الاثنين ١٦ شباط (فبراير) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

رثاء

(ذكراك يا أبي)

في الليل الساخن بالذكرى،
وعند نهار يمرّر شريط حضورك ببطء،
كأنه يخشى أن ينتهي،
يتّسع البيت فجأة،
ليس لأن مساحته كبرت،
بل لأن غيابك فتح في الجدران فجوات
من هواءٍ لا يُحتمل.

تبتعد الجدران عن بعضها،
وتتركني في المنتصف،
لأبكيك.
مكانك في الركن
لا يجلس عليه أحد،
ومع ذلك يبدو حاضراً،
خرجت لتوك،
وستعود حاملاً الخبز،
ورائحة الشارع،
وصوت المساء.

منذ رحيلك،
لم يعد الفراغ المشكلة،
بل ثقل حضورك الغائب
الذي يجعل التنفس صعبًا،
يملي المكان بصمتك الكبير.

كنت تمشي أمامنا،
فيصبح الطريق أقل وعورة،
لأنك الأمان،
المسافة القصيرة بين الخوف والسكينة،
اليد الخفية التي تدعمنا دائمًا.

الآن،
أمشي وحدي،
أجر ظلي خلفي،
حبل طويل في العتمة،
وأكتشف متأخرًا
أن الشجاعة
ليست في ملامح الوجه،
ولا في صلابة الصوت،
بل في ذلك الهدوء
الذي يسبق كلامك،
في صمتك الذي يحمي كالدرع.

أحاول أن أستعير نبرتك حين أحدث الآخرين،
أشد ظهري كما كنت تفعل،
أوزع كلمات محسوبة،
لكن صوتي يرتجف
كلما اقترب اسمك من فمي،
فالحروف تعرف أنها لن تجد كتفيك لتستند إليه.

أفهم الآن لماذا كانت يداك خشنتين،
جذع نخلة؛
كنت تقشّر عن أيامنا قسوتها
وتترك لنفسك القشور،
تجمع تعبك في صمت،
وتخبئه في سبحتك،
وتقول: الحمد لله،
فالشكر مفتاح سري يفتح باب الصبر.

قالوا لي يوم رحيلك: "البقاء لله".
وأنا أعرف،
لكنني أسأل هذا الصمت الممتد،

صحراء بلا ظل:
من يربّت على كتفي حين أضيع؟
من يختصر العالم بنظرة تقول: "لا تخف"؟
من يعيد لي توازن الفوضى بابتسامة خفيفة، لا يسمعها أحد سوانا؟

منذ غيابك، فقدت جزءًا من لغتي،
كل جملة أكتبها،
وكل معنى،
ينقصه حضورك،
فاللغة كانت تستعير منك قامتها.

أبحث عنك في وجوه العابرين،
في رائحة الكتب القديمة،
في ظل رجل يمشي مطمئنًا،
في صوت مؤذن يشبه دعاءك،
في نخلة واقفة رغم الريح،
ولا أجد إلا انعكاسي متعبًا أكثر مما ينبغي.

أحيانًا، أترك باب غرفتك مواربًا،
لعل الهواء يحمل شيئًا منك،
ألمس معطفك، أتحسس ذاكرتي،
وأقنع نفسي أن الغياب ليس نهائيًا،
وأن الأشياء تحتفظ بأصحابها بطريقتها الخاصة.

كبرت يا أبي،
لكن كلما اشتد الليل، أصغر؛
أجلس قرب الباب دون أن أدري،
أصغي لخطوات لن تعود،
وأعيد نبض قلبي من دونك.

سأغلق النوافذ،
سأطمئن أمي،
سأبدو قويًا أمام الناس،
سأبتسم في الوقت المناسب،
وأخفي ارتباكي وراء كلمات مقتضبة،
لكن حين أنفرد، أعترف لك:
ما زلت ذلك الطفل الذي تعلّم المشي بيدك،
ولم يتعلّم بعد كيف يسير في اليتم،
كيف يواجه العالم دون أن يتأكد أنك خلفه.

نم هادئًا،
سأحمل اسمك،
ليس ذكرى، بل اسمك،
سقفًا عليّ أن أرفعه كي لا يسقط البيت،
وشجرة عليّ أن أكون ظلها حين تشتد الشمس.

وسأحاول، كلما انكسرت، أن أتذكر كيف كنت تقف،
كيف تجعل من الوقوف فعلاً بسيطًا
ومع ذلك يحتاج قلبًا واسعًا.

أما أنا، فسأبقى كل ليلة
أعيد تعريف الأشياء،
أقيسها بمقدار يدك وهي تمسك يدي،
وأكتشف أن كلمة "أبي"
أوسع من البيت،
وأدفأ من الجدار،
وأثقل من الغياب،
وأضيق من قلبي بعدك.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى