الجمعة ١٦ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٦
بقلم رانيا مرجية

حين تصغي الدولة للروح

جمال عبد الناصر والبابا كيرلس السادس: لحظة مصرية نادرة لم تكتمل

في ذكرى ميلاد جمال عبد الناصر، لا تبدو الكتابة عنه مجرّد استعادة لزمنٍ مضى، بل محاولة لفهم الحاضر عبر لحظة تاريخية لم تُستنفد بعد. فبعض التجارب لا تفقد معناها لأنها فشلت، بل لأنها ظلّت — على نحوٍ مؤلم — غير مكتملة.

من بين تلك اللحظات، تبرز العلاقة بين عبد الناصر والبابا كيرلس السادس، لا بوصفها تفصيلًا بروتوكوليًا في تاريخ الحكم، بل بوصفها اختبارًا أخلاقيًا لفكرة الدولة نفسها: كيف يمكن للسلطة أن تتعامل مع الإيمان دون أن تُخضعه؟ وكيف يمكن للروح أن تحمي أبناءها دون أن تعزلهم عن وطنهم؟

الدولة حين تخاف الطائفية أكثر مما تخاف النقد

لم يكن عبد الناصر زعيمًا بلا تناقضات، ولا كانت دولته بلا أخطاء. لكن ما يميّز تجربته — مقارنةً بكثير مما تلاها — هو إدراكه المبكر أن الطائفية ليست مجرّد توتر اجتماعي عابر، بل تهديد وجودي لفكرة الوطن.

لهذا، لم يسمح لها أن تتحوّل إلى لغة سياسية، ولا إلى أداة تفاوض، ولا إلى “واقع طبيعي” يجب التعايش معه.
كان يؤمن أن الدولة، إذا اعترفت بالطوائف كوحدات سياسية، تبدأ لحظة تفككها، حتى لو بدا الاستقرار قائمًا ظاهريًا.

في هذا السياق، لم تُعامَل الكنيسة القبطية باعتبارها ممثلًا لأقلية تفاوض الدولة، بل باعتبارها مكوّنًا وطنيًا داخل إطار الدولة. وهذا فارق دقيق لكنه حاسم: الدولة لا “تمنح” حقوقًا على أساس ديني، بل تعترف بحقوق على أساس المواطنة.

غير أن هذا التصور الطموح اصطدم بواقعٍ أكثر تعقيدًا: قوانين موروثة، وبيروقراطية ثقيلة، ومجتمع لم يتصالح بعد مع فكرة الاختلاف المتساوي. فبقيت التجربة معلّقة بين ما أُريد لها أن تكون، وما استطاعت أن تحققه فعليًا.

البابا كيرلس السادس: الإيمان الذي رفض أن يتحول إلى سياسة

في الضفة الأخرى، كان البابا كيرلس السادس شخصية استثنائية، لا لأنها امتلكت نفوذًا، بل لأنها لم تسعَ إليه.
راهبٌ جاء من الصحراء لا من دهاليز السياسة، وحمل إلى الكرسي البابوي فهمًا عميقًا للدور الروحي: أن الكنيسة، إن تحوّلت إلى لاعب سياسي، خسرت قدرتها على أن تكون ملجأً للناس جميعًا.

لم يتبنَّ خطاب المظلومية، ولم يستثمر الألم القبطي في مواجهة الدولة، رغم أن الظروف كانت تسمح بذلك.
اختار طريقًا أكثر صعوبة وأقل شعبوية:

أن يحمي الأقباط دون أن يعزلهم،
وأن يطالب بحقوقهم دون أن يحوّل الكنيسة إلى حزب،
وأن يضع الوطن فوق الجراح دون أن ينكر وجود الجراح.

بهذا المعنى، لم تكن العلاقة بينه وبين عبد الناصر تحالفًا، بل تلاقٍ بين رؤيتين ترفضان تفكيك المجتمع باسم الحماية.

الكاتدرائية: حين يصبح الصمت موقفًا سياسيًا

لم يكن افتتاح الكاتدرائية المرقسية بالعباسية عام 1968 حدثًا دينيًا أو عمرانيًا فحسب، بل كان نصًا سياسيًا مكتوبًا بلا كلمات.

أن يحضر رئيس الجمهورية افتتاح أكبر كاتدرائية قبطية، في زمن عربي مثقل بالهزيمة والأسئلة الوجودية، لم يكن مجاملةً ولا استعراضًا.

كان إعلانًا رمزيًا أن الكنيسة ليست ضيفًا في وطنها، وأن حضورها العلني لا يُحرج الدولة ولا يهددها.

الأهم من المشهد نفسه هو ما لم يُقال فيه:

لم تُستثمر الكاتدرائية في الدعاية، ولم تتحوّل إلى ورقة سياسية، بل تُركت لتعمل في الوعي العام كفكرة هادئة تقول:
الوطن لا يضعف حين يعترف بتعدده، بل ينهار حين يخافه.

ماذا أُعطي الأقباط؟ وماذا بقي عالقًا؟

الإنصاف يفرض قول الأمرين معًا:

نعم، وفّرت الدولة الناصرية مناخًا عامًا يُقلّل من حدّة الطائفية، ويُعلي خطاب الوحدة الوطنية، ويمنع تحويل الاختلاف الديني إلى صراع مفتوح.

لكنها لم تنجح في تفكيك كل البنى التمييزية، ولا في تحديث القوانين المرتبطة بالعبادة، ولا في تغيير الذهنيات الاجتماعية العميقة.

غير أن الفارق الجوهري يبقى هنا:

الطائفية لم تكن مقبولة ولا مُعاد تعريفها كواقع لا فكاك منه.

كانت تُرى خللًا يجب تقليصه، لا معطى يجب إدارته.

وهذا الفارق وحده يصنع مسافة أخلاقية شاسعة بين دولة تحاول احتواء الانقسام، ودولة تتعايش معه أو تستثمره.

لماذا نحتاج هذه اللحظة اليوم؟

لأننا نعيش زمنًا تُدار فيه الهويات بالخوف لا بالثقة،
وتُختزل فيه المواطنة في شعارات،
وتُترك العدالة لتصارع وحدها.

قصة عبد الناصر والبابا كيرلس ليست نموذجًا مثاليًا، لكنها تجربة شجاعة غير مكتملة.
تجربة تقول إن العلاقة بين الدولة والدين لا يجب أن تكون صدامًا ولا تبعية، بل توازنًا أخلاقيًا.
وأن حماية الجماعة لا تكون بعزلها، بل بإدماجها دون إذابة.

خاتمة

في ذكرى ميلاد جمال عبد الناصر، لا نكتبه بوصفه أيقونة، بل بوصفه رجلًا حاول — في لحظة تاريخية صعبة — أن يجعل الدولة أوسع من الخوف.

ونستعيد البابا كيرلس السادس لا كرمز ديني فحسب، بل كضمير فهم أن الإيمان، حين ينحاز للوطن، لا يفقد قدسيته.

بين الرجلين، مرّت لحظة مصرية نادرة، لم تُنجز كل ما وعدت به، لكنها قالت ما لم يُقَل كثيرًا بعدها:

أن الدولة حين تحترم الروح، لا تضعف.

وأن الروح حين تحترم الدولة، لا تُستَخدم.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى