السبت ٢٨ شباط (فبراير) ٢٠٢٦
بقلم فاطمة نزال

خارج أسوار الجامعة.. داخل نص الألم

من قاعة الدرس إلى خيمة النزوح.. سردية الشاهد حين يتكلم الركام

لا يكتب الدكتور حسن القطراوي في مجموعته القصصية “الشهقة الأخيرة” من موقع الراوي المراقب، ولا من علُوّ الأكاديمي الذي يكتفي بتحليل الخراب عن بُعد. هو يكتب من قلب التجربة، من المكان الذي سُحقت فيه المسافات بين المعرفة والألم، وبين الأستاذ والإنسان.

فالانتقال من قاعة الدرس إلى خيمة النزوح ليس مجرد انتقال جغرافي، بل هو تحوّلٌ وجوديّ كامل. الأستاذ الذي اعتاد أن يقرأ النظريات ويشرحها، يجد نفسه اليوم يقرأ الواقع العاري، ويكتشف أن بعض الدروس لا تُعطى في الجامعات، إنما تُنتزع من بين الركام. وفي قصة “خيمة رأس الشيطان”، لا يعود المكان محايداً، إنما يتحول إلى كائن فاعل، إلى خصم يضغط على الإنسان ويعرّيه من امتيازاته السابقة؛ الخيمة هنا امتحان، والعراء امتلاء قاسٍ بالخوف والانتظار.

هنا يتلاشى الفارق بين الأستاذ والطالب، بين صاحب الشهادة وصاحب الجرح. النزوح يعيد ترتيب المجتمع وفق قانون واحد هو "وحدة المصير"، حيث الجميع في المساحة نفسها، وتحت السماء نفسها، وعُرضة للسؤال ذاته: كيف نستمر؟ يتقدّم القطراوي في هذه المجموعة بوصفه “شاهدًا”؛ والشاهد لا يجمّل، ولا يختلق بطولة زائفة، بل ينقل ما رآه وما عاشه وما نجا منه مؤقتًا. الكتابة هنا ليست ترفًا، إنما محاولة أخيرة للإمساك بالمعنى قبل أن يبتلعه الغبار.

في قصة “الشهقة الأخيرة”، حيث تتلو سناء القرآن مع ابنتها ريما تحت القصف، يتحول النص المقدس من طقس تعبدي إلى بنية وجودية تقاوم الفناء في لحظة تماس مباشر بين الأرض والسماء، لتصبح الشهقة ذروة الحياة وفعل تشبث بالبقاء. أما في “الأرغفة الخمسة”، فتتجلى الأم بوصفها الركن الأكثر ثباتًا في عالم يتهاوى؛ فالجوع لا يعترف بالرتب العلمية، لكن الأم تظل قادرة على إعادة إنتاج الحياة من العدم، وهنا يذوب الأستاذ في الابن، وتتراجع كل أشكال السلطة أمام سلطة الأمومة التي تُنقذ ما تبقى من إنسانية الجماعة.

من أكثر العبارات كثافة في هذه المجموعة تلك الخلاصة القاسية: “الصاروخ الذي تسمعه لن يقتلك”. في هذا الوعي الجديد، يُعاد تعريف الخوف؛ فالصوت الذي كان نذير الموت يصبح علامة مؤقتة على النجاة. إنها طمأنينة مشوبة بالرعب، تتشكل فيها ثقافة البقاء تحت القصف، وهي ثقافة تُعاش ولا تدرَّس على مقاعد الدراسة.

إن “الشهقة الأخيرة” مجموعة قصصية عن الإنسان حين يُجرد من كل شيء، ويُترك وجهًا لوجه أمام سؤاله الأول: هل ما زلتُ إنسانًا؟ لقد نجح حسن القطراوي في أن يجعل من الركام نصًا، ومن الخيمة قاعة محاضرات مفتوحة، ومن الشهادة فعل كتابة يقاوم الموت ويفضحه. إنها مجموعة تُقرأ بالبصر والبصيرة معًا، لأنها توثق الألم وتُعيد إليه وجهه الإنساني، وتثبت أن السردية الفلسطينية ما زالت قادرة على أن تكتب نفسها… من تحت الأنقاض.

عن الكاتب والإصدار:

الدكتور حسن القطراوي كاتب وروائي فلسطيني من غزة، يدرّس في جامعة الأقصى ضمن مجالات علم النفس. مجموعة «الشهقة الأخيرة – قصص من حرب غزة»، تحتوي على 45 قصة قصيرة من القطع المتوسط، وصادرة عن دار سمير منصور للنشر والتوزيع / مصر، طبعة عام 2026.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى