الجمعة ١ نيسان (أبريل) ٢٠٠٥
بقلم إبراهيم سبتي

صورة من فوق

الردهة طويلة يتسلل ضوء ناعس الى جوفها..

الساعة مظلمة موحشة.. لم اكن اتجول لحظة كهذه قبل الان في اروقة تفوح منها رائحة المطهرات النفاذة وصور متناثرة لمناظر طبيعية غير مزججة تحيط بها اطارات خشبية مذهبة تبدو كأنها التقطت من الجو لمواقع قريبة من الخيال..

سمعت مواء خلفي أدرت رأسي لم أر شيئا ومشيت الى قصدى، السلم في نهاية الردهة الطويلة..

أصعد أبحث عن هدفى المفقود منذ ولجت الدهاليز المظلمة والردهات الخانقة ..

الطابق الثالث وبعده سأصعد الى الأعالى.. إلى الرابع متسلما الدرجات المتراصة

كالسردين المعلب.. أسير متأبطا وهم التلاقي..

سأجده حتما متربعا فوق سريره الموشح بالبياض مرتديا ثوبا ابيض تحيط به هالة من الضوء المبهر للعين.. ربما، وقد لا أجده مهما بحثت في أروقة هذا المبنى العالي بطوابقه الستة.. ربما لا أجده اليوم فيذهب بحثي أدراج اوهام مازالت تسكن مخيلتي..

أبي ينزوي في ركن هادئ ربما.. تماما لا فكرة عندي تدلني على مكانه المفترض.. قالوا لى إن رجلا أشيب ضعيف البنية جاؤوا به محمولا على الاكتاف صعدوا به الى الطابق الرابع بعد نوبة ألمت بقلبه المنهك.. خمنت أنه ربما يكون أبي الذي تعودت النظر اليه أشيب الرأس منذ طفولتي.. لا أسمع غير وقع خطواتي وكأني أتلصص لأسترق نظرة افتراضية من فتحة الباب وأرى شيئا سيهزني.. مؤكد أن المشهد مثير ومشوق أن أراه..

قبل الآن لم أكن أسير على مهل ابدا.. صرت كأني أضع قدمي على جمر متقد..

لم اكن أعرف بأن الردهة الطويلة ستجعلني خجلا وانا اتلفت كي لا يفز احد من غفوته مع هذا الهدوء الناعس.. نيام كأنهم أموات لا صوت لا همس لا.. لا..

الردهة الضيقة الطويلة مليئة بغرف موصدة لمرضى لم يتحركوا أبدا..

افترضت أن الردهة مزدحمة ورحت اسير متجنبا الاصطدام بالمارة الصامتين لكن احدهم توقف
وقال بازدراء:

ياهذا عدل من مشيك واخفض من صوتك ان الله لا يحب كل مختال فخور..

لم أرد عليه سرت على مهل خشية أن ألمس أحدهم فينقلب الضجيج إلى حفلة سخرية مرة..

صاح الرجل الذي هزؤ مني وتلوى صوته الحاد بين المارة:

ياهذا.. ياهذا

لم التفت اليه وظل ينادي وسط الزحمة..

تلاشى الضجيج من مخيلتي، لا احد البتة.. لا أصوات.. السكون الذي يلفني مخيف حد الرهبة
الردهة نائمة وأنا أحاول الوصول الى السلم الذي يوصلني إلى ابي الراقد فوق ..

تناهت همهمات من غرفة بابها نصف مفتوح.. لم أتوقف..

الهمهمات تحولت الى نحيب وبكاء، خلت أن أمرا قد حدث للراقد في الداخل.. لم أر أن أحدا قد هرع من مكانه لنجدة الباكي المنتحب..

لم أسمع صرير باب ولا هيئة أحد..

الغرف المجاورة موصدة وكأنها خلت من ساكنيها ومن معهم من رفقاء الليل.. خمنت أن أحد الأبواب سينفتح بقوة ويخرج المنقذ الحامى والمخترق للأبواب والغرف الأخرى التي تئن تحت سياط الألم والمرض والموت..

لكني أدركت بعد مترين أن كل ما خمنته قد راح سدى ولم يخرج حامي الحمى ولا منقد الباكين وأدركت أن هناك ما يحدث..

التفت مستديرا نحو الغرفة الباكية ولكني ترددت في اقتحامها خشية عدم وجود ما يدعو لوجودي.. فيَ شيئ راح يتحرك.. تحرك بقوة الفضولي الذي يريد معرفة ما بداخل الغرفة المظلمة..

وصلت متلفتا خائفا.. لا أريد أن يراني أحد وأنا أتسلل إلى الداخل، لا أريد أن يراني من يتقول علي وأنا زائر لساعات قليلة أجانب أبي حتى طلوع الفجر لا أكثر، هذا إن عثرت عليه!

أبي ربما في الأعالي لا أعرف ما الذي يحدث له وانا قرب باب أخشى من حدوث أمر قد لا يحمد في القادم من الوقت.. ثمل كأني، أرقب بهمس ما أقدر على التقاطه من الداخل دون ان يدري احد وبلا افتضاح من أمري..

الضوء الخافت المتدلي من السقف، خلت أنه سيقع فوق يافوخي فدنوت من الباب أكثر والتصقت عيني بصورة معلقة كانت الشمس تتأهب فيها للرحيل وأشجار الموز ترزح تحت ظلام يبدده موج البحر البعيد، تحسرت على أيامي التي تمضي ولم أر مشهدا كهذا طيلة حياتي، لكن الأفكار هطلت على رأسي وقيدته بأصفاد زغت بعدها عن الباب المفتوح خجلا وهرعت مسرعا نحو السلم البعيد في نهاية الردهة لأصعد باحثا عن أبي..

عدلت عن المغادرة في لحظة صاعقة وتسللت همهمات من الداخل القريب خمنت انها لصوت غير ذكوري وأيقنت أكثر عندما لحقتها صرخات متقطعة خفت أن يسمعها أحد في الردهة ويطل برأسه ليراني متلصصا..

الصرخات اشتدت صاحبتها اصوات يبدو انها لأيدي تضرب على الارض او الحائط..

رباه ما الذي أسمعه؟

قلت: استفق ويكفي الهذيان مايجري أوهام مزروعة في رأسك المتعب والجسد الهزيل الباحث عن أبيه في ردهات تقف الواحدة فوق الأخرى متراصة.. الصرخات بدت لي كسنابك خيل تصهل منتفضة.. كان الصوت الصادر من العمق يقول بتوسل:

لا.. أتركني.. عديم الرحمة..

ظل الصوت يتأبط زحمة فوضى عارمة المت برأسي.. صاح الصوت الباكي

يا أهل الرحم!!

واختنق كأن وسادة اطبقت على فم المغدور واطاحت بلسانه الذي لم ينطق بعدها قط..

تحركت الأنا القوية عندي لأرى ما أنا فاعل هذه اللحظة..

لم يصدر أي صوت عدا المواء الذي عاد قريبا لكني لم أر شيئا ثم سقطت الردهة في سكون مريع.. صفنت مع نفسي وفكرت بكل جرأتي التي لم تكن في أفضل حالاتها الا اللحظة.. اقتحمت الغرفة من شقها المفتوح، دهمت الظلمة..

فأحسست أن يدا دفعتني بقوة وقعت بعدها أرضا واستل صاحب اليد القوية نفسه من الداخل وخرج دون أن أعدل من جسمي الساقط..

بحثت في جدار قريب على زر المصباح متحسسا في السواد الحالك.. انطلقت الإنارة الصفراء مفترشة المكان الذي توسطه سرير تعلوه امرأة غاصت عيناها في تجاويف زرق مسودة وغطى شعرها الوسادة العريضة تتلوى كأفعى شاردة وسط الفراش المبقع بقطرات حمر في منتصفه..

سحلت ساقيها بعناء تحت همهماتها وارتعاش يدها الممتدة نحو قنينة صغيرة وأقراص بيض متناثرة على الطاولة المجاورة، دست واحدا في فمها الخائف نظرت لي برهبة ثم أطلقت صرخة مدوية وهي تقفز من السرير نحو الباب الذي اصطفق خلفها بعنف.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى