حين يصبح الطاهرُ في مدينةِ الخطايا المذنبَ الوحيد
ليس كل مجتمع يعاقب الخطأ، فبعض المجتمعات تعاقب الاختلاف.
وهناك مفارقة أكثر قسوة من انتشار الفساد، وهي أن يتحول الفساد إلى القاعدة، حتى يبدو الشريف شاذًا، ويصبح الصادق موضع شك، ويغدو المتمسك بمبادئه متهمًا بأنه لا يعرف كيف يعيش.
فالإنسان لا يشعر بالغربة دائمًا لأنه غريب، بل لأنه رفض أن يشبه الآخرين.
حين تتكرر الأخطاء حتى تصبح مألوفة، يفقد الناس حساسيتهم تجاهها. لا يعود الكذب يثير الاستنكار، ولا الظلم يوقظ الضمير، ولا المحاباة تثير الغضب. بل يحدث ما هو أخطر؛ إذ يبدأ المجتمع في النظر إلى من يرفض هذه الممارسات بوصفه المشكلة الحقيقية. وكأن وجود شخص واحد يلتزم بما يؤمن به يفضح الجميع دون أن ينطق بكلمة.
وهنا، لا يصبح الطاهر موضع احترام، بل موضع إزعاج.
فوجوده يذكر الآخرين بما فقدوه، ويكشف المسافة بين ما يفعلونه وما يعرفون في أعماقهم أنه الصواب. ولذلك، يسهل تحويله إلى متهم. يوصف بالغرور لأنه لم يسايرهم، وبالتشدد لأنه رفض التنازل، وبالسذاجة لأنه لم يتقن لعبة المصالح، وربما اتُّهم بأنه يدّعي الفضيلة، فقط لأنه لم يشارك في الخطأ.
إن كثيرًا من الناس لا يكرهون النزاهة، بل يكرهون المرآة التي تضعهم أمام أنفسهم.
ومن المفارقات أن الإنسان قد يُسامح على خطأ ارتكبه، لكنه لا يُسامح أحيانًا على صواب يلتزم به. فالخطأ الجماعي يخلق شعورًا بالطمأنينة، لأن الجميع يشترك فيه، أما الاستقامة فتربك هذا التوازن، وتوقظ أسئلة يحاول كثيرون الهروب منها.
ولهذا، يصبح الضغط على الشريف محاولةً لإعادة الانسجام مع الجماعة. لا يطلبون منه أن يكون أفضل، بل أن يكون مثلهم. فإن رفض، صار هدفًا للسخرية، أو للتشويه، أو للعزلة. فالمدينة التي اعتادت الخطايا لا ترى في الطهارة قيمة، بل ترى فيها اتهامًا صامتًا.
وليس هذا جديدًا في التاريخ. فكثير من المصلحين والمفكرين وأصحاب المبادئ لم يبدأ صراعهم مع الخطأ، بل مع الاعتياد عليه. كانوا يواجهون مجتمعًا ألف واقعًا معينًا، حتى أصبح تغييره يبدو تهديدًا، لا إصلاحًا. فكل نظام فاسد يخشى الإنسان الذي يثبت، بمجرد وجوده، أن النزاهة ما زالت ممكنة.
لكن الطهارة ليست ادعاءً للكمال. فالإنسان الصالح ليس معصومًا من الخطأ، ولا منزّهًا عن الضعف. الفرق أنه لا يحاول أن يحول خطأه إلى معيار عام، ولا يبحث عن كثرة المشاركين فيه حتى يخفف عن نفسه الشعور بالذنب.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ فحين يخطئ الجميع، يصبح من السهل تبرير الخطأ. أما حين يبقى شخص واحد متمسكًا بمبدئه، فإنه يثبت أن الاختيار كان ممكنًا منذ البداية، وأن الظروف لم تكن العذر الوحيد.
ولذلك، فإن أكثر ما يزعج مدينة الخطايا ليس وجود الخطيئة، بل وجود من يرفضها.
ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن كثرة السائرين في طريق ما لا تجعله الطريق الصحيح. فالحق لم يكن يومًا مسألة عدد، والضمير لا يُقاس بالأغلبية، والاستقامة لا تفقد قيمتها لأن أصحابها قليلون.
إن أخطر ما قد يفعله الإنسان بنفسه ليس أن يعيش بين الخطايا، بل أن يصدق يومًا أن طهارته هي المشكلة، وأن حفاظه على مبادئه يحتاج إلى اعتذار.
ففي مدينةٍ اعتادت الخطايا، قد يبدو الطاهرُ مذنبًا في أعين الناس، لكنه يظل بريئًا أمام ضميره. والتاريخ كثيرًا ما أنصف من أدانتهم المدن، وأدان المدن التي ظنت أنها كانت على حق.
