الثلاثاء ١٠ شباط (فبراير) ٢٠٢٦
بقلم رندة زريق صباغ

فيروز بالبلد

كما يُقرأ الكتاب من عنوانه فكذلك الأفلام، المسرحيات والعروض الفنية والغنائية، هكذا تحمّل القائمون على هذه الأمسية التي تتوجت بايم فيروز وتزيّنت بفكرة وجودها بالبلاد كتحقيق مجازي لواحدة من أمنيات محبي هذه الأيقونة العظيمة، تحملوا مسئولية أن يكون هذا العمل أكبر وأعمق من أمسية فنية عابرة وأن يكون هذا المُنجز بحجم التوقعات.

فرقة ترشيحا للموسيقى العربية تأسست فرقة ترشيحا للموسيقى العربية عام 1988 كمبادرة فنية تهدف إلى احتضان المواهب الموسيقية والغنائية في قرية ترشيحا، والعمل على نشر الثقافة الموسيقية العربية والحفاظ على التراث الموسيقي الأصيل. تضم الفرقة نحو 45 مغنيًا وعازفًا من مختلف مناطق شمال البلاد، يجمعهم شغف الموسيقى والعمل الجماعي ضمن إطار فني متكامل. ويقود الفرقة منذ فترة المايسترو حسام حايك ذلك الفنان الملتزم المثقف الذي وضع نصب عينيه الارتقاء بالموسيقى وبالذائقة الفنية للمتلقي كي يعتاد على الاصغاء للموسيقى وليس فقط الاستماع للأغنيات، حسام حايك ابن مدينة شفاعمرو يسهم بخبرته الفنية في تطوير الأداء الجماعي وصقل الهوية الموسيقية للفرقة، مع الحفاظ على روح الموسيقى العربية الكلاسيكية، وقد مان ذلك واضحاً للعيان والأذان كما الروح والقلب من خلال هذه الأمسية التي استضفنا من خلالها فيروز في مدننا وقرانا بصورة افتراضية لطيفة ومؤثرة. تقدم فرقة ترشيحا للموسيقى العربية برامج موسيقية غنيّة من التراث العربي، تشمل الأدوار والغناء الطربي الأصيل، والموشحات والرحبانيات، إلى جانب الأغاني العربية الكلاسيكية لكبار الملحنين، إضافة إلى عروض موسيقية تتميّز بعزف مقطوعات تراثية بروح فنية راقية. لفت انظار الحضور المهنية العالية التي يتمتع بها الفنان حسام حايك والتي زيّنها بتواضع واعٍ ودماثة راقية، اضافة لالتزامه الفني والوطني المتزن لما فيه من ابداع.

امتلأت ساحة القاعة وباحتها بمحبي الموسيقى وبعشاق سفيرتنا الى النجوم وطبعا بمحبي ومشجعي فرقة ترشيحا ورغبتهم بعودتها لساحة التألق الفني من جديد، وسرعان ما غصًت قاعة العرض بالجمهور، كما امتلأت خشبة المسرح بعشرات العازفين، أعضاء الكورال الذي انقسم الى قسمين واحد للذكور والاخر للاناث بما يتلاءم مع الاغنيات التي سيقدمونها. دمجت الأمسية بين العرض المسرحي الذي برع فيه ممثلان قاما بدور مذيعين بنقلان ببث حي ومباشر جولة السيدة فيروز الافتراضية في مدننا وبلداتنا العربية يمرران من خلال بعض الجمل القصيرة رسائل انسانية مطعمة بالحنين الوطني والانتماء القومي لهذه الأرض ولهذه البلاد التي "كانت تسمى فلسطين وصارت تسمى فلسطين"، نجح ب(عنان ابو حابر وشادن قنبورة) بهيج وقمر بايصال حالة التوتر الايجابي والدهشة الجميلة لتمكنهما (افتراضياً) من رؤية السيدة فيروز تسير في شوارع القدس العتيقة، في حارات يافا، كنائس الناصرة، أزقة صفد، داخل أسوار عكا، ترشيحا كما وادي عارة، مثلث يوم الأرض وغيرها من البلدات التي تحمل عبق وعشق فلسطين كما عطر حبق حنين كل المهجرين اللاجئين لمسقط رأسهم. نقطة مهمة لصالح مؤلف ومخرج العمل الشاب (كارلوس غرزوزي) ابن ترشيحا إذ طعّم مداخلات قمر وبهيج ببعض من الكوميديا ليحول دون وقوعنا كمتلقين في جرن الحزن الكئيب والبكاء على الأطلال، أرادنا متفائلين مبتسمين وسط هذا الثقل الذي بحمله كل منا، أدرك المخرج الشاب الفرق بين المسرحية الوطنية وببن عمل مسرحي فني مفعم بالوطنية والانسانية. كما لو أن الزيارة الجسدية الافتراضية استمرت عقوداً، فلم يودعنا المذيعان قبل أن تتغير ملامحهما، يغزو الشيب شعرهما وترافق العصا خطواتهما، كخطوة تلقي الضوء على شعب شاب وذاب لكننه ما تاب عن عشق وطنه وبلاده، وهذه أهم رسالة لهذا العرض. لا بد أيضاً من شكر أعضاء الفرقة والعازفين أجمعين لهذا الاتقان لكل ما سمعناه ورأيناه، تحية للحضور الذي أكد مراراً وتكرارا أننا شعب بحب الحياة، يحترم الفن الحقيقي ويقدر الابداع، فمجتمعنا بشيبه وشبابه بانتظار كل ما هو راقٍ وجميل، لا زال قادراً على التمييز بين الغث والثمين، بين الجيد والرديء، بين الفن والسفاهة. كما قال المدير الاداري لفرقة ترشيحا (الاعلامي فادي زغايرة) :

 بمثل هذه الاعمال ننهض بمجتمعتنا ونبعده عن القتل، العنف والادمان الخطير، املأوا قاعات العروض الفنية والمسرحية، شجعوا اولادكم على الفنون والرياضة كما التطوع والعطاء المجتمعي. لا يسعني هنا دكر أسماء كل أعضاء الفرقة الذي تجاوز الخمسين، إلا أنني أسكرهم فرداً فرداً على هذه الأمسية اللطيفة، كما أثني على قائد الفرقة لنجاحه ببث روح العمل الجماعي ببن الجميع، قد بدا ذلك واصحاً من خلال الأداء والغناء كما أثني على مخرج العمل كارلوس الذي نجح بالدمج بين العناء والتمثيل بسلاسة ونعومة.

تساءلنا جمبعاً على مدى هذه العقود التي أثرت فبها السيدة فيروز مسامعنا وارواحنا بصوتها: ترى زر كيف نجح الأخوين رحباني بتأليف وتلحين هذا الكم من الأغنيات عن القضية الفلسطينية والوجع الفلسطيني رغم أنهما ليسا فلسطينيين، كيف تبنّت فيروز هذا الوجع بصوتها وأدائها الساحر لدرجة تغلغل في ارواحنا ويومياتنا، تكمن الاجابة في انسانية هؤلاء المبدعين الذين رفضوا الظلم وأدركوا أن الساكت عن الحق شيطان أخرس!! فوقفوا لكل ما اوتوا من مهارة أدبية وفنية مع الفلسطيني المظلوم والمقهور، قرروا أن يصل هذا الظلم لكل العالم من خلال كلماتهم، ألحانهم وصوت فيروز ليكون الغضب الساطع آتٍ والفلسطيني كله ايمان بأن الحق سيظهر مهما طال الرمن، من هنا أبده الرحابنة وفيروز ببث الأمل في نفوس وهمم الفلسطينيين، لم يتعاملوا مع الفلسطيني كمسكين ذليل، بل كمؤمن بالحق مطالبٍ به بقوة مفعمة بالأمل والايمان لأنه محكوم بالأمل ولأن على هذه الأرض الكثير مما يستحق الحياة فبالتالي لا بد من الصمود ولا بد من اختيار الاستمرار برأس مرفوعة حتى المنتهى.

الأخوان رحباني، فيروز وزياد عالم قائم بحد ذاته لا يستطيع أحد إختراقه أو تقليده وطبعا ليس التقليل من شأنه مهما حاول، فيروز التي غنت لمعظم الدول والعواصم العربية لكنها لم تغن يوماً لملك أو قائد، (للتعرف أكثر على الميثولوجيا الرحبانية أنصح باقناء وقراءة موسوعة الباحث الفلسطيني ابن عيلبون (فضل سمعان- أبو نزار)،،، النيثولوجيا الرحبانية" هو مؤلف توثيقي شامل للباحث فضل إبراهيم سمعان (المعروف بـ بولس الرحباني)، صدر في أربعة مجلدات (نُشرت نسخة عام 2016). يتناول الكتاب بالتحليل والبحث تاريخ، نشأة، وتطور الفن الرحباني، والمزج بين مواضيع المسرحيات الغنائية، والأغاني، والتوزيع الموسيقي، موثقاً إرث الأخوين رحباني:

• فضل إبراهيم سمعان، الذي أطلق عليه منصور الرحباني لقب "بولس الرحباني".

• دراسة شاملة تغطي أعمال الرحابنة، بما في ذلك الشعر، التلحين، والتوزيع الموسيقي، والأغنية القصيرة (3-4 دقائق) التي أحدثت ثورة في حينها.

• يتطرق البحث بشمولية إلى المسرحيات الغنائية، التوزيع الموسيقي (مع إشارة لشهادة أم كلثوم لعاصي الرحباني).

• يشمل الكتاب ألبومات صور ورسائل توثق مراحل مختلفة من الإبداع الرحباني.. يُشير الباحثون إلى أن هذا العمل يغطي جوانب الإبداع الفني الشامل للأخوين رحباني، ويصف "الحديقة الرحبانية" التي تناولت كل حالات المشاعر الإنسانية ووصفت كل المخلوقات.

فيروز وزياد اللذان رفضا عروضاً مغرية، لم يغادرا لبنان ولم يقدما أي تنازل مبدئي مقابل مال او جاه كما فعل الكثير من الفنانين، لذا ستبقى فيروز تتربع على عرش قلوبنا جميعاً طال الزمان أم قصر، يظل حلم لقائها وحضور حفلة لها أحد أهم أحلامنا وأمنيات كل انسان، كنت محظوظة اذ نحقق لي هذان الحلمان بلقاء السيدة فيروز عام 2000 ولقاء المبدع زياد الرحباني عام 2020. انطلاقاً من ادراك القائمين على هذا العمل لمدى محلتنا للسيدة فيروز جاءت فكرة هذا العرض (فيروز بالبلد) التي أظنها فكرة ذكية جداً في الطرح، الأداء والتنفيذ. أنصح الجميع بمشاهدة هذا العرض واصطحاب اولادكم وبناتكم لتحظوا بأمسية فنية لطيفة ومؤثرة تفتح آفاقاً خاصة لشبابنا ومراهقيناً الذين باتوا لحاجة للتعرف على هذا النمط من الرسائل الانسانية والفنية.

كل ما تقدم لا بمنع وجود بعض الملاحظات البسيطة على الأمسية، هي ملاحظاتي الخاصة كمستشارة ثقافية ،كاتبة مهتمة بالفنون على أنواعها، هي ملاحظات يهمني ايصالها مباشرة للقيمين على العمل بهدف التحسين.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى