خيوطٌ تتقاطع
في الزقاق الذي لم يُكتب اسمه على لوحة، كانت أم سلمان تدير دواسة الماكينة بصمتٍ محسوب؛ كل غرزةٍ عندها تضمّد جرحًا غائرًا في الذاكرة. اسمها "زكية"، لكن الاسم انطفأ منذ اختفى ابنها سلمان في حادثٍ بلا خاتمة. كانت تؤمن أن الأقمشة ذاكرةٌ طائعة، تُمسك الهمس إن أُحسن شدّ الخيط.
في ظهيرةٍ مرهقة، دخل "فيصل". موظفٌ مصرفي يُجيد ترتيب الأرقام ويخشى الفراغ. وضع بدلةً قديمة على الطاولة، وأشار إلى جيبها الداخلي:
ـ واسعٌ أكثر مما ينبغي له أن يكون.
رفعت رأسها وابتسمت ابتسامةً لا تُقرأ:
ـ الجيوب الواسعة لا تُقلق إلا من يُخفي شيئاً.
خرج متوترًا. عبر الشارع، وجلس في صالون "مازن" الحلاق. كانت المرايا المتقابلة تضاعف الصور حتى يتلاشى اليقين. قال مازن وهو يمرر المقص:
ـ تبدو أثقل من العادة.
ـ لو انتظمت بعض الأشياء… لربما هدأ كل شيء.
ابتسم الحلاق بمرارة:
ـ لا شيء يهدأ.. نحن فقط نُعيد ترتيب الفوضى لتبدو ساكنة.
مضى فيصل إلى دكان الشيخ أبي ناصر، تاجر التحف والعاديات القديمة، الذي كان ينكبّ على تلميع ساعة جيبٍ عتيقة يرفض بيعها، بل يُعيرها للعابرين فقط.
ـ أتبحث عن شيء؟
ـ عن وقتٍ يمكن ضبطه.
ناوله الساعة قائلاً:
ـ هذه لا تُضبط، هذه تُذكّرك أنك تأخرت كثيرًا عمّا كان يجب أن تفعل.
مساءً، وضع فيصل الساعة في جيب البدلة التي لم تُخاط بعد؛ كانت الخيوط عند فم الجيب معلقةً تنتظر قرارًا. حين أخرج الساعة، انزلقت منها ورقةٌ مطوية. فتحها، فوجد حكايةً تشعّب بصوت امرأة تُدعى ليلى يونس، تتحدث عن ملفاتٍ رسمية لا تُغلق بل تُنقل من درج إلى آخر، وعن ممثلٍ يصرخ على الخشبة: "نحن لا نعيش حياتنا… نحن نؤديها!"
في الهامش، كُتب بخطٍ مختلف: «كل قصة تُخاط من جهتين… وإن لم ترَ الخيط الثاني، ستظن أن القماش وُجد هكذا.»
وقف فيصل عند عتبة النافذة المعتمة يراقب المطر وهو يلطخ الزجاج بالغموض. أخرج من جيب بدلته القديمة مفتاحًا نحاسيًا صغيراً لا يذكر أنه اقتناه يوماً، وحين مرر أصابعه على حوافه الباردة، استنشق فيه رائحة زيت الماكينات العتيق وطين الزقاق المظلم.. تسلل إليه شعورٌ غريب بأنه لا يتذكر حاضره، بل يسترجع أطياف حلمٍ عاشه شخصٌ آخر في مكانٍ قاطعته الخيوط.
تذكّر البدلة، فركض مسرعًا في العتمة نحو الدكان. طرق الباب والماكينة صامتة. البدلة على الطاولة أُغلقت جيوبها بإحكام… إلا واحدًا. في داخله الورقة ذاتها، لكن النص تغيّر:
«اسم سلمان كان في ملفٍ مفتوح… وهناك رجل اسمه فيصل لم يدرك بعد أنه داخل القصة.»
في الصباح، كانت أم سلمان تعمل كأن شيئًا لم يكن. وضع الورقة أمامها بصمت.
قالت دون أن تنظر إليه:
ـ هذه ليست ورقة… هذه حكاية طويلة.
سألها بصوتٍ مرتعش:
ـ وسلمان؟
توقفت الدواسة. ساد صمتٌ ثقيل، ثم قالت:
ـ لم يختفِ… لا بد أن يظهر، أو تظهر على الأقل قطعة من أثره.
ارتجف. رفع عينيه نحو مرآةٍ مكسورة تتوسط الجدار، فلم يرَ وجهه. رأى ملامح شابٍ آخر، وفي عينيه أثر حادثٍ قديم لم يُحسم. مدّ يده إلى ضوء الشمس، فشاهد على أنامله حبرًا باهتًا وثقوب إبرٍ صغيرة تعرف الطريق إلى الطرف الآخر من الحقيقة.
حينها فقط فهم… لم يكن القماش وليد لحظته، ولم يكن هو سوى الخيط الثاني الذي سُحب من ذاكرة سلمان، ليُعاد غزله في رجلٍ آخر.
