الاثنين ٢٦ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم سليمان عبد الدايم

ليس كل غريبٍ غريبًا

ثمة أشخاص لا تمنحنا اللقاءات الأولى معهم فرصةً كافية لفهمهم. نراهم مختلفين عن الصورة التي ألفناها، ونحاول أن نضعهم في قوالبنا المعتادة، فإذا بهم يفلتون منها. وقد نسمّي اختلافهم غرابة، لا لأنهم غامضون بالضرورة، بل لأننا لم نتعلّم بعد كيف نقرأهم.

ولعل من أكثر أخطائنا شيوعًا أن نحكم على الأشخاص من وقعهم الأول في نفوسنا، قبل أن نمنح أنفسنا فرصة اكتشاف ما وراء ذلك الانطباع. فبعض البشر لا يكشفون عن قيمتهم في اللحظة التي نلتقيهم فيها، وإنما في اللحظة التي نكتشف فيها أن شيئًا مما قالوه قد غيّر طريقة تفكيرنا، وأن درسًا ظننّاه عابرًا صار رفيقًا لنا في مواقف لم نتوقعها.

اكتشفت، مع الوقت، أن هناك فرقًا كبيرًا بين من يعلّمك لتنجح، ومن يعلّمك لتصبح قادرًا على النجاح في غيابه.

الأول قد يمنحك المعلومات التي تحتاج إليها لاجتياز امتحان، ويشرح لك ما ينبغي أن تعرفه كي تحصل على الدرجة المطلوب. وهذا جهد لا يمكن إنكاره أو التقليل من قيمته. أما الثاني، فيفعل شيئًا أبعد من ذلك؛ إنه يوقظ فيك القدرة على السؤال، ويدفعك إلى مراجعة أفكارك، ويذكّرك بأن المعرفة ليست مجموعة من الإجابات التي نحفظها، وإنما مسؤولية تفرض علينا أن نفكّر، وأن نتحقق، وأن نمتلك الشجاعة الكافية للاعتراف بأننا قد نكون مخطئين.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للتعليم.

فليست قيمة المعلم في مقدار ما يستطيع أن يملأ به عقول طلابه، بل في مقدار ما يتركه فيها من أسئلة تستحق أن تظل مفتوحة. وليس نجاحه مرهونًا بأن يتذكر طلابه كل ما قاله، وإنما بأن يجدوا أنفسهم، بعد سنوات، يعودون إلى بعض كلماته وهم يواجهون الحياة، أو يكتبون بحثًا، أو يناقشون فكرة، أو يتخذون قرارًا مصيريًا.

هناك معلمون يهيئونك للامتحان القادم، وهناك من يهيئونك لما لا تستطيع أي جامعة أن تضع له جدولًا زمنيًا: امتحانات الحياة، وأسئلة الضمير، ومواقف الاختلاف، ولحظات الشك التي تحتاج فيها إلى عقل مستقل لا إلى إجابة محفوظة.

ولعل هذا هو الفارق بين التعليم الذي ينتهي بانتهاء المقرر، والتعليم الذي يبدأ أثره الحقيقي بعد انقضاء المحاضرات.

في الدراسات العليا، على وجه الخصوص، لا يكفي أن نعرف ما كتبه الآخرون، أو أن نجمع المعلومات ونرتبها في صفحات تبدو أكاديمية. علينا أن نتعلم كيف نفكر فيما نقرأ، وكيف نميّز بين الرأي والحقيقة، وبين الادعاء والدليل، وكيف نكتب دون أن نستعير عقول الآخرين. فالبحث العلمي ليس سباقًا نحو عدد من الصفحات، ولا محاولة لإرضاء من سيقيّمها فحسب؛ إنه تدريب طويل على الأمانة الفكرية، والانضباط، واحترام الحقيقة حتى حين لا توافق ما نحب أن نصدقه.

وما نحتاج إليه في هذه الرحلة لا يقتصر على أستاذ يعرف مادته جيدًا، بل يمتد إلى إنسان يدرك أن مهمته لا تنتهي عند حدود تخصصه. إننا نحتاج إلى من يعلّمنا كيف نختلف دون أن نتعالى، وكيف نراجع أنفسنا دون أن نشعر بالهزيمة، وكيف نبحث عن الصواب بدلًا من الانتصار لرأينا.

وكلما تقدّمنا في العمر، أدركنا أن بعض الدروس التي تبدو لنا غريبة في البداية قد تكون هي الدروس التي نحتاج إليها أكثر من غيرها. وربما لا نفهم أسلوب شخص ما لأننا اعتدنا أن نقيس كل شيء بمدى سهولته، أو لأننا ننتظر من التعليم أن يمنحنا نتائج فورية، بينما يحتاج بناء العقل إلى وقت، ويحتاج فهم الإنسان إلى صبر.

ليس معنى ذلك أن كل غرابة حكمة، أو أن كل اختلاف يستحق الإعجاب؛ فالناس يُقاسون بما يقدمونه من معرفة، وبما يتحلّون به من نزاهة، وبالأثر الذي يتركونه فيمن حولهم. لكن الإنصاف يقتضي ألا نخلط بين ما لا نفهمه بعد، وما لا يستحق الفهم أصلًا.

وقد يكون من علامات النضج أن نمتلك الشجاعة لمراجعة أحكامنا الأولى، وأن نعترف بأننا أخطأنا في قراءة إنسان، أو استعجلنا الحكم على طريقته، أو لم نكن نرى في البداية سوى ما اعتدنا رؤيته في الآخرين.

إن أعظم ما يمكن أن يقدمه لنا المعلم ليس أن يجعلنا نؤمن بأنه يمتلك الإجابات كلها، وإنما أن يساعدنا على امتلاك الأدوات التي نبحث بها عن الإجابات. فالمعرفة الحقيقية لا تصنع أتباعًا يرددون ما يسمعونه، بل عقولًا تستطيع أن تناقش وتختبر وتستقل، دون أن تفقد احترامها لمن علّمها.

ولذلك، حين أتأمل معنى الأستاذ الذي يستحق أن يبقى أثره معنا، لا أبحث فقط عن صاحب المحاضرة الممتعة أو الشرح السهل، بل عن ذلك الذي يجعلني أخرج من قاعة الدرس وأنا أحمل طريقة جديدة في النظر إلى الأشياء. عن الذي يضيف إلى معلوماتي شيئًا من المسؤولية، وإلى طموحي شيئًا من الانضباط، وإلى رغبتي في مواصلة الدراسات العليا فهمًا أعمق لما تعنيه هذه الرحلة أصلًا.

فالشهادات مهمة، والنجاح الأكاديمي ضرورة، لكنهما لا يكفيان وحدهما لصناعة باحث أو إنسان قادر على التعامل مع العالم. قد ننتهي من المقررات وننسى كثيرًا مما قرأناه، وقد نعبر الامتحانات ونترك خلفنا تفاصيلها، لكننا نادرًا ما ننسى إنسانًا جعلنا نعيد النظر في أنفسنا، أو ساعدنا على اكتشاف أن الطريق إلى المعرفة أطول وأجمل من مجرد الوصول إلى الدرجة التالية.

وربما لهذا السبب تحديدًا، نكتشف قيمة بعض المعلمين متأخرين؛ لأننا لا نفهم ما يمنحوننا إياه إلا عندما نحتاج إليه خارج المكان الذي التقيناهم فيه أول مرة.

عندها فقط، ندرك أن بعض الدروس لم تكن عن مادة ندرسها، بل عن حياة نستعد لها. وأن بعض الأشخاص الذين بدوا لنا غريبي الأطوار لم يكونوا بالضرورة بعيدين عنا، بل كانوا يقدّمون لنا شيئًا لم نعتد أن نطلبه: أن نتعلم كيف نفكر، قبل أن نتعلم كيف نجيب.

وفي النهاية، ربما لا يكون المعلم العظيم هو من يجعلنا نخرج من قاعة المحاضرة ونحن نظن أننا عرفنا كل شيء، بل من يجعلنا نخرج ونحن أكثر إدراكًا لما نجهله، وأكثر استعدادًا للبحث، وأقل خوفًا من مراجعة أفكارنا.

فثمة معلمون يمنحوننا درجات نعبر بها مرحلة، ومعلمون يمنحوننا ما يساعدنا على عبور مراحل العمر كلها.

والفرق بين الاثنين لا نعرفه دائمًا في أول لقاء؛ أحيانًا نحتاج إلى أن نمضي قليلًا في الطريق، حتى نفهم أن أغرب ما واجهناه في البداية كان، في الحقيقة، من أكثر الأشياء التي تستحق أن نتعلم منها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى