الاثنين ٢١ آب (أغسطس) ٢٠٠٦
بقلم حلمي سالم

حمامة على الجنوب

أهدانا الشاعر المصرى المبدع الأستاذ حلمى سالم هذه القصيدة طالبا نشرها فى "ديوان العرب":

هذى قانا

خاتم عرس الأحياء

يغص الدهر بشهقتها

فيموت بتلويحه كفيها شهقانا

هذى قانا

تدنى بيديها نحو الخلق،

تربت فوق غريق

وتسبل غرقانا

هذى قانا

تحت ركام مآذنها نلقى شيخاً،

تحت ركام كنائسها قس يلقانا

هذى قانا

وعدان بكرمتها:

وعد أبهجنا فى الحلم،

ووعد فى الواحدة تماما

أشقانا

***

تنهض زينب من تحت الردم،

مغبرة بالزعتر والسماق، تفتش:

هذى كف شقيقى بأصابعها المنحولة، هذا رأس أبى بالندبة فى جبهته من أثر السجدات،

وهاتان القدمان لأختى: بالخلخال على كاحلها الأيسر، والوشم على كاحلها الأيمن،

أما ذاك ففخد العم المشلول:

بطلقات فى السمانة وتمزق كتان السروال.

تهرول زينب فى الطرقات المشحونة ببقول الزخات،

مغبره بالزعتر والسماق،

توزع من سلتها للأحباب هدايا:

تعطى عبده وازن كُمَا من فستان الجارة ليعلقه فى أبواب النوم جوار

حديقات حواس النهمين،

وتعطى لمحمد شمس الدين جديلة شعر زميلتها فى الدرس ليغسلها فى الليطانى بعد هدوء الغارة،

وتحط على منكب شوقى بزيع فيونكة عائشة إذ طارت فوق المئذنة مصوحة بزمان الغندرة الحلو،

وتسند عكازة جد العائلة على دولاب جمانة ذى الأثواب الزاهية،

وتمنح عباس بيضون غوايش أرملة مرقت فى سرتها أسياخ السقف لكى يذهب فى نقد الألم بدعم ربانى.

تنهض زينب من تحت الردم،

مغبرة بالزعتر والسماق،

مزينة بالأشلاء وبالأرز الأبيض،

وتصف على كورنيش المزرعة

صبابا الروشة، وكوادر تنظيم الحب العذرى، وكتاب المهجر، وأديبات الجسد اللاعج، والملاحين ، وأحفاد خليل القبانى، وموسى الصدر، وتجار البسطات.

فراشات نامت فوق كتوف الملتمين على بعض فى الملجأ، ووراء المصفوفين على البحر مراكب صيد غصت بالسمك المحترق وبالصيادين المشبوكين بشص.

زينب تقرأ فيهم بعض وصايا الأطفال الصاعدة من العصف المأكول:

هذى قانا

كانت مفتاح تفرقنا، صارت مفتاح لقانا

هذى قانا

سهم محبوك فى رقبة مخزيين،

ودرع من سهم الذل وقانا

هذى قانا

ترجمة الشعر،

وحصة تاريخ ليست فى الجدول،

بئر مودات كنا بالدم سقيناه العزة،

فسقانا

***

صعد شهاب من ضاحية بجنوب التلة

صوب الحارات الضيقة ونقر فوق الأبواب:

ففتح المارونيون، وآل البيت، وفتح السنيون، امتزج نشيج، الصابئة بدمع الدهريين،

فهبط من التبة طوافو سيد شهداء الجنة،

ليرشوا جسد بن الله بزهر حر،

فتح المحبوسون بمنزلة بين المنزلتين

وفى أيديهم قنديل،

فتح الأرمن، أهل البدعة فى النار،

وعصبة مارس ملتفين بأرز وكتائب،

فتح المحرومون على الأرض، وصوفيو الخرقة فى جبتهم حلاجون هواة تحت التمرين،

فنقر فوق الأبواب شهاب آت من ضاحية بجنوب التلة،

فتح الممنوعون من الصرف،

وفتح الفينيقيون، وجبران، دروز الوادى، وجعافرة، ويسوعيون، وفتح الجدليون: بزند مطرقة وبزند سندان وعلى الكاهل تابوت للشهداء وتابوت للصديقين،

هنا نقر فوق الأبواب شهاب نادى النسوة بالغزل المكشوف فبانت فى جلوتها:

مريم رافعة شمعا فى الهيكل،

وتلتها فاطمة وهى تسمى طلعتها الزهراء،

تلتها تيريزا ممسكة صحن بخور هندى درءا للشر،

تلتها هند وهى تخبىء كبداً مأكولا فى كيس

وتلتها الخنساء الراثية فتاها، الصب،

وفى آخر جلوات النسوة بانت ماجدة الرومى وهى تحرك جرس الأحد لدفن السواقين،

وبث الترتيل المشروخ:

طوبى للمقتولين وطوبى للجرحى

طوبى لرجال رمقوا الليل طوال العمر

وما رمقوا صبحا

طوبى لأياد رأبت صدعا أو داوت قرحا

طوبى للجثث المطمورة إذ صارت كشفا أو فضحا

طوبى للمنزوحين إذا باتوا إثما

ليس يزول ولا يمحى

طوبى للدم السيال هنيهة يغدو

بعروس الصمت نزيفأ أو قيحا

طوبى للمقتولين وطوبى للجرحى

***

ركب الجمع الجامع مركبة من خشب البلوط على الموج،

وكل يلمس بأصابعه طرفا من جسم شهاب آت من ضاحية بجنوب التلة، ينزل للأدوية نهاراً ، ويطير على الأسطح شفقاً، ويلوح بالأغصن غسقا، ويديرا أراجيح هزيعاً، ويزيح حدوداً فجراً، وهو ينقر فوق الأبواب، إلى أن وصلوا مصر، وعند سراى القبة هتفوا فى حنجرة

واحدة:

سقط البائع والبياع

سقط النافع والنفعى المستنفع والنفاع

سقط الراضع من لبن السيد والسادة: والرضاع

سقط اللابس فى الجهر قناعا

واللابس فى السر قناع

سقط التابع والتبعى المتبوع التباع

***

أضاءت فوق الجسر قنابل،

فانعكف الحطابون على صنع نعوش طازجة،

حتى يتوازى عدد النقالات على عدد المنطلقين إلى أعلى،

تنهض زينب من تحت الردم،

تلملم أشلاء الرضع وشظايا قنينات اللبن الفارغة،
وتسحب رقع الأقمطة المحشورة بين الطوب وبين الأسمنت،

لتحمل فى منديل يديها سبع حمامات نازفة،

وتطوف على الأمكنة تطابق بين الجغرافيا والطير:

تضمد واحدة فى مرجعيون

هنيهة كان الوعد الصادق يخفق بصدور الشبان الملتحفين بسور الرحمن وياسين،

تضمد ثانية فى بنت جبيل

ليلة راح ملائكة صغراء ينطون بخفة روح قدس بين المدفع والدبابة كالباليرينا، ثم يشكون التفاحة فى الفخ،

تضمد ثالثة فى مارون الراس

قبيل المغرب كى يتمكن عمال التنظيف

من العمل الروتينى:

غسيل الطرقات من الروث، ومن جند الله المختارين،

تضمد رابعة فى عيتا الشعب قبالة مستشفى طفق يعالج جرحى الحب ويقرأ فوق رؤسهم نشيد الإنشاد، ومطلع:

"المجد للشيطان معبود الرياح،

من قال لا فى وجه من قالوا نعم"

ثم يطوفون على الملجأ بالبطانية وشريحة خبز،

وتضمد خامسة فى ساحات بعلبك

حيث شيوخ المعهد يتلون سطوراً من مزمور حسى،

ويصدون المطر بأنملة،

ثم يعيدون الكرز إلى الناصرة،

تضمد سادسة فى صور،

بجوار مراكب شمس خلفها المصريون القدماء على الساحل قبل التوحيديين،

وخلف حطام المعبد ترمى القار المغلى، على خدام الحلم الأمريكى وعشاق الخدر الرومانتيكى، وخبراء الغواصات الحربية، وعمائم تقبيل الأقدام، وآنئذ:

تنتصب صبابا شرقيات يدرءن البارجة برمش العين

تضمد سابعة بالضاحية جنوب الدنيا:

حين يشب المدفونون جماعيا،

يتزيون بعشب السهل، يشيلون مناقيش وألبانا لامرأتين بأقصى الهدم:

الأولى من نسل القائل "سفرى حمال للأوجه".

والثانية ابنه من بشر "فى الناس مسرات وعلى الأرض سلام"،

فوق المائدة طعام من يثرب وطعام من أرغفة القداس،

اللوحات على الجدران: العذراء، التوبة صلبان الفادى بشرا، والكعبة، والعلم اللبنانى،

وفوق الكرسى المتحطم أقفاص كناريا خضراء، تبص إلى الأفق المعبر

وتهمس: يترصدنا الرخ.

أتمت زينب رحلتها وهى تطابق بين الجغرافيا والطير،

وعند الجسر المقصوف التمت سبع

حمامات منزوفات فوق المقبرة على هيئة بروازين كبيرين:

يضم الأول: دير ياسين، وكفر قاسم، وبحر البقر، وأبا زعبل، صبرا وشاتيلا، وقانا 96، وقانا 2006

ويضم الثانى:

وزراء انبطحوا فى الوحل،

وحكاما نذروا أنفسهم للركعة خلف ولى النعم،

سلاطين اختبأوا تحت الطبلية
عقداء ابتلعوا الميكروفون،

وعملاء برتبة رؤساء كنانات الأرض،

سماسرة فى هيئة قادة أسلحة الطيران،

وأقناناً فى بردة علماء الحرمين،

وسيافين بشكيل.

***

كانت سبع حمامات منزوفات تحتضر وتنهض

وهى ترفرف فوق الأمة معلنة آخر نبأ فى الشاشات:

هذى قانا

مختتم محبتنا، مبتدأ شقانا

هذى قانا

مشوار سعير

ينبعث على جمرته النباضة حرقانا

هذى قانا

رمحان صريحان اتجها لبلادتنا فى الهول، فشقانا

هذى قانا

سكينة نار صارت بين النبل وبين الخسة فرقانا

هذى قانا

عار العرب العاربة المتعربة،

حروفى:

قاف: قن،

ألف: إمعة،

نون: نجارو نعش

ألف: آمين

(الثاني من آب أغسطس 2006)


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

شاعر مصرى

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى