الاثنين ٢٣ شباط (فبراير) ٢٠٢٦

«فيرتيج» مداخل التلقي ومساحات التأويل

رشيد بلفقيه

تمهيد

تَصدُر هذه القراءة التحليلية، للعرض المسرحي "فيرتيج" لفرقة "دار الفن"، من منطلق منهجي يعتبر المسرح "استعارة مركبة ومتحركة" للحياة والوجود الإنساني. استعارة تجسد صراع الإنسان مع واقعه، وماضيه، ومصيره في عالم مجازي تُستقدم إليه الأشياء، والأشخاص، والمفاهيم لتتفاعل وليتم تأملها، أو ليتم تفكيكها ويعاد تركيبها، لجعلها توظف في إنتاج خطاب يحاجج ليقنع بوجهة نظر معينة، أو يقوض الإيمان بها.

كما يعتبر أن الخطاب المسرحي "جنس تعبيري يتصف بالطابع الجدلي المفتوح، تقوم الحوارية فيه على مكونات نصية وإخراجية وسينوغرافية ذات مراكز متعددة، تشكل بمجموعها نسيجا فنيا متكاملا"، ولا تخلو لغته المنطوقة أو المرئية من نفس شعري قوامه الاستعارة والرمز.

وفقا لهذه المنطلقات المنهجية سأحلل في دراستي خطاب العرض المسرحي "فيرتيج" من وجهة نظر بلاغية تقف على أهمية أساليب البلاغة في توسيع دلالات مكوناته، وتبرز وظيفتها في تحقيق انسجام عناصره وتناغمها لجعلها تنتج خطابا منسجما. ولتحقيق هذا المسعى سيتم العبور إلى العرض عبر مداخل متعددة، بدءا بـ:

1- مدخل العنوان:

الفيرتيج، أو الدوار، في المعنى التقريري هو الاضطراب الذي يحدث في جهاز التوازن، نتيجة لمؤثرات داخلية أو خارجية معينة، ويشكل إنذارا من الجسم بأن شيئا ما ليس على ما يرام.

أما مجازيا -في سياق العرض- يصير الفيرتيج دلالة على حالة إدراك عسيرة، في مرحلة معينة من العمر، لحقيقة ألا أرض هناك، ألا مكان، ولا ملجأ يمنح الوعي ثباتا ويقيه من الوقوع. لا شيء سوى الهاوية، واللا استقرار... فقط العدم.

وهو في معان أخرى ليس عجزا في الجسد ولكن في المعنى كما رآه ميشيل فوكو، وحتى الحقيقة نفسها هي دوار بمعنى أو بآخر، لأنها لا ترى إلا على حافة السقوط حسب جورج باتاي، ومن لا يعرف الدوار/الفيرتيج، لم يقترب بعد من الحقيقة حسب نوفاليس. ووفقا لبيتر بروك الفيرتيج -بمعنى الاختلال- على خشبة المسرح هو حياة، أما نقيضه أي التوازن فهو موت.

الفيرتيج يقظة وعي شقي يدرك في مرحلة معينة أنه عالق في الأعالي، عندها تغدو كل لحظة وعي دوارا صغيرا أمام توالي الأزمنة وصراع الاجيال.

والفيرتيج هو رهبة الفتنة المشوبة بالخوف حين تميد الأرض تحت الأقدام الباحثة عن مستقر، لتسألها ساخرة: هل أخبرك أحدهم قبل هذا أن الثبات حقيقة؟

هو ليس انكسارا، وليس سقوطا كاملا، ولا ابتعادا حد الفراق ولا اقترابا حد الاحتراق كما قال درويش، بل هو فن من فنون البقاء في المنتصف، بين السماء والأرض، على أطراف الأصابع التي تلمس بالكاد الواقع والوعي، دون أن تتملص تماما من رغبتها الجامحة في التحليق عاليا، أو تتخلص من خوفها العميق من الغرق في التراب.

وليس هناك وضع أبلغ لتوصيف هذه الحالة الشعورية من جعل مجموعة من الشخصيات تعلق هناك عاليا في "سطح عمارة". وهو حال تلك الشخصيات التي وجدت نفسها عالقةٌ في السطح تعيد تأمل ماضيها الثقيل، بأعين مُفتّحة فكان الفيرتيج وكان الاختلال وكان الدوار قدرها.

2- مدخل الحبكة:

يبرز "أسلوب التشبيه" بوصفه أسلوبا بلاغيا أثبت أثره في تأزيم الحبكة في مسارات "فيرتيج"، فهو إن كان في اللغة يقدم المثل والمثال والتمثيل، ويتنوع بين البليغ والمفصل والمجمل، فهو في العرض المسرحي تطوّر وتبلوّر خارج اللغة وتركيباتها، فنزع عنه تأطير التشبيه والمشبه والأداة ووجه الشبه، وتحول إلى ورطة، أو "مأساة" أطرت حياة الشخصيات، بوصفها نماذج سقطت في أحابيله الفاتكة.

فمثلا: كريم وإبراهيم يتشابهان في أنهما مغنيان، بفارق أن أحدهما ممارس والثاني معتزل. والأم وابنتها تتشابهان في أنهما مومستان بفارق أن إحداهما اعتزلت والثانية في بدايات الطريق. حتى أحمد (الزوج الغائب الحاضر) وإبراهيم يتشابهان في أنهما متطرفان سابقان بفارق أن أحدهما نجا والثاني علق. وفي الوقت نفسه نرصد أن الشخصيات جميعها تتشابه في انتمائها إلى طبقة اجتماعية مسحوقة، وجه الشبه بينها أنها تجر ماضيا مثقلا بالخيبات.

في مستوى آخر تعيش هذه الشخصيات صراعا نفسيا ووجوديا مريرا مع نماذج كان من المفروض أن تشبهها، لكنها تحاول التملص، وتجاهد لتشبه نفسها، أو لتشبه النموذج الذي تشتهيه لنفسها، يبرز ذلك مثلا من خلال هذا المقطع الحواري:
كريم: بغيت نتعرف عليك!

 فدوى: واخا تحاول مغتقدرش ... أنا ماشي بحال الآخرين!
 كريم: تا واحد ما بحال الآخرين.
 فدوى: أمي كانت خارجة الطريق على ودي سالات، كرهتها، ولقيت راسي بديت نشبه ليها ... غنبدا فين سالات ...
 كريم: وأنا كبرت مع فقيه كان عندي هو كلشي من بعد موت الوالدة!! ولكن بغاني نشبه ليه ... صدقت كارهو.
 فدوى: بجوجنا طفولة مغتصبة ... (كلانا نتشابه في الطفولة نفسها).
تبرز الشخصيات بوصفها نماذج بشرية ناضجة -من حيث التجارب- لكنها غير مكتملة التشكل -من حيث القناعات-، تبحث عن النموذج المثالي -المتخيل- الذي ستتشبه به أو تتمرد عليه لتحقق تحررها، وفي رحلة بحثها تجد أنها تائهة -موضرة- لا تدري أ تُقدم أم تُحجم، إنه التحقق النصي للفيرتيج الكامل، وهي في حالة انتظار مفتوح للأجوبة التي قد تأتي وقد لا تأتي.

تقول فدوى متمردة على أمها: -بحال ايلا أنت عمرك ما دخلتي عليا الرجال للدار.

 ترد نعيمة (الأم): ماشي بحال.
 فدوى: واخا بيني لي الفرق، فين كاين الفرق؟
 نعيمة: غادا نبين ليك كلشي منين نكونوا بوحدنا ...

من مؤججات الصراع في العرض المسرحي أيضا، يبرز مكون القيم، بوصفها أبرز رافد من روافد الإقناع والحجاج في العرض المسرحي وفي كل جدال عموما، لأهميتها البارزة في "حمل بعض المجموعات الخاصة على الإذعان"، تلك القيم التي يستند الحجاج إلى تراتبيتها المجردة "كتلك التي تعبر عن أفضلية العادل عن النافع" مثلا.

كمثال على ذلك يعلق إبراهيم في قيمه وفي عالمه المثالي، رغم ما عاناه من ظلم المجتمع، ومن قسوة آلة الاستنطاق، لكنه يلوذ بإيمانه، مقابل المجموعة (كريم-الأم-فدوى) الذين يشكلون في لحظة معينة من العرض سدا يحمي قيمهم الخاصة، ويرى في قيمه هو موضعا للطعن والنقاش، فيتأجج صراع طويل مرير بين المجموعتين بوصف كل مجموعة من الشخصيات صورة عن قيمها.

3- مدخل الشخصيات:

الشخصية في العرض المسرحي "عنصر بلاغي" كما وصفته آن أوبرسفيلد، إذ "يمكنها أن تغدو بموجبه مجازا مرسلا، أو مجاز الجزء من الكل، لمجموعة اختيارية من الشخصيات"، كما أن بناء الشخصيات لا يخلو من بعد رمزي يستحضر أهمية الرمز الذي "يصبح العالم بفضله شفافا" كما يرى مرسيا إيلياد. فترتبط الشخصيات بينها بصراعات، تصير ذات بعد بلاغي ورمزي بالضرورة.

مثال ذلك: صراع الأم نعيمة وفدوى البنت، الذي يتجاوز مستوى الصراع الشخصي ليغدو صراع رؤى. فالأم استعاريا تمثل الوطن، والماضي الكامل، والحاضنة والمنشأ، والهوية الجماعية، بل وحارسة القيم، أما البنت فتمثل استعارة التجدد، والمستقبل، والرغبة الطفولية والفردية في الانفلات من القيود، فيكون الصراع بينهما صداما بين الماضي والحاضر، وبين الحاضر المفروض، والمستقبل المشتهى.

ويمكن تأويل هذا الصراع أيضا بوصفه استعارة كبرى تمثل انشقاق الذات عن أصلها، واستعارة تمثل محاولة انبعاث وخروج من الخاصرة، بل وشروع في قتل رمزي للأصل عن سبق إحساس وتلذذ، يقاس على هذا صراع كريم المغني مع والده الفقيه، وصراع إبراهيم الأصولي مع المجتمع، وأجهزة الدولة.

تنتج عن هذا الصراعات لحظات مأساوية (مواجهة البنت والأم، مواجهة إبراهيم لجهاز الدولة الذي يحقق معه ...)، كما تنتج عنها مفارقة بلاغية ينقلب بموجبها الفرع عن الأصل، متجاهلا التضحيات. وهو ما يعمق البعد المأساوي للأحداث في صراع لا رابح فيه ولا غالب إلا مغلوب.

بهذا تبرز الشخصيات بوصفها استعارات مصغرة عن طبقات اجتماعية معينة، تتصارع في الحيز الضيق المتاح لها تحت سماء مفتوحة، شخصيات هامشية تحاول إيجاد موقع قدم لها دون تنازلات كبيرة عن أفكارها ومبادئها، التي لم يعد فيها ما يمكن الاستغناء عنه، أو ما يمكن تبديله.

4- مكون الفضاء/المكان:

نرصد أن المكان يحقق الربط بين عناصر العرض بعضها ببعض، بوصفه مجموعة علامات سينوغرافية دالة، كما يشير إلى ذلك عواد علي، دون أن يمارس دوره في حياد، بل نرصد أنه لعب دور البنية التي تحقق اتساق عناصر السينوغرافيا وانسجامها، رغم تباين أنواع الأماكن في المشاهد، البار، المنزل، الغرفة، مكان التعذيب ... إلخ، فكان الوعي ببنية الفضاء، وقدرته على الاحتواء من طرف المخرج وفريق العمل، مؤسسا لبنية توافق (Harmonie)، فتشكل الفضاء من أماكن متعددة، نميز فيها بين مكان الواقع، ومكان الحلم، ومكان استرجاع الذاكرة، ومكان الصراع والتصالح ... إلخ.

ويبرز البيت بوصفه مركز الصراع ومحوره، البيت يرمز للأرض، للانتماء، وللتملك، بيت عال بسطح يقترب من السماء، وفق تصور عريق يعتبر أن "البيت كائن عامودي، يرتفع إلى الأعلى، فيميز نفسه بعاموديته"، ومن يملك البيت يملك قواعد اللعبة وهذا حال الأم، أما من يملك غرفة في البيت فهو جزء من اللعبة (بقية الشخصيات)، فالغرفة إذن هي المدخل إلى الانتماء، لكن امتلاكها ليس سهلا ولا هينا، إنه يمر عبر عقد، واختبارات.

يلجأ إبراهيم (نموذج المتدين/الإسلامي السجين السابق) إلى تشييد عالمه في الأعلى، في غرفة على السطح، معتقدا أنه كلما اقترب من السماء سيجد السلام في خلوته المقدسة. وفقا للأقدار نفسها يلجأ الحبيبان (فدوى وكريم) إلى الأعلى لتشييد عشهما، معتقدين أنهما سيجدان هناك خلوتهما المدنسة، كلاهما يهرع إلى الأعلى، هربا من القاع المزدحم، ذلك المكان المفتوح المتصل بالسماء، "مكان العبور بين السماء والأرض، المقدس -كما يسمه ميرسيا لإيلياد- لمجرد أنه المكان الأكثر قربا من السماء".

بعد بلوغ الإلدورادو المشتهى تحاول كل شخصية إعادة تشكيل المكان وفقا لرغباتها لتجعله يوتوبيا خاص بها، لكن تنتصب الأم (نعيمة) حارسا للمعبد القديم، محاولة إبقاء الأمور كما كانت، مؤججة الصراع الدرامي مع بقية الشخصيات، كما تنتصب أيضا ضامنة لعودة الأمور إلى طبيعتها في النهاية.

وإذا كانت الغرف هي تلك الباحات المسيجة المحجوبة والكاتمة للأسرار، فإن السطح يبرز بوصفه المكان المفتوح والمشترك، الكاشف لكل مستور (قصة حب كريم وفدوى، إجراءات تعذيب المعتقل، قصص الماضي ...)، أي الفضاء الذي تتصادم فيه رغبات الشخصيات وتتصارع.

في الحد القائم بين المتقابلين (مستور/مكشوف) يغدو السطح عتبة تشكل "الفاصل والحد الذي يميز ويقابل عالمين، والمكان المتناقض حيث يتواصلان"، وحيث يمكن يتم تأمل مسارات التقابل بين العالم الدنيوي المحض، والمقدس الخالص.

ختاما:

الفن لا يعطينا توازنا، كما قال أدونيس، بل يعلمنا كيف نحيا في اختلال جميل، فالاختلال ليس انحرافا، بل هو وضعية تأقلم مع وضع شديد الغرابة، يستحيل فيه تحقق التناغم والانسجام، لكن لا يستحيل بتاتا تحقق العيش، هذا ما تقتنع به الشخصيات بدورها في نهاية العرض، فالمكان المقدس قد لا يكون بالضرورة حيث تتحقق العزلة وحيث تكتمل الرغبات، بل قد يكون ببساطة حيث يتحقق الحب، والتقبل، والتصالح مع الماضي.

رشيد بلفقيه

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى