الجمعة ٢٠ حزيران (يونيو) ٢٠٠٨
بقلم زياد الجيوسي

(خمس دقائق عن بيتي) فيلم لناهد عواد

ما بين ألم وأسى وعدسة رسمت ذاكرة لأجيال لم تعرف مطار القدس، بما فيها ناهد عواد نفسها، وهي التي ولدت بعد الاحتلال بخمس سنوات، كانت مشاهد هذا الفيلم تتدفق أمامنا عبر اثنان وخمسون دقيقة، ففي هذا الفيلم الوثائقي الطويل نسبيا مقارنة بالأفلام التي أعتدنا أن نراها، كانت ناهد تتألق بالتصوير وربط الحدث، وحقيقة حين ذهبت لمشاهدة الفيلم في عرضه الأول في فلسطين، لم أكن أتوقع أن أجد هذا الكم من الحضور، وهذا الكم من المشاعر التي اجتاحتني وأجزم أنها اجتاحت الحضور.

دوما وفي الأفلام الوثائقية على الساحة الفلسطينية، لم أكن أعتبر أبدا أن حجم الجمهور في العرض الأول دلالة على النجاح، فمن الممكن من خلال العلاقات الشخصية للمخرج أن يجمع عددا كبير يملأ الصالة، ولكن كنت اعتبر أن تعليقات الجمهور العفوية التي تلتقطها أذني بعد العرض، هي المؤشر الأهم حول نجاح الفيلم من عدمه، وهذه التعليقات التي سمعتها وهي تعبر عن الاستحسان كانت مؤشرا هاما، فقد صادف أن جلست فتاة إلى جوار مقعدي، لم تتمالك نفسها أن تهمس لي بين مشهد وآخر: هكذا حدثني أبي عن المطار، وفي عيون الجمهور الأكبر سنا كنت أرى أثار دمع وألم، وإن لم أعتمد يوما بالتقييم على المناقشات التي تجري أحيانا في صالة العرض مع المخرج بعد العرض، فهذه المناقشات عادة تحمل روح الاستعراض والاستفزاز، وتضع المخرج وكأنه في قفص الاتهام، فحمدت الله أنه لم تجري مناقشة بعد العرض وربما بسبب تأخر بدء العرض للفيلم.

بدأ الفيلم بعرض صور فوتوغرافية للمطار وأشخاص عملوا به أو مروا من خلاله، على خلفية أغنية ناعمة باللغة الانكليزية تتحدث عن حقول خضراء كانت هنا وذهبت، وتنقلت الكاميرا بين هذه الصور ومشاهد حالية للمطار، فنشاهد بقايا مطار مهمل، لا يكاد المار من هناك أن يدرك أنه كان هنا مطار يعج بالحياة، سيارات محطمة، أعشاب تملأ المدرج المحطم، قمامة وقطط وحيوانات وكلاب ودوريات إسرائيلية، تجتمع معا في تخريب مشهد يقول: هنا كان مطار القدس.. هنا كان درة المطارات في المنطقة، وهذا ما فعله الاحتلال به وبنا، فالمطار شاهد حي على مأساة ما زالت فصولها مستمرة، فيعلو صوت الآذان الله أكبر الله أكبر، دلالة على هوية المطار والأرض والقدس.

اعتمدت المخرجة أسلوب يبتعد عن السرد، أسلوب استدعاء الذاكرة من شخوص عرفوا المطار، فكانت هناك عدة شخصيات رئيسة في الفيلم تستدعي ذاكرتها وتتحدث عن هذه الذكريات بين الم الواقع وبين لمحات الفرح في العيون وهي تستعيد لحظات جميلة، مما أضفى على الفيلم بعضا من الفكاهة في أحاديث من تحدثوا أحيانا، وأثارت الدموع في المآقي حينا آخر.

نورما حويط.. سيدة تسكن بالقرب من المطار، لا تتمكن شقيقتها الساكنة في رام الله من الوصول إليها، فالوصول للقدس يحتاج إلى تصريح وموافقة من الاحتلال، والوصول إلى الصين سيرا على الأقدام أسهل من الحصول على مثل هذا التصريح، فتضطر أن تذهب هي لزيارة شقيقتها، وفي أحاديثها وحافظة صورها، نرى الصورة الحقيقية لمرحلة هامة من تاريخ وذاكرة الشعب الفلسطيني، من خلال هذا الرمز المسمى مطار القدس، فالمطار كان ذو حركة يومية وخاصة مع بيروت، تهبط به أو تقلع يوميا العديد من الطائرات، ومن منـزل السيدة نورما تبرز لنا الكاميرا البؤس الذي يحيط بالمطار، وتقارنها الكاميرا مع الصور الفوتوغرافية التي تملكها هذه السيدة بما تحمله من ذكريات عائلية، صور استقبال وتوديع لزوار قادمين أو أهل مغادرين.

يوسف حجار.. رجل عمل في المطار منذ بداية خمسينات القرن الماضي، وعايشه حتى قدوم الاحتلال الذي أغلقه عدة سنوات وعاد وفتحه مؤقتا بمخالفة لكل قوانين الدنيا، ثم جعله في زاوية الإهمال حتى يصبح أطلال مطار، يتحدث بروح مرحة عن تلك الفترة التي عايشها، ولمحات الألم تسود في عينيه، ففي هذا المطار له ذكريات كثيرة، ومن هذا المطار انطلق برحلة خاصة لبيروت مع عروسه لقضاء شهر العسل، والطريف أنها كانت بطائرة شحن عادت فارغة لبيروت، فاعتبرت تكريما من إدارة المطار بسفره وعروسه بالطائرة لوحدهما، وما زال يحتفظ بين أوراقه التي عرضها بصور ووثائق واستمارات رواتب وبطاقات سفر.

هانية ياسمينة.. سيدة تقطن في عمان حاضرة الأردن وعاصمتها، ما زالت رغم السن تحتفظ بجمال مميز وذاكرة متوقدة وروح فكهة، تتحدث عن سنوات عملها في المطار، فتكاد الدموع تفر من عينيها، تستعرض الصور وتستذكر أشخاصا مروا من هنا، عملوا أو سافروا، تستذكر المرحوم الملك حسين بصورة له في المطار، وتقول: كان الملك حسين يستخدم المطار بشكل مستمر، وكان في المطار مقصورة ملكية خاصة لاستقبال زوار الأردن الكبار، من قادة ومن زعماء، بما فيهم بابا الفاتيكان في زيارته التاريخية عام 1964، فالضفة الغربية والقدس كانت قد توحدت مع الأردن بعد نكبة فلسطين، وكانت القدس تعتبر العاصمة الروحية للأردن.

كانت هذه الشخصيات الرئيسة في الفيلم، وكانت هناك شخصيات ثانوية من خلال المقابلات العابرة، كشفت كم لهذا الفيلم من أهمية، ففتاة تقول: ما اعرفه عن مطار القدس أنه كان خاصا لطائرة ابوعمار يهبط بها، مما أثار ضحك الجمهور وأثار الأسى في روحي، فأبو عمار استشهد وهو يحلم أن يدخل القدس، وشاب آخر يقول: لم أنتبه أنه كان هنا مطار إلا من أسبوع، فهذا الجهل المطبق لفرد يعيش تحت الاحتلال دلالة سيئة على الأداء الرسمي والمؤسساتي، فقد تمكن الاحتلال من تحويل اسم مطار القدس إلى حاجز قلنديا، وذهب اسم المطار وبقي اسم الحاجز في أذهان الكثيرين، بينما تمكن العديد من الحديث عن المطار وخاصة كبار السن، ولا بد من الإشارة لحديث الكابتن سالم الذي يعيش في لبنان، وكان طيارا يهبط باستمرار في مطار القدس، فتحدث عبر الهاتف عن ذكرياته، وعن المطار الذي كانت له أهمية كبيرة.

لم يفت المخرجة أن تصور مسجدا تحدثت عنه امرأة فقالت: لقد بناه أبناء الكويت للصلاة، فهم كانوا يسكنون هنا إما للدراسة أو للتصييف، وجعلوه وقفا إسلاميا، وفي هذا دلالة أن القدس وأرض فلسطين هي وقف لأبناء ديانتين إسلامية ومسيحية، عاشوا معا عبر العصور، ربطهم دم كنعان ودم العروبة بغسان وعدنان وقحطان.

ينتهي الفيلم بعد كل هذه التراجيديا المؤلمة، بمشهد للجدار الأفعى وهو ينبت في أرضنا ويعزل القدس ومطارها عن مجال الرؤيا، فتقول المخرجة: هل سأسافر يوما من هذا المطار الذي يبعد فقط خمس دقائق عن بيتي.

وفقت ناهد بالخلفية الموسيقية للفيلم، فقد وضعت مع الصور موسيقى كلاسيكية قديمة، ومع المشاهد الحديثة موسيقى حديثة منها عزف هادئ على البزق للفنانة أمل بكر، أجادت استحضار الذاكرة وربطها بالحاضر، تمكنت بمهارة من الانتقال بين مشاهد مأخوذة عن صور فوتوغرافية، ومشاهد حية معاصرة، وأحاديث شخوص الفيلم والجمهور العابر، فلم المس أي قطع بين المشاهد، التصوير كان يلتقط المشاهد بجمال ودقة، ورغم ورود بعض المشاهد الغير واضحة تماما، فهي لم تؤثر على الفيلم كونها ملتقطة من مسافات بعيدة للمطار، فيستحيل دخول المطار إلا للكلاب والقطط السوداء ودوريات الاحتلال.

ناهد عواد المخرجة التي لم أعرفها مواجهة في السابق، ولم أراها إلا في نهاية العرض لأول مرة، لم أتمالك نفسي إلا أن أصافحها وأقول لها: أبدعت يا ناهد.. والآن أقول لها مجددا عبر حروفي: أبدعت يا ناهد فقد أبرزت رمزا كاد أن يختفي، فالمطار دوما يبقى أحد أهم رموز السيادة، شكرا يا ناهد فقد أعدتني إلى مرحلة الستينات من القرن الماضي، حين كنت طفلا أذهب للتمتع برؤية الطائرات وهي تهبط وتطير، فهل سيأتي اليوم الذي نحلق به من مطارنا المسلوب، أم أن العمر سيمضي بنا ونحن ننتظر هبوط النوارس التي تحمل الأحبة العائدين لوطن حر ومطار لنا، وأرض عطشى تنتظر من يروي عطشها، ياسمينات وفيء زيتون.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى