والمنظرون الغربيون مثل المرسل والمرسل إليه وغيرهما قد تداولها النقاد العرب قديما، ولكن بصور مختلفة.
فالشعر وإن كان في عرف العرب صناعة، لكنها صناعة هادفة تتقصد التأثير والتبليغ. والشعر ليس مهنة سهلة بل هي، في صلبها، عملية إبداع تفرض على الشاعر ريادة عالم لا يستطيع الآخرون أن يقرعوا أبوابه، ولذا كان عليه أن يطلع على ما قاله السابقون من نظم، فيأخذ منهم ويضيف عليهم من بنات أفكاره. وعليه أن يكون فطينا ينتبه إلى مواضيع لم تطرح من قبل، يصوغها بأسلوبه هو لا مقلدا لمن سبقه. والشاعر هو الذي يشعر قبل غيره، ويحس قبل غيره، ويقول ما يجب أن يقال قبل غيره. من هنا قالت العرب "ليت شعري" التي تعني ليتني أفطن، وكأنه فرض على الشاعر أن يفطن بما لم يفطن به الآخرون.
الشاعر كان ولا يزال محرضا وحالما ورائدا، تختلف الأسباب والأهداف والنوايا، لكنه يظل محرضا وحالما، يسعى لحياة أفضل، فيحض على استرداد الحقوق المسلوبة ويحث على رد الظلم والضيم عن الفقراء والمقهورين، والمناداة بالمساواة والعدل والعدالة. يرود عوالم جديدة حالما بخلق عالم أفضل، ليس بالضرورة أن يكون عالما خياليا رومانسيا تسود فيه اليوتوبيا.
لم يعرف الشعب العربي الاستقرار منذ قرون طويلة، إذ وقع تحت حكم الأتراك أربعة قرون، تبع ذلك حكم اجنبي في كل الأقطار العربية. كما قسّم العالم العربي، بداية القرن العشرين، إلى مناطق نفوذ غربية تتنافس فيما بينها في أساليب القمع من ناحية وفي مصادرة خيرات هذه البلاد من ناحية أخرى، ولم يغادر الأجنبي فلسطين إلا بعد أن خلق صراعا يعتبر من أصعب الصراعات التي واجهها سكان الكرة الأرضية. أما الأنظمة العربية التي جاءت بعد مرحلة التحرير فلم تكن أرحم من الأجنبي في التعامل مع المواطنين، بل هي أنظمة عربية رجعية، إما ملكية، أو دكتاتورية، مع تفاوت فيما بينها في درجات "الحرية".
*****
من عادة الشعراء أن يبحثوا عن عالمهم الخاص بهم، فمنهم من بنى "مدينته" مسوّرة بجدران من الزهور يعيش فيه الجدي والذئب جنبا إلى جنب، ومنهم من جعل الغابة جنته، ومنهم من بحث عن جنته المفقودة فلم يجدها. ومنهم، وهم كثيرون، من اصطدم بالواقع المر، ولم يفقد الأمل فنادى من أجل استعادة الحق وإعادة البناء. وللحقيقة فإن معظم الشعراء الفلسطينيين قد تناولوا في أشعارهم قضايا شعبهم وهمومه، منذ ما قبل الحرب الكونية الأولى والثانية، ونبهوا إلى المؤامرات التي تحاك ضده. واستمر هذا النهج حتى يومنا هذا دون توقف. إن عدم وجود حل يعطي الإنسان حقه، فترة طويلة من الزمن، لا بد أن يخلق حالة من الحزن والأسى والمرارة، ولكن على صعيد الأدب الفلسطيني فإن الأمر لم يخلق حالة من الإحباط:
"قلت يوما لحسن:
لا تخف! حيفا ورود وبقاء.
لا تقل ذابت وغابت في الغياب.
إنها حيفا الوعود الصادقة
والعطايا العائدة
إنها حيفا وحيفا باقية
بحرها بحر الجلاء
موجها موج اللقاء" (ص95-96)
مر الشعر الفلسطيني بمراحل هامة ومفصلية من ناحية الشكل والمضمون، وذلك شأنه شأن الشعر العالمي عبر العصور. وقد كان للأحداث السياسية التي مر بها شعبنا الفلسطيني تأثير على المضمون والموضوع المطروح، وعلى الشكل والصورة وأسلوب الطرح. لقد خصص جل الشعراء الفلسطينيين جزءا كبيرا من إبداعهم لمعالجة قضية ضياع الأرض وما عليها قبيل النكبة وما بعدها، فكان المخيم أحد الموتيفات المتكررة. ثم كانت النكسة وما تبعها من تحولات في مجالات عدة: سياسية، اجتماعية وثقافية، فانعكس ذلك في أدبهم، خاصة، وفي الأدب العربي عامة.
أما اليوم وبعد ما مر به الشعب الفلسطيني من حروب وويلات، وفي ظل استمرار الانتكاسات، وخيبات الأمل المتكررة مما يحدث في العالم أجمع، وفي العالم العربي خاصة، وتأثيرات ذلك وما يتبعها من أبعاد على مصير القضية الفلسطينية، فإنا نرى بوضوح أن هناك عددا من الشعراء الفلسطينيين الذين ما انفكوا يبحثون عن البدائل التي تحقق الحلم أو جزءا منه، يصطدمون بصخرة الواقع، فينتابهم حزن وأسى عميقان وغضب عارم على من يقود الدفة في اتجاهات مخالفة للمصلحة الجماعية، وعلى من يتخلف عن ركب الحضارة. آمن عدد كبير من الشعراء الفلسطينيين أن ذلك لن يتحقق إلا من خلال مواجهة الواقع كما هو على حاله، فكتبوا محرضين ضد الأنظمة العربية التي ما انفكت تقمع شعوبها، ودعوا إلى تحرير الفكر من مخلفات الماضي على الصعيدين السياسي والاجتماعي.
*****
لم يأت عنوان الديوان "نزيف الظلال" عفوا، فالعنوان هو العتبة الأولى التي تشي بما بعدها، فالنزيف مفردة ذات معنى مباشر صاعق يحمل معنى الألم المتواصل داخليا وخارجيا، والنزيف مؤلم وخطير، وقد يؤدي إلى نهاية مأساوية إذا لم نضع له حدودا. والظلال هي ما تلي الأصل والمصدر، هناك الشيء وظله الذي يرافقه ولا يفارقه. فإذا كانت الظلال نازفة فإن الأصل نازف هو الآخر.
شاعرنا مفلح الطبعوني يبحث عن عالمه، كغيره من الشعراء الذين سبقوه أو عاصروه، ولا نعني بذلك مدى التشابه بين عوالم هؤلاء الشعراء، لكننا نقصد أن الشعراء الفلسطينيين في غالبيتهم القصوى بحثوا عن عالم لا يشبه العالم الواقعي الذي يعيشونه. من هذا المنطلق نرى أن معظم الشعر الفلسطيني هو شعر حالم ومحرض، وعليه أن يحادث جهتين أو أكثر، لكننا في كل الأحوال نستطيع أن نعلن أنهما جهتان أساسيتان، إحداهما جائرة ظالمة والثانية مظلومة مقهورة. وشاعرنا محرض يصوب سهامه في أكثر من اتجاه، موظفا الرمزية الشفافة في السخرية المرة وفي المفارقة والتهكم، فلا يفوته الحديث عن مسببات ضياع الأماني والأحلام، بدلا من توظيف طاقات الأمة وقدراتها. لذا نرى نبرة الحزن بارزة في مواقع عدة من ديونه ابتداء من الصفحة الأولى:
"تسكن الأوجاع أكباد الحنين
والأماني تتلوى
فوق أهداب الأنين"
إن حزن الشاعر نابع من أسباب عدة، داخلية وخارجية، ومنها الإخفاقات المتكررة إثر محاولات البعض التململ بين الحين والآخر لخلق عالم أجمل وأفضل يحمل معه بصيصا من نور ومن حلم قديم، ثم ما ينفك هذا الحلم أن يخفت نوره بعدما كاد أن يتوهج. شاعرنا يصر على متابعة هذا الواقع وملاحقته بشكل لحوح، يتابع الأحداث الصغيرة والكبيرة بحساسية مرهقة. لذلك نراه يلجأ من أجل الترويح عن النفس والذات إلى وسيلتين بارزتين في شعره:
السخرية المرة:
إن السخرية من أبرز الوسائل التي يلجأ إليها شاعرنا كي يشفي غليله، ولا نبالغ حين نقول إننا نكاد نراها في كل قصيدة من قصائد الديوان وفي غيرها من قصائد الدواوين الأخرى. إن ثوب السخرية واسع فضفاض، وليس هنا مجال البحث فيها، لكنا حين نتابع مواقع السخرية في قصائد هذا الديوان وفي مواقع أخرى من ديوانيه السابقين فإنا سنرى أن السخرية ناجمة عن ألم عميق حارق كقوله:
"عندنا أقواس نشاب
نقاتل بها الأعداء
فمنا "معمر" الأوطان!!
وذاك الذي في السودان!!
والراقصات على النيل
وعارضات المواقف
ضد الإرهاب في لبنان
...................
عندما يفوت الأوان
وتصلب على الحائط
بدون تشبيه -
أو تذبح على العتبة
مع تشبيه –
لن يتدخل أحد لإنقاذك
سينام الجميع
ليلة هادئة الرياح" (ص47-48)
وسنرى أن دوافع السخرية هي نفسها في الكثير من المواقع، كما ينعكس في قصيدته "التخمة العمياء" (ص32)، التي تلخص، برأينا، رؤيا الشاعر وموقفه مما يدور حوله. فهو يرى أن هنالك حالة صراع مستمرة متواصلة، منذ فترة طويلة من الزمن، بين من يعمل من أجل التغيير، بهدف تحقيق أماني شعب مقهور، وفئة أخرى تتصدى لهذا الفكر ولهذا التغيير. هذه الفئة أشبه بنابشي المقابر ومحاصري النجوم، على حد تعبير الشاعر. أما "أتراحنا" فتلازمنا منذ زمن طويل، ولن تتركنا أبدا، فقد باتت "مخمرة"، لكن ليس لها طعم النبيذ المعتق، إنما هي حزن دائم راسخ وثابت. والسبب في ذلك يعود إلى التخمة التي أصابت هذه الفئة التي لن تتبدل ولن تتغير إلا بفعل رؤيا أخرى ذات فكر مغاير يحب الحياة ويعشق الكرامة.
لا يبحث الشاعر عن مشجب يعلق عليه عوراته، أو بالأحرى عورات شعبه، بل ينسبها بشكل مباشر إلى أصحابها، إلينا نحن في هذا العالم العربي الواسع من أقصاه إلى أقصاه، دون أن ينسى أو يتناسى ما فعله الآخرون بالضعفاء من أبناء شعبه الذين يبحثون عن لقمة الخبز يسدون بها رمقهم. لكن هؤلاء المقهورين باتوا يتحركون وفق أوامر مباشرة وغير مباشرة من أجل تدعيم ما هو قائم بدلا من العمل على تغييره:
"غدا سنصلي صلاة العيد
ونتمازج مع نبرات الخطبة
التي ستدعو بطول العمر وكثافة الباه للملوك والرؤساء العادلين
ولآلهم أجمعين" (ص114-115)
والسخرية نبرة متكررة في أشعار الطبعوني، يجيّرها لخدمة الرؤيا التي يؤمن بها، كما ذكرنا أعلاه، وللتعبير عن الألم والغضب، ثم للتحريض على التمرد على أشياء كثيرة باتت مألوفة، وقد آن أوان تغييرها والخلاص منها. لقد وظفها لتكون سهاما مصوبة باتجاهات عدة، خاصة نحو أولئك الذين ما زالوا يبحثون في الدفاتر القديمة عن معتقدات غيبية لا علاقة لها بالواقع، أو نحو أولئك الذين يبحثون عن حلول يأتي بها الآخرون من مواقع وأماكن بعيدة تتنافى، برأيه، مع مصلحتهم الخاصة فيبترون بذلك ذواتهم عن واقعهم ومحيطهم ويقعون في شرك من يخيطون لهم المكائد. وهي إيرونيا مرة وساخرة من عاداتنا وتقاليدنا وأفكارنا البالية، ومن أولئك الذين يبحثون عن "الفرح" في أيام الأعياد يتربصون في الزوايا بحثا عن سائحة، أو صبية تكشف عن محاسنها (انظر قصيدة "غدا العيد"، ص105). وهي تهكم من المتنفذين في مواقع عدة من العالم العربي الواسع الذين سلموا أنفسهم للغير ليقوا أنفسهم "شر" شعوبهم حين يثورون.
إننا نرى أن سخرية الشاعر نابعة من حالة الحزن والأسى، فتولد لديه غضب صبه في اتجاهات عديدة ليخفف من مرارة نفسه وألمها النابع مما حل به وبشعبه، بسبب تقصيرات داخلية وخارجية، وبسبب رؤى متخلفة تصب في مصلحة الآخر كان من الأجدى التنبه إليها والحذر منها، فوظفت السخرية كوسيلة تحريضية أيضا.
البحث الدائب عن الخلاص:
ككل إنسان يغرق في آبار الظلمة والديجور فلا بد أن يبحث عن مسارب النور، ولن يتسنى له ذلك إلا إذا كان مؤمنا عنيدا. وشاعرنا، وإن كان ينزف ألما وحزنا، فلم يترك هذا الحزن ينخر في عظام العناد والصلابة. على العكس من ذلك، إنه مؤمن كل الإيمان أن هناك طريقا بل طرقا عدة يمكن للمرء أن يسلكها كي يصل إلى حريته ومبتغاه. وما السبيل إلى ذلك إلا الإيمان العميق بالفكر الحر، والإيمان بقوة الإنسان وحبه للحياة الحرة الكريمة. لم يقتصر الأمر على ضرورة التحرر من الآخر كائنا من كان، بل إن شاعرنا يفتح كوة بعد أخرى يدعونا لدخولها، وهي طاقات فرج لو ولجناها لغدونا في عالم أفضل.
"فدعوا تلابيب الغزاة
أيها العراة
وانهلوا
من ينابيع الخيول
فصهيلها
يرتاح فوق أسرة مغايرة" (ص30-31)
شاعرنا يصر على معرفة الفكر الحر المستنير الذي سارت فيه أمم عدة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب. وله على ذلك أمثلة عدة من تاريخ العرب وغير العرب. يرى أن قصائد بابلو نيرودا وسوناتا العشق ورسوم حنظلة وسيمفونيات بيتهوفن وغنائيات الشيخ إمام وكتابات ناظم حكمت وفلسفة أرسطو وابن رشد وأمثالها توصل إلى طريق التحرر والانعتاق. والفن، برأيه، وسيلة هامة من وسائل السير نحو الأمام، علينا أن نتعاطاه بكل أشكاله، من موسيقى ورقص ورسم ونحت وشعر وقصة ورواية. علينا أن نكون شعبا مثقفا ثقافة مستنيرة، أسوة بكل شعوب الأرض التي عرفت كيف تحارب الفوضى والظلم والنار والعتمة.
إننا نرى أن هناك موتيفات متكررة في الشعر الفلسطيني، وهذا ما رآه غيرنا في دراساتهم وأبحاثهم. ونرى من الضروري أن نضيف أن هناك الكثير من الأساليب المشتركة بين الشعراء الفلسطينيين، ومنها أسلوب التكرار، وهو أسلوب له دوافعه المتعددة. أما ما دمنا نتحدث عن مشاعر إنسانية جياشة، فإنا نعلم أن التكرار وسيلة من الوسائل التي ترمي إلى التشديد وترسيخ الفكرة. يستطيع المتابع أن يرى أن كلمة بلادي، على سبيل المثال، هي إحدى المفردات التي تعود على ذاتها مرارا وتكرارا في الشعر الفلسطيني وفي أشعار العديدين من شعراء العالم العربي الذين دعوا إلى حب الوطن وضرورة صيانته.
بعد متابعتنا لديوان نزيف الظلال تبين لنا أن التكرار اللفظي قد وظف في مواقع عدة، وبالذات في قصيدة "الغائب الحاضر" (ص53) التي تسيطر عليها نبرة الحزن بشكل بارز جدا. ولنا على ذلك أمثلة عديدة في قصائد أخرى. كما تحدث الدارسون عن التكرار المعنوي، وهو تكرار الفكرة ولكن بطرق مختلفة وأساليب متنوعة. وهناك، برأينا، نوع آخر من التكرار وهو تكرار النبرة الموسيقية، وأنا أعتبره نوعا من التكرار اللفظي، فله نفس دوافع الانفعال في الحزن والفرح، وقد رأيت أن شاعرنا قد لجأ إلى تكرار فعل الأمر المقترن بياء المخاطبة وياء المتكلم، وقد أحصيت اثنين وخمسين حالة لهذا التكرار في قصيدة "بعث أبيد" التي يفتتح بها ديوانه. هذا التكرار بالذات فيه حزن وغضب وحزم وإصرار والأهم من ذلك كله هي نبرة التحريض:
"ازرعيني
كثمار المستحيل
واغزليني
شال عطر للجليل
خمريني
مثل طل فوق أعناب الخليل
وارشفيني
رشف خمر سال في قانا الجليل" (ص23)
إننا نعتبر أن هذه القصيدة هي نموذج يترجم رؤيا الشاعر في البحث عن الخلاص، ففي خطابه مع مجهولة يدعوها كي تكون له عونا للسير في طريق آخر مختلف عما هو مألوف في دنيا الواقع، عارضا نفسه للتضحية كي يكون هناك ما هو أفضل سياسيا واجتماعيا وفكريا. وبما أن الشاعر غير راض عما هو قائم فقد جاء التكرار الموسيقي، كما أطلقنا عليه، كوسيلة تتناسب مع مشاعر الحزن من ناحية، وكوسيلة تعبر عن إصرار وحزم على ضرورة التغيير. وبما أن الشعر "رسالة"، كما يؤمن به شاعرنا، فقد جعل نفسه جزءا من هذه الرسالة ومن هذا الإيمان فحقق بذلك تواصلا مباشرا بين المرسِل والمتلقي.
*****
إننا نصر على القول إن حزن الشاعر ليس نابعا من إحباط ولا من يأس، بل هو شعور الإنسان الذي يؤمن أن التغيير قادم لا محالة. فالمتابع لأشعاره يستطيع بكل وضوح أن يلحظ أن شاعرنا يسير في خط واضح لا يحيد عنه، فهو يستجيب لأنات الفقراء والضعفاء والمستغلين، وينحاز بلا هوادة أو تردد إلى جانب الطبقات المسحوقة وإلى الشعوب المنهوبة خيراتها.
شاعرنا يؤنسن بلاده ويجعلها محبوبته التي لا يقوى على فراقها، يهفو للقياها ويحن إليها، كما يتصورها، لا كما هي على حالها اليوم في انكسارها وحزنها، بل يستحضرها كما هي في شموخها وشممها. وهي في عينيه أجمل حبيبة وأرق مخلوقة على وجه الكون كله. وفي مواقع أخرى يتحول إلى تائه هائم ولهٍ يرجو حبيبته أن تحفظه وتصونه كي يظل مدمنا على عشقها يقدم في سبيلها كل غال وثمين. وكأني بالشاعر يخلق وطنا ليس موجودا في دنيا الواقع، إنما هو وليد خياله كما يتمناه هو.
نستطيع ان نقول إن هناك نبرتين غالبتين على شعر الطبعوني وهما نبرة الحزن ونبرة الغضب، وكأنهما تتصارعان في نفس القصيدة الواحدة أو في نفس الفقرة الشعرية، وبالرغم من الحضور المكثف لنبرة الغضب إلا أن نبرة الحزن قد طغت. وحين نسير قدما مع القصائد فإنا نخرج بانطباع واضح وأكيد أن التحريض على الذات وعلى الآخر هو بالأساس تحريض ضد الفكر المتحجر، فليس مهما الشخص بقدر ما هو الفكر نفسه. فهناك، برأيه، ما هو مشترك بين ما يخترق جسد أفكارنا من الخارج ومن الداخل، وما بين "الغزاة" و"العراة". لا يكتفي الشاعر بتقديم اللوم والعتب بل إنه يعمل على طرح بدائل يراها أفضل:
"قال لي يوما حسن:
هذه الدنيا شجن.
عاد من قلب المحن.
لم يكن في أفقنا غير الأمل.
سوف يأتينا العبق.
من فضاءات الحمم.
ويلاقح
زهرنا رغم المحن." (ص92-93)
رغم الحزن الذي يخترق عظام المرسِل والمتلقي إلا أن الحلم بنهار أفضل يظل مسيطرا. الشاعر الطبعوني مؤمن أن الشعر والأدب رسالة، وبالنسبة إليه فهي رسالة سياسية واجتماعية وليست مجرد "فن من أجل الفن". لذلك نرى أنه مصر على تكرار هاتين الرسالتين في كل ما كتب ونشر حتى الآن. وبذلك فإن شعره من النوع التحريضي الداعي إلى التحرر الفكري الذي يقودنا إلى التحرر من الآخر. فليس صدفة أن رأيناه ساخرا في تصويره بعض عادات وتقاليد ومعتقدات مجتمعه في التعامل مع بعضهم البعض في مناسباتهم الاجتماعية، ومتهكما من نهج وسلوك الكثيرين، وهو نهج يراه متصلبا متحجرا يودي إلى هلاك الأمم وضياع كل ما هو غال ورخيص.

د.رياض كامل


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى