الأربعاء ١٥ نيسان (أبريل) ٢٠٢٠
بقلم عبد الرحيم حمدان حمدان

قراءة نقدية في قصة «مَن قتل فاطمة؟»

يعد عبد الله تاية رائداُ من رواد كتاب القصة القصيرة في غزة، وتمثل شخصيته الأدبية شخصية مهمة ومتميزة في الحركة الأدبية في فلسطين، تمكنت شخصيته من أن تضع نفسها على خريطة الفن القصصي العربي من خلال ما كتبه من روايات رائعة، ومجموعات قصصية متعددة، وما قدمة من نقد أدبي رصين، ومؤلفات ثقافية متنوعة.

أصدر الكاتب عدداً من المجموعات القصصية أهمها: من يدق الباب 1977، الدوائر البرتقالية1991، البحث إيقاع مستمر1997، انفلات الموج2001، جنود لا يحبون الفراشات2003.

كما صدر له عدد من الروايات: "الذين يبحثون عن الشمس 1979، العربة والليل1982، التين الشوكي ينضج قريباً1983، وجوه في الماء الساخن1996، قمر في بيت دراس.3001

وصدر له قبل شهر ببلوغرافيا كتاب "فلسطينيون من القدس" عن دار الجندي للطباعة والنشر والتوزيع في القدس كما صدر للكاتب كتاب "الإبداع في أسماء الله الحسنى "2015، وكتاب" الإعلام الثقافي في الإذاعة والتليفزيون "2006، وكتاب "ليلة السابع من ديسمبر "2003، وكتاب" زهير الريس السياسي والمفكر ".2000

وقد صدر للروائي عبدالله تايه، خمس مجموعات قصصية، وخمس مجموعات قصصية مشتركة باللغة العربية1981، وأربع مجموعات قصصية باللغة الإنجليزية، ومجموعة قصصية مشتركة باللغة الإسبانية.

صدر للقاص والروائي الفلسطيني عبدالله تايه مجموعة قصصية جديدة "ما قالته الرواة عن الحواري" عن دار النشر الحيفاوية كل شيء، في طبعة أنيقة بورق من النوع المصقول، وهو عمل أدبي جُمع في مئة وثلاثة عشرة صفحة من القطع المتوسط، وتتضمن أربعة عشر قصة كتبها على فترات، وهي: ما قالته الرواة عن الحواري والكتب، وهذه القصة هي عنوان غلاف المجموعة، وقصة ثوب لا يعرف الصمت مهداة للشهيدة شادن أبو حجلة، وقصة من قتل فاطمة مهداة للشهيدة فاطمة أبو جيش من قرية بيت دجن نابلس، وقصة قمر وجمادات كثيرة والبوصلة، وقصة السلم والثعبان مهداة للشهيدة ختام تايه ابنة الثانية عشرة، وقصة ربيع ميساء، وصباح العيد في غزة، وقصة ربما، وقصة صمت والعصفورة وعين الكاميرا قصة مشتركة مع القاصة مي تايه، وقصة كرسي برجل واحدة، وقصة أرنب عند المنطار، وكان عنصر المعاناة في ظل الاحتلال والاستشهاد في كل قصص المجموعة هو الذي يوفر الوحدة بينها.

عمد الباحث إلى اختيار قصة من قتل ليلى؟ دون سواها من قصص المجموعة؛ لضيق المجال؛ ولأنها تمثل نموذجاً فنياً متكاملاً لسائر القصص في المجموعة، ونظراً لتشابه الأدوات والآليات التقنية ووسائل التعبير الفنية والجمالية التي وظفها الكاتب في نقل فكرته للمتلقين، وعرض موضوعه، وسيتناول في بحثه بالدرس والتحليل والمتابعة أبرز العناصر السردية في المعمار الفني للقصة، والتي أسهمت في بناء تلك القصص والكشف عن التقنيات الفنية التي وظفها لإقامة ذلك البناء.

أ - العتبات النصية:

أولى الكاتب أهمية كبيرة للعتبات النصية في مجموعته القصصية، واشتغل عليها كثيراَ، وهي تشمل عنوان المجموعة، وعناوين قصصه الداخلية إلى جانب الإهداء وغيرهما، وهو ما يسيمه جرار جنيت المصاحب النصي، وتكمن أهمية العتبات النصية في مساهمتها القوية في فهم النص والتعرف إليه؛ بوصفها مدخل كل نص، فليس ثمة طريق يفضي إلى النص بدون المرور بعتباته.

وعنوان القصة يمثل عنوان النص بأسره، وهو عتبة أصيلة من عتبات العمل الأدبي، ونص موازي له، وقد جاء عنوان القصة على النحو التالي: من قتل فاطمة؟ وهو يحمل بناءين:

البناء اللغوي : إذ اختار القاص لعنوان قصته أسلوباً لغوياً، ورد على صيغة الاستفهام، أي على شكل سؤال، وهو بذلك يحقق الإثارة والانفعال والدهشة لدى القارئ.

التركيب الدلالي: ينفتح العنوان على دلالات تعبيرية متعددة تجعل القارئ يطرح تساؤلات وتأويلات عدة: مَنْ هي فاطمة؟ ولماذا قتلت؟ ومن قتلها؟ وهل قتلت عمداً أم خطأ؟ وهل تستحق القتل؟ أكيد قتلت على يد إنسان لذكر اسم الاستفهام "من"؟

إن مثل هذه التساؤلات تحتاج إلى إجابات، ولن يتحقق ذلك إلا بقراءة القصة من بدايتها حتى نهايتها، قراءة واعية، ومتمعنة وفاحصة كاشفة لمضمون القصة، بمعنى أن العنوان متشظٍ في المنجز النصي بأسره، وبذلك حقق العنوان وظيفته في توليد الإثارة والدهشة والمفاجأة لدى المتلقي، فضلاً عن شعوره باللذة الفنية، لتوصله إلى جواب سؤال العنوان بنفسه.

ويدرك قارئ المجموعة القصصية أن فاطمة ابنة العشرين ربيعاً هي إحدى الحواري اللائي ارتقين إلى العلا برصاصة جندي حاقد، وهي من اللائي تحدث عنهن الرواة الكتاب والأدباء، وهنا يتجلى بشكل واضح أن هناك علاقة دلالية وجمالية وثيقة تربط عنوان هذه القصة: مَنْ قتل فاطمة؟ "بعنوان المجموعة القصصية" ما قالته الرواة عن الحواري"، من ناحية، وعناوين القصص الأخرى من ناحية أخرى.

وعليه، فقد أدى العنوان في القصة دوراً مهماً في توجيه أفق التوقع، وتحديد نمط المتلقي، وساهم في تشويق القارئ وشدِّه إلى قراءة القصة ومتابعة أحداثها.

الإهداء: يأتي الإهداء عتبة ثانية، وقد جهد الكاتب في جعل الإهداء عنصر إثارة ودهشة، إذ عمد إلى وضعه في نهاية القصة، وهو بذلك يخالف ما اعتاد عليه الكتاب، إذ يوضع الإهداء بعد العنوان مباشرة؛ لأن هذا هو المكان الاعتيادي لأي إهداء، ولم يذكر الكاتب في الإهداء لفظة إهداء، واستبدلها بحرف الجر "إلى"، وحدد اسم المهدى إليه، والمكان، قال: "إلى روح الشهيدة فاطمة أبو جيش من قرية بيت دجن قرب نابلس" (القصة: 37).

أدى الإهداء وظيفته بوصفه رابطاً لغوياً بين عدد من قصص المجموعة أهديت إلى مجموعة من النساء اللائي استشهدن، فقصة "ثوب لا يعرف الصمت" مهداة إلى الشهيدة شادن أبو حجلة، وقصة "السلم والثعبان" مهداة إلى الشهيدة ختام تايه ابنة الثانية عشرة، وقد أهدى الكاتب المجموعة القصصية لنفسه في سابقة غير معتادة أن يهدي الكاتب كتابه لنفسه إذ يقول في إهداء مجموعته:

"خير من أهديه مجموعتي القصصية هذه هو الإنسان، الذي يرتدي ثيابي، إلى عبدالله تايه الذي وجدت أنه الجدير بالإهداء أكثر من غيره "(إهداء) " (القصة :4).

ب - الحدث السردي:

تدور أحداث هذه القصة حول فتاة فلسطينية ابنة العشرين ربيعاً من قرية بيت دجن القريبة من نابلس، قتلها الجنود الصهاينة بعد عودتها من العمل بنابلس بلا سبب سوى الاستهتار والتسلية والعبث، وتصور هذه القصة جانباً من جوانب المعاناة والحرمان والقهر الذي يعيشه أهل القرية، في مقابل جنود الاحتلال وعجرفتهم وقسوتهم التي تجسدت في القصة من خلال ممارساتهم البشعة بحق أهالي القرية، إن طرح أفكار القصة بطريقة مباشرة ومن خلال عناوينها يعود إلى طغيان الأحداث الواقعية الدامية وتأثيرها في نفس الكاتب وأدواته.

أما الموضوع المهم الذي أراد الكاتب أن يصل إليه من خلال أحداث القصة، هو توصيل مياه الشرب إلى القرية عن طريق إدخال صهريج المياه، ثم قطع الطريق الموصل إليها، وإطلاق النار على الشابة فاطمة الممرضة، وقتلها بلا سبب، وعند تشييع جنازة الشهيدة فاطمة يتخلى الناس عن حاجتهم إلى الماء من الصهريج، ويتركون تشييع الجنازة، إنهم بهذا العمل يعبرون عن انشغالهم بالهم الفلسطيني الجمعي العام عن الهم الذاتي الشخصي.

يقابل القاص في القصة بين عالمين متناقضين: عالم أهل القرية أصحاب الأرض الطيبين المسالمين الذين يعيشون مأساة الاحتلال وممارساته الفظة وعالم الاحتلال ووجوه ذوي الخوذات وجرافاتهم ومستوطناتهم وحواجزهم العسكرية ومواقعهم فوق التلال القريبة من القرية، غير أن الصورة ترصد تناقضاً واضحا في المهام والوظيفة، فأهل القرية يعملون من أجل الحياة السعيدة الهانئة فوق أرضهم، طلباً للقمة العيش المغمسة بالعرق والجهد والتعب، في حين أن المحتل يهدف إلى تدمير الحياة الإنسانية والتنغيص على الأهالي وقتلهم، وهذا ما يظهر جلياً في قتل فاطمة بدم بارد وبدون سبب.

وقد مثَّل الكاتب دور الشاهد المراقب للأوضاع التي يحاول ترديدها؛ بقصد فضح تلك الممارسات العدوانية لوجه الاحتلال البغيض. ووصف مشاعره، والظروف التي عانى منها الناس، وكذلك صدى جريمة القتل في نفسه، فقد عبر عن الفكرة التي يريد أن ينقلها، وهي جريمة قتل الإنسان الفلسطيني مع سبق الإصرار، واستغلال فن القصة كوسيلة إعلامية للمطالبة بمعاقبة القتلة، وفضح ممارسات سلطات الاحتلال الإسرائيلي على الصعيد الدولي، والدفع لأخذ بثأر هذه الشهيدة، إذ ما زال دم فاطمة الطاهر ينتصر على رصاص جنود العدو المجرمين، وما زالت ابتسامتها أقوى من حقدهم، وما زالت الشهيدة حاضرة في وجدان كل من عرفها، إنها شعلة أمل ومحبة لكل المرضى والمستضعفين، ونبراس عز وفخار للمناضلين في سبيل الحرية والكرامة الإنسانية.

إن الأحدث في القصة جاءت مترابطة متعاضدة في وحدة عضوية ونفسية متماسكة، تصب في البناء المعماري الفني للقصة. ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.

ج - الشخصيات:

الشخصية مكون أساسي من مكونات النسيج الفني بأسره، وقد درج النقاد على تصنيف شخصيات العمل الأدبي إلى أصناف متعددة: فصنف منها حسب الدور مثل: الشخصيات المحورية الرئيسية، والشخصيات الثانوية، وصنفت وفقاً للوظيفة إلى شخصيات نامية متطورة وإلى شخصيات مسطحة جامدة، وصنف ثالث تبعاً للسلوك، فصنفت إلى شخصيات إيجابية، وأخرى سلبية، ويبدو أن التقسيم الأخير هو أقرب التصنيفات إلى دراسة شخصيات القصة، ومن هنا ستصنف الشخصيات صنفين بدون إغفال الإشارة إلى التصنيفات الأخرى.

الصنف الأول: الشخصيات الإيجابية:

يقصد بالشخصية الإيجابية: الشخصية المقبولة عند الرحمن والمحبوبة عند الإنسان، سليمة في نفسيتها تواقة للخير، تتقدم بإيجابيتها، وتتفاعل بكل ما عندها من عطاء، وهي الشخصية الصالحة والمُصلحة، وهي الشخصية الخيّرة بمعنى الكلمة، وهي في القصة ثلاثة أنواع:

1 - شخصية أهل القرية:

ركز القاص في تصويره لأبعاد شخصية أهل القرية على الأبعاد النفسية والفكرية، وإن لم يغفل تماماً الأبعاد الجسدية، فهم يعانون الحصار والاحتلال، وقصوراً في مدِّ شبكات المياه إلى القرية؛ الأمر الذي أدى إلى العطش، وقطع الطرق التي تربطهم بالقرى المجاورة، وبالرغم من ذلك كله، فإنهم صامدون فوق أرض قريتهم، يتحدَّون الاحتلال، يقول القاص على لسان الناس:

"لن نموت، يغلقون الطريق نسلك طريقا آخر، صحيح أنه صعب وغير معبد وملتو ومملوء بالحفر والمنعرجات، لكن لن يحاصرونا" (القصة ص 27، 28).

ويدرك المتلقي كذلك أن أهل القرية يمتلكون وعياً حضارياً يتمثل في الانضباط والاصطفاف المنظم في طابور للحصول على الماء، يقول السارد:

"ينضبط الواقفون، يصطفون رجالاً ونساء وأولاداً يتندى من جلودهم عرق مالح لا يعوضه إلا شربة ماء، الأواني فارغة، يمر الواقفون بمحاذاة حنفية الصهريج، خرطوم يندفع فيه الماء" (القصة: 29).

ويكشف موضع آخر أن الناس لديهم وعي سياسي، وعي بالصراع المحتدم مع الصهاينة، وقد ساق القاص ذلك في لون من التهكم والسخرية السوداء، وهي خصيصة أسلوبية من خصائص أسلوب الكاتب.

يقول شخص وهو ينتظر دوره يلبس طاقيه تقيه الحر محاورات آخر:

- كله من الخواجات أخذوا التلال، حوالينا مستعمرات، وسدوا الطرق، عملوا أزمة في الميه، وفي الأرض، حسبي الله، وأنت النعم الوكيل.

يرد آخر بصوت غنائي:

- وقال بدهم سلام.. يا سلام سلم يا سلام" (القصة ص 30).

إن السخرية ولغتها وتلميحاتها المختلفة هي "أداة من أدوات الكاتب للتعبير، والأسلوب الساخر أقرب إلى نفس القارئ سواء في القص القصير أم في الرواية، وكثيراً ما تقوم جملة ساخرة بوظيفة صفحات من السرد التقليدي، وهي تخرج القارئ عن المألوف وربما تروِّح عنه في أثناء عناء القراءة والمتابعة.

ومن يتأمل النص القصصي يدرك أن أهل القرية لديهم انتماء وطني، وعاطفة دينية جعلتهم يشاركون في تشييع جنازة الشهيدة فاطمة، يقول السارد:

"يمر جثمان فاطمة محمولاً على أكتاف الشباب.. يترك الناس ملء أوعيتهم بالماء، وينظمون إلى الجنازة.. الجنود يراقبون الجنازة من موقعهم، يستمعون إلى الموسيقى ويمضغون اللبان ويطلقون رصاص لهوهم المعتاد.. " (القصة ص 37).

2 - شخصية سائق الصهريج:

هي شخصية ذات ملامح إنسانية، تعاني شأنها شأن سكان القرية من ممارسات المحتلين وحواجزهم العسكرية، وهي شخصية تتصف بالشجاعة والإقدام، لا تحسب حساباً لجنود الاحتلال، يخاطر بحياته وصهريجه في سبيل توصيل الماء لأهالي القرية، إنه يجلب الفرح والسرور لصبية القرية، لديه انتماء وطني، وإصرار على توصيل الماء للناس، يقول السارد:

"في اليوم التالي كان سائق صهريج الماء يدخل كالعادة مخاطراً بحياته إلى القرية (القصة": ص 36،37).

إن لدى سائق الصهريج إصراراَ قوياً لتوصيل الماء، وتحدياً للمحتلين، إنه يرغب في تأدية واجبه تجاه شعبه ووطنه، يقول في حوار داخلي:

"لن أتنازل عن العودة غداً مرة ثانية بالصهريج مملوءاً بالماء للقرية مهما تحامق الجند"،
وهتف بصوت مخنوق:

"الرب واحد والعمر واحد" (القصة ص 35).

3 - شخصية الشهيدة فاطمة:

فاطمة التي يصور الكاتب مأساتها وفجيعتها هي شخصية إنسانية حقيقية موجودة من دم ولحم، وليست شخصية من صنع الخيال، وجدت في مكانها الحقيقي، وزمانها الحقيقي، ومعاناتها وأحلامها الحقيقيتين، وقريتها بيت دجن قرية حقيقية، والمستشفى العربي التخصصي الذي تعمل به في مدينة نابلس مكان حقيقي باسمه ومكانه، إنها شخصية فتاة شابة مثابرة تسعى للعمل لتعول أسرتها، لم تحمل سلاحا لتقاتل به المحتلين، ولم تقذف دورياتهم وحواجزهم العسكرية بالحجارة، ولكنهم أطلقوا على جسدها الطاهر رصاصاتهم وهم يعلمون ويتسلون بدون إكثراث أو مبالاة بحياة البشر. وباستشهادها خيم الحزن والأسى على آفاق القرية بأسرها، كان لدى فاطمة وعي عميق بالصراع الصهيوني فوق تراب فلسطين، يقول السارد واصفا جرية مقتل فاطمة:

"فاطمة تنتظر بفارغ الصبر عودتها إلى البيت بعد يوم عمل طويل في المستشفى.. فجأة انطلقت رصاصة واحدة.. صوت آهة عميقة صدرت من المقعد الخلفي، كابح قوي أوقف العربة حتى كادت ترتطم بها عربة من الخلف.. نظر زوج أخت فاطمة إلى الوراء.. رأى فاطمة تغرق في دمائها.. "من أين أتت الطلقة؟!" لم يكن كثيرُ وقتٍ للتساؤل.. نظر إلى موقع الجند.. كانوا يتحدثون كأن شيئاً لم يحدث، انطلق عائداً بها إلى أقرب مستشفى، ولما وصل إلى مستشفى رفيديا كانت فاطمة قد أسلمت الروح، تعطرت من فوح دمائها المروج والسهول، بينما لا يزال الجنود يتحدثون ويتسامرون في موقعهم، يرصدون الطريق بخبث، ويعبثون باستهتار بالطلقات وأرواح الناس (القصة: 36 ).

كانت فكرة القاص أن يرسم صورة مشرقة للشهيدة فاطمة، التقط ملامحها وأبعادها من الواقع الفلسطيني المعيش، وقد وفق في تحويل هذه الشخصية الحقيقية إلى شخصية قصصية ناجحة اصطبغت بالصدق الواقعي والصدق الفني في آن، فضمن بذلك تعاطف المتلقي معها وحزنه عليها، وضمن إثارة غضب المتلقين على أولئك الجنود العابثين الذين يتهاونون في قتل الأنفس البريئة.

وعلى الرغم من أن القاص قام في هذه القصة بتسجيل واقعي للحدث، ألتقط شخصياته من مكانها وزمانها ومعاناتها الحقيقية، فإنه في الوقت ذاته حاول أن يجعل من هذه الشخصيات "نماذج إنسانية" تصارع العدو المحتل، وذلك من خلال تطوير أسلوبه وآلياته، وتوظيف التقنيات السردية الحديثة لنقل تجربته الشعورية؛ بقصد التأثير في المتلقين.

ويرسم القاص في مشهد مأساوي جريمة قتل فاطمة في أثناء عودتها إلى بيتها، يقول السارد واصفاً هذا المشهد الدموي:

ومن يتأمل رسم الشخصيات في القصة، يلحظ أن المتلقي لا يعثر على شخصية رئيسة واحدة تدور حولها أحداث القصة؛ وإنما يجد أن الثلاث شخصيات معاً هي التي تشكل الشخصية الرئيسية.

الصنف الثانيً: الشخصية السلبية (صورة الآخر):

هي الشخصية الشريرة، المحبة للقتل وسفك دماء الآخرين، العبث والاستهتار بمصائر الغير، لديها نظرة تشاؤمية هي الغالبة عليها في تصرفاتها وقناعاتها كافة، باطنها مملوءة بالانتقام والعدوان، وتتمثل هذه الصفات في الوجه القبيح لجنود الاحتلال، وفي ممارساتهم الفظة والبشعة تجاه أبناء الشعب الفلسطيني العزل: من قطع للطرق وحصار، وقتل بدون سبب. يقول السارد:

"العيون المطلة من تحت الخوذات والتي ترقب الطريق لم تكن ترضى أن يكون أي شيء حي في القرية، فأبواز البنادق تسد الطريق على الناس، يأتي فك الجرافة ذو الأنياب يخرج كرش الأسفلت ويعليه في كومة صادمة لكل الراغبين في عبور الطريق إلى القرية أو الخروج منها، يسدون الطريق الذي يصل قريتهم بقرية بيت فوريك، موقع الخوذات على التلة القريبة يفتش منظاره في أشكال الناس وهيئاتهم ( ص: 37).

وفي موضع آخر من القصة يرسم القاص ملامح شخصية جنود الاحتلال الصهيوني مجردين من المعالم الإنسانية، يتصفون بالعجرفة وعدم الاكتراث بحياة البشر، يقول السارد:

"...الجنود يراقبون الجنازة من موقعهم، يستمعون إلى الموسيقى ويمضغون اللبان ويطلقون رصاص لهوهم المعتاد.. في حين فقدت الأسرة معيلتها الوحيدة ابنة العشرين عاماً.. العائدة من عملها في نابلس إلى قريتها في بيت دجن والتي قنصها الجندي دون سبب" (القصة: 37).

إن شخصية الجندي الصهيوني المحتل شخصية نمطية تتكرر في كثير من القصص، إنها شخصية المحتل الذي يتصف بالقوة والبطش والفظاعة، ولم يحاول تغيير سلوكه، وكان هدف القاص من وراء ذكر تلك الصفات هو تعرية مثل الممارسات اللاإنسانية البشعة، وتسليط الضوء عليها.

وإلى جانب وجود الشخصيات الإيجابية والسلبية تبرز شخصية السارد ؛ بوصفه من الشخصيات الأساسية لهذه القصة والذي جاء كشاهد ومراقب للأحداث، فهو يوظف عدساته في السرد بطريقة مشابهة لعدسات آلات التصوير في السينما، ويتتبع خطوات دخول صهريج الماء إلى القرية وتعلق الصبية به، وتحلق أهالي القرية حوله طلباً للماء، وحركات سائق صهريج المياه، والجند، وطابور السيارات، ويرصد- أيضاً - شخصية فاطمة ويصف حركاتها وأفعالها، وأهم الأوصاف التي كانت تتسم بها وشوقها وانتظارها للعودة إلى أهلها في القرية بفارغ الصبر وما تكابده من تعب ومشاق في السفر للعمل في نابلس، هذا الوصف الذي خصصه السارد، لم يقتصر فقط على المظاهر الخارجية السطحية؛ وإنما تعداها إلى الأعماق الداخلية الخفية للشخصيات، كما أن معرفة السارد تتخطى ما يشاهده ويدركه بالملاحظات، ويتبين ذلك من الأمثلة التالية، يقول السارد:

"... قهر السائقين التوقفُ الطويل، الانتظارُ القاسي، ونزفُ العرق والوقت" (القصة : ٣٥،٣٦).

وفي موضع آخر من القصة يصور السارد الحالة النفسية للناس في القرية، يقول سائق الصهريج في حوار داخلي بينه وبين نفسه:

"الكل مصاب بالضغط، والجندي يتسلى بنا، يأتي من مكان بعيد إلى طريق أقدامنا، ووسائد نومنا، وأفران خبزنا، وروضات أطفالنا، ليسكن مكاننا، ويتسلى بحياتنا، يقولون معه أوامر مشددة ألا يمس الناس المدنيين، ونحن نأكل ونشرب ونعمل وننام في جو من الكوابيس، ونقاوم الاحتلال كل بطريقته" (القصة ص:٣٤.

لقد اختار القاص شخصياته من الواقع المعيش، وهي شخصيات حقيقية موجودة، وليست من الخيال، وهذه الشخصيات تمثل نموذجاً للإنسان الفلسطيني الذي يعاني سطوة المحتل وجبروته وطغيانه، وبالتالي، فإن الكاتب يختار الشخصيات التي تفاعلت مع الحدث، وعانت منه، وهم أهل القرية.

د - اللغة والأسلوب:

يمكن للقارئ أن يتوصل إلى أن القاص مال إلى استخدام مستوى معين من اللغة، وأن يرصد جملة من الأساليب اللغوية في قصة من قتل فاطمة؟ على النحو التالي:

يرى المتلقي في لغة القصة لغة واقعية، مكثفة، وثيقة الصلة بالشخصيات التي يتحدث عنها، وهي لغة واقعية مستمدة من لغة الحياة اليومية، وطبيعة الظروف التي يروي أحداثها. وهي لغة تتقاطع أحيانا مع لغة تتسم بالشفافية.

يعمد القاص إلى توظيف مجموعة من الألفاظ؛ لتجسد المعنى من خلال انتقائها بدقة وعناية، ونظمها في نسق خاص؛ لتلائم مقتضى الحال، ولتؤثر في السامعين، وتجعلهم يعيشون الموقف بأوضح صورة، وأجمل بيان، وكأن قدرتها الإيحائية الذي تحمله اللفظة شيء من أسباب اختيار القاص لها من بين مرادفاتها، يقول القاص:

"فأبواز البنادق تسد الطريق على الناس، يأتي فك الجرافة ذو الأنياب يخرج كرش الأسفلت ويعليه في كومة صادمة لكل الراغبين في عبور الطريق إلى القرية أو الخروج منها،...تصارعه عليها دبابة وتعيده من حيث أتى لا يعلم متى سبقته الجرافة الملعونة فبقرت بطن الطريق، وحفرته بلؤم ( ص 27، 32).

فألفاظ مثل": أبواز"، "فك الجرافة" "أنياب"، "كرش الأسفلت"، تصارعه دبابة، فبقرت، بطن الطريق، حفرته بلؤم "، ألفاظ اختيرت بدقة وعناية، وجاءت مشحونة بدلالات إيحائية غنية، لا تسد محلها ألفاظ أخرى، ويلحظ المتلقي أن لغة القاص هي لغة سهلة واضحة رشيقة متدفقة تتناسب مع الموضوع السياسي والاجتماعي للقصص.

وتتميز لغة الكاتب بالمرونة والطواعية في استخدام الألفاظ، وفي تركيب الجملة، فتأتي ملائمة للمعنى، ومجسدة للحديث، كما تتسم بالدقة والحيوية، ويجد القارئ أن اللغة تلائم الوضع الثقافي للشخصيات في كثير من مواضع القصة، فنجدها لغة فصيحة عندما تتحدث فاطمة عن نفسها، يقول القاص:

"أصحو كل صباح على شروق يلمع فوق خوذات الجند عند تلال القرية، أغادر إلى عملي وهم لا يغادرون، وأعود في المساء وهم لا يغادرون " (القصة: 32 ).

ومن الظواهر اللغوية التي برزت في المقطع السابق، ميلُ القاص إلى توظيف الأفعال المضارعة، فقد كرر الأفعال الآتية: أصحو، يلمع، أغادر، لا يغادرون، وأعود، لا يغادرون"، وجميع هذه الأفعال تشي بالحركة والحيوية والاستمرارية والتجدد.

وتجلت ظاهرة تكرار الفعل المضارع في مثال آخر مثل قول القاص:

"تعلق الصبية بصهريج الماء يتمسحون به، يهللون، يباركون الماء الداخل إلى قلب قريتهم بيت دجن الواقعة شرق نابلس" (القصة: 27)،

فالأفعال المضارعة التي وردت هي: "تعلق، يتمسحون، يهللون، يباركون"، وهي أفعال تمثل حركة دائبة للفعل الجماعي لتصنع الحدث، ويلحظ المتلقي تخلى الجمل والتراكيب عن حروف الربط بين الجمل كنوع من التصفية والتكييف والإيجاز، ويدرك المتلقي أن لغة القصة هي لغة شعرية تحمل ظلالاً وألواناً موحية، وتشى معاني ودلالاتٍ غنية، وتدفع القارئ ليتجاوب معه وجدانياً ونفسياً، فتتحقق المشاركة الوجدانية لديه.

إن اللغة الشعرية التي تحتوي على الصور المجازية تنزع إلى رسم مشاهد تصويرية موحية على اللغة الشعرية، تكاد تلامس شواطئ الشعر وتضفي عليها بعداً جمالياً حيوياً ونضراً على مجمل المنجز النصي بدون أن يؤثر ذلك سلباً على مضمون النص القصصي، يقول السارد واصفاً منظراً مستوحى من طبيعة واقع القرية:

"يقف الصهريج تلوحه شمس مغادرة، هواء زعتري، نفّاذ عطر الرائحة يهب من التلال، يغطي على رائحة البارود وخشخشة السلاح وأوامر الجند.. يشير له الجندي بالاستمرار.. الهواء الزعتري القادم من التلال يسري في الروح ويبعث في القلب حباً مجنوناً للمكان" (القصة، ص 34، 35).

وعلى صعيد المستوى اللغوي، يستخدم الكاتب أشكالاً لغوية مختلفة مثل: السرد، والوصف، والحوار الخارجي، والمونولوج الداخلي.

ومن الأمثلة على استخدم الكاتب للسرد الموضوعي، قوله:

"لا تزال العربات القادمة إلى القرية تصطف في طابور طويل على الطريق الالتفافي الوحيد، الجنود يتلهون بأي شيء إلا تسهيل المرور، مضى وقت طويل حتى بدأوا بالابتعاد عن الطريق عائدين إلى موقعهم، يتلكأ بعضهم، العربة التي تقل فاطمة أبو جيش وأختها وزوج أختها كانت قد وقفت في الطابور، أمامها وخلفها عربات كثيرة، انفتحت الطريق بإشارة آخر جندي مغادر يتعابث، أشار للعربات بالمرور وانصرف لاحقا بزملائه، تمر العربات في تؤدة فوق منعرجات الطريق)القصة :٣5).

من يتمعن في المقطع السابق، يكتشف أن السرد ساهم في تصوير الحدث وتطويره، بحيث أصبح نامياً متطوراً من خلال الشخصيات وصفاتها، ويلمس المتلقي أن لغة السرد جاءت لغة تقريرية مباشرة، ولعل الدافع على ذلك هو رغبة القاص في التعبير عن الواقع بصدق دون تزييف أو تزويق، أو بلاغة تفسد الحقيقة، لقد حاول القاص التخفيف من وطأة التقريرية من خلال تحميل السرد دلالات نفسية قادرة على نقل معاناة أهل القرية في ظل الاحتلال الصهيوني، وتساهم في تأجيج عواطف المتلقين وتحريضهم.

ومن الأساليب السردية التي لجأ القاص إليها، توظيفه تقنية الحوار بنوعيه الخارجي والداخلي؛ بوصفه وسيلة تعبيرية يسهم في نقل فكرة القصة وبلورتها وخدمة الأحداث.

ومن أنماط الحوار الخارجي الذي يناسب الشخصية وثقافتها، ما دار بين السائق أبي العبد وزوجه: يقول الحاج أبو العبد:

- من خرج في طلب رزق العيال فمات مات شهيداً.

ترد أم العبد:

- الحمد لله أنك رجعت سالماً، والرزق على الله..
- تصوري يا أم العبد كل الأرض اللي أخذوها مش واسعاهم لاحقينا على القرية.
- اللي ما ابتسعه الأرض ابيسعه القبر..
- هو بس الأرض.. حتى الميه.

ولم يهمل الكاتب الحوار الداخلي في القصة؛ لأنه يقرب المتلقي إلى نفسية الشخصيات، ويجعله أكثر تعاطفا وإيجابية معه.

فقد حاول الكشف عن طبيعة الصراع الداخلي الذي تعاني منه الشخصية، عبر حديثها مع نفسها، وكشفها لما يدور في داخلها، ومن أمثلة المناجاة قول القاص:

"تهمس العجوز محدثة نفسها:

"حتى الماء يحتاج إلى طابور؟! القصة، 29 ).

جاءت المناجاة في المقطع السابق قصيرة وسريعة ومكثفة، تعبر بجلاء عما يدور في كوامن نفسها من خواطر وأحاسيس؛ الأمر الذي جعل تلك المشاعر تطفو على سطح النص، ويتفاعل معها المتلقي.

وفي موضع آخر يسجل القاص حواراً داخلياً يدور في نفس سائق صهريج الماء، يقول السارد على لسان سائق صهريج الماء؟!

"ربنا ستر، إن تثقيب الصهريج يمكن أن يكون لعبة مسلية للجند، فهم لا يكترثون لما يسببونه من كوارث للناس، وحينها يخرب بيتي، ويجوع أطفالي" (القصة، 33 ).

يلحظ المتلقي أن المقطع السابق يشتمل على حوار داخلي يكشف عما يدور في نفس سائق صهريج الماء من صراع محتدم على الأرض والوطن والحرية.

إن هذا النوع من الحوار الداخلي هو الأكثر كشفاً للشخصية؛ لأنها تتحدث فيه مع ذاتها، ولا يمكن في حال من الأحوال أن يكذب الإنسان على نفسه أو يخفي شيئاً عليه، بل يـُخرج من خلاله كوامن أعماقه ويعبر عن أحاسيسه وعواطفه. من خلال الحوار الداخلي يتعرف المتلقي على شخصية فاطمة التي تتكلم مع نفسها في القصة، يقول السارد:

"سفر.. سفر.." كل صباح ومساء أسافر إلى لقمة العيش المغمسة بالجهد والعرق والصبر والكرامة، خلق الله المسافات، وطريقنا إلى رغيف الخبز مرهونة بالمسافات، قدر الناس أن يعملوا ليأكلوا، وقدري أن أعمل لأعيل أسرتي" (القصة: 32، 33 ).

وفي مواضع أخرى من القصة يأتي الحوار الداخلي طويلا يستغرق زمنا طويلاً، وهذا الطول يبطئ من حركة القصة، ويذهب بجمالها ودلالاتها.

ويلمس المتلقي أن القاص وظف عبارة "سفر.. سفر" بصورة التكرار، إذ ترددت هذه العبارة في القصة غير مرة مثل قوله:

".. سفر.. سفر.. إلى لقمة العيش المغمسة بالصبر والعرق.." "( القصة: 36).

"سفر.. سفر.. شمس تروح وتجئ على حارات القرية " "( القصة: 37 ).

ويمكن القول: إن القاص من خلال المقطع السابق يكرر جملة "سفر.. سفر"، وهو هنا ينبه القارئ، على أن الحياة رحلة مستمرة من أجل البقاء، والقاص من خلال التكرار يؤكد الفكرة السابقة، مع الإشارة إلى قضية أخرى، ويكون هدف التكرار تثبيت الموضوع في ذهن القارئ، وكذلك شدّه نحو الموضوع المهم، بحيث يضمن الجو النفسي للحدث، وأن مجيء تكرار هذه العبارة لم يكن مجرد ترديد لمجموعة من الجمل الخالية من المعاني.

جاءت هذه العبارة بمثابة لازمة لغوية، وأداة ربط بنائي فني لأجزاء القصة الفني، تشده إلى بعضه بعضاً

استخدم الكاتب تقنية الوصف، ومن الأمثلة على ذلك، وصفه لجنود الموقع العسكري وحركاتهم ودواخلهم:

"... يبصّون في مناظيرهم يراقبون الشوارع والأزقة، يفتشون في حقول القرية عن حركة، يترصدون الحركة بمزاج عصبي فتخرج طلقة أو طلقات.. الجندي العصبي المزاج لا يعنيه كيف ومتى وإلى أين تخرج الطلقة، وفلاحو القرية لم تعد تعنيهم الطلقات، في مدارج الصبا يعيشون ويبحثون عن أرزاقهم ويتفلتون من الحصار بكل وسيلة ممكنة" (القصة: 32 ).

اتكأ القاص في الوصف هنا على أبعاد الوصف الخارجي والداخلي للجنود الرابضين على التلة القريبة من القرية، إذ وصف حركتهم ودواخلهم التي تنم على عدم مبالاتهم بحياة أهل القرية. ويلحظ المتلقي أن القاص مازج بين السرد والحوار في غير موضع من القصة؛ الأمر الذي عمق من تأثير اللغة في نفس المتلقي وأحدث لوناً من مشاركة الذات المبدعة رؤيتها وموقفها.

ومما يلفت النظر في القصة، اعتمادُ القاص على الاقتباس الصريح من القرآن الكريم، يقول السارد:

"لم تكن الأسئلة تلقى إجابات عن أسباب قصور مد شبكات الماء"، وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ،) الأنبياء: ٣٠ (وهي مقتبسة من قوله تعالى عن طريق الاقتباس الصريح لفظاً ومعنىً، وقد سلك في اقتباسه سبيل التنصيص، والتنصيص هو أن:

"الإيراد الواضح لنص مقدم ومحدّد في آن واحد بين هلالين مزدوجين، إنه تكرار لوحدة نصّية من خطاب في خطاب آخر".

وفي موضع آخر من القصة يقتبس القاص عن طريق المعنى، وذلك قوله:

"يدخل صهريج الماء، تنوء العجلات بحمله"، وهو مأخوذ من قوله تعالى: وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ، (القصص؛ ٧٦ ).

وقد وظف الكاتب تقنية الاقتباس الصريح والخفي من القرآن الكريم للدلالة على ثقافته الدينية؛ لتأكيد الفكرة في ذهن المتلقي، وإعطائها مصداقية وقداسة.

يعمد القاص أحيانا إلى تطعيم لغته الفصحى الحديثة باللغة العامية في الحوارات مثل ما أورده السارد:

- الماء نظيف يا حاج؟ سأل أحدهم يخاطب السائق الذي رد بتأفف:

- يا عمي نظيف.. والله العظيم من بئر البلدية.. هذا سؤال بتسألوه وانتو مش لاقيين ميه.

- بالله قول لرئيس البلدية مش معقول تاركنا من غير ميه، حصار واحتلال وكمان ما في ميه.

يهتف السائق:

- هي يا اللا.. المي انكبت على الأرض ارفع الجردل" (القصة ص 29).

يكتشف القارئ أن الحوار جاء في المقطع السابق باللغة العامية؛ لأنها في هذا الموضع أقدر على التعبير عن أفكار الشخصيات وتصرفاتها؛ ولأن التعبيرات الدارجة أدت المعنى المراد نقله بطريقة ميسرة ومتكاملة، ويتجلى من الحوار أسلوب البساطة والسهولة، وفيه ملمح خفي من أسلوب التهكم والسخرية ونقد الواقع الاجتماعي لإدارة البلدية التي قصرت في توصيل المياه إلى القرية، وقد وظف القاص هذه الشخصيات بطريقة تعكس تهكمه من الواقع الذي آل إليه حال الفلسطينيين.

إن قصة "من قتل فاطمة؟ " هي تركيب فني تتقابل فيه مجموعة من القيم والأفكار والمواقف، ويعكس الكاتب هذا التعارض بمعجم لغوي قصصي يستند إلى مجموعة من الثنائيات اللغوية: الحياة والموت، البساطة والإجرام، الخوف والأمن، التعب والراحة، البصر والبصيرة، المجيء والذهاب، العطش والري، باقية فارغة، ينقل القاص حواراً داخلياً لسائق الصهريج:

"...ِ شيء غريب أن تصبح قرية كاملة بأشجارها وناسها، دورها وقبورها، حياتها وموتها، خيرها وشرها، فقرها وغناها، لبسها وعريها.. مكانا يتسلى به بضعة جنود نزقون هبطوا من التلال إلى الشارع، أو نزلوا عبر المنظار إلى سلال الفلاحين وبسطات البائعين وصناديق العربات وصهريج المياه والخضار والفواكه وعلب الزيت، تلك تسلية نزقة لجندي أعمى البصر والبصيرة، جاء من أين لا نعرف، وذاهب إلى أين نحن نعرف، يريدونها فارغة، لكن قبورنا باقية.. فأي حماقة هذه التي يحملها الجنود ومن يرسلونهم.." ( القصة ٣٤).

ويتضح من السرد أن الكاتب كان يمنح لكل شخصية لغتها التي تناسب طبيعتها ومستواها الثقافي، فمثلا عندما يدور الحوار بين سائق الصهريج وبين أهل القرية يستخدم اللغة كما يتحدث بها الناس القرويون في عفوية وبساطة؛ لتناسب الموقف الذي يريد أن يعبر عنه، يقول السارد على لسان فاطمة الفتاة كاشفا عن مستواها الثقافي:

"... كل صباح ومساء أسافر إلى لقمة العيش المغمسة بالجهد والعرق والصبر والكرامة، خلق الله المسافات، وطريقنا إلى رغيف الخبز مرهونة بالمسافات، قدر الناس أن يعملوا ليأكلوا، وقدري أن أعمل لأعيل أسرتي" (القصة: 32 ).

هـ - الزمان

يمثل الزمان عنصراً أساسياً ومهماً من عناصر البناء القصصي، فالزمن "يشكل "لحم الحدث، وملح السرد، وصنو الحيز، وقوام الشخصية ".

ويلحظ المتلقي أن القاص لم يتطرق إلى الزمن في القصة إلا عبر إشارات سريعة، بيد أنها تحمل في جوانبها دلالاتٍ وأبعاداً كثيرة، ويلمس أن زمن أحداث القصة وقع زمن الاحتلال الصهيوني للأرض الفلسطينية، وزمن اتفاقيات السلام، ولم يحدد القاص لأحداث قصته يوماً بعينه؛ فلم يذكر يوم استشهاد فاطمة، وهو يوم ١ /٧ / ٢٠٠١م؛ لأنه جعل اليوم الواحد متكرراً في حياة أهل القرية، وأيام الشعب الفلسطيني في معاناته في ظل المحتلين الصهاينة،

ومن الإشارات السريعة الدالة على زمن الأحداث أنها وقعت في فصل الصيف، وفي نهار أحد الأيام الصيفية شديدة الحرارة، ويمكن للمتلقي أن يستشف ذلك من قول السارد: "تشتاق أكباد الناس إلى الماء في هذه الحرارة القائظة " (ص: 27).

وقلما يكون الزمان في القصة سائراً في السرد على وتيرة واحدة ممتدة من الماضي وصولاً إلى الحاضر، دونما تغيير في خط السير، إذ يقوم الكتاب بتفتيت الزمان من خلال استعمال تقنيات عديدة من أهمها: تقنية الاسترجاع وما تحوية من عنصر التذكر الذي يكسر رتابة خط سيره، وتجعل إيقاعه متناغماً مع الحالة النفسية للشخوص، فضلاً عن تقنية التقطيع (المونتاج)، فقد جعل القاص سائق الصهريج يتذكر أحوال أسرته وأطفاله، يقول السارد عن السائق في أثناء رجوعه إلى القرية، مازجا ذلك التذكر بالحوار الداخلي:

"تَذَكَّرَ أطفاله الذين ينتظرون عودته بالخبز والطعام، "سيظلون على قلقٍ حتى أفتحَ عليهم بابَ الدار " ( ص:٣٣ ).

يلحظ المتلقي أن القاص لم يلتزم بالنظام الزمني، بل حاول كسر التراتبية الزمنية، إذ بدأ القصة بالحديث عن دخول صهريج الماء إلى القرية، ثم انتقل إلى الحديث عن فاطمة، ثم رجع للحديث عن دخول صهريج الماء إلى القرية مرة أخرى، ثم عاد ليتحدث عن استشهاد فاطمة، ويختم ذكر الأحداث بعد ذلك بالربط بين دخول صهريج الماء، وتشييع جنازة الشهيدة فاطمة، وهذا التنويع والتلوين في تفتيت أحداث الزمان يعمق من أحداث القصة، ويمنحها الحيوية والحركة، إلى جانب توظيفه تقنية القطع المكاني، إذ كان يتنقل بالقارئ من مكان إلى آخر، استثمر الروائي في تصوير هذا المشهد الدرامي الإمكانات الفنية التي يوفرها أسلوب القطيع السينمائي الذي يقدم مشاهد متنوعة في إطار لوحة فنية متكاملة؛ الأمر الذي أثرى النزعة الدرامية في النص السردي، ومنحها قدرة على التأثير في وجدان المتلقي وإحداث المشاركة الوجدانية معه.

وقد وظف القاص كذلك الوقفة الوصفية، بمعنى أن القاص يعمل على تبطئة أحداث الزمن، ففي الوصف المكاني يصف القاص معاناة الشخصيات زمن الاحتلال، إذ يعرض مشهداً من مشاهد معاناة القرية، يقول السارد:

"أغلق الجنود الشارع، تصطف العربات القادمة إلى القرية في طابور يمنعها من الدخول وقوف الجنود عند أول الشارع، لا إذن بالمرور إلا إذا أشار صاحب الخوذة.." ( 31).

و - المكان:

تدور أحداث القصة في قرية بيت دجن الواقعة شرق نابلس، وقد جعل منها القاص مكاناً معيناً ومحدوداً؛ بهدف توضيح بعض الأحداث، وتوصيل رسالة للقارئ، مؤداها تصوير المعاناة التي يعانيها أهل هذه القرية في ظل الاحتلال الصهيوني وممارساته الإجرامية وإجراءاته التعسفية تجاه الشعب الفلسطيني: من نقص للمياه، وتقطيع للطرق، ووضع الحواجز العسكرية، وإقامة المستوطنات، ونصب المواقع العسكرية، وقد غدت قرية (بيت دجن) رمزاً للقرى الفلسطينية التي حظيت بحضور واضح وبارز؛ بوصفها نموذجاً لمئات القرى التي يعاني أهلها ممارسات الاحتلال البشعة ؛ وباعتبار أن ما حدث في هذه القرية يشبه إلى حد كبير ما تعانيه نظيراتها الأخريات مع اختلاف لا يكاد يذكر في قليل من التفاصيل، إذ حفلت القرية بمساحة جغرافية واسعة من اهتمام القاص: طرقها وشوارعها وتلالها وناسها، وزعترها البري.

وقد وظف القاص في قصته هذه، فضاء القرية؛ بوصفه فضاءً مفتوحاً، مولداً لتوترات الأحداث، وهو هنا يشترك مع مجموعة من الكتاب الفلسطينيين الذين جسدوا فضاء القرية في أعمالهم الأدبية، كغريب عسقلاني، وعلي عودة، ومحمد نصار؛ لما لها من خصوصيات ومميزات تعكس نمط الحياة في البيئة القروية التي وقعت تحت نير الاحتلال الصهيوني، وذاقت مرارة ممارساته البشعة.

ومن المعلوم أن المكان في القصة يتلون بلون الأحداث، ويعمل على استكشاف أبعاده، وآفاقه المختلفة، وقد جاء المكان؛ ليمثل الخلفية التي تقع عليها أحداث القصة، وكان له دوره الواضح في التأثير في سلوك الأشخاص، وفي توجيه تصرفاتهم، وبلورة نفسياتهم، يقول السارد في حوار داخلي لسائق الصهريج، وهو حوار مبني على المفارقة التصويرية:

"....شيء غريب أن تصبح قرية كاملة بأشجارها وناسها، دورها وقبورها، حياتها وموتها، خيرها وشرها، فقرها وغناها، لبسها وعريها..(ص 34 ).

وفي نهاية القصة يتخذ القاص من المكان رابطاً بنائياً لأجزاء المعمار الفني للقصة، يقول القاص:

"... شمسٌ تروح وتجيء على حاراتوعند تشييع جنازة القرية، تمسح وطأة الحزن عن أكتافها، وتمر على حناجر العصافير، والأيتام، والثكالى، والقبور، والحقول، فتنمو حكايات كثيرة عن جندي يتلهى بالقتل دون سبب.." ( ص37).

ارتبط المكان بالشخصيات، فأي مكان يقترن بقاطنيه، وتقيم الشخصية مع المكان علاقة نفسية فهي تحب المكان وتتوحد معه، يقول السارد:

"الهواء الزعتري القادم من التلال يسري في الروح ويبعث في القلب حباً مجنوناً للمكان، يقول في نفسه.."لن أتنازل عن العودة غداً مرة ثانية بالصهريج مملوءاً بالماء للقرية مهما تحامق الجند"، وهتف بصوت مخنوق:

"الرب واحد والعمر واحد "(ص:. 35)

يكشف النص السابق عن أن الشخصية تتأثر بالمكان، والمكان يؤثر في الشخصية، فشخصية سائق صهريج الماء مثلا مسكونة بحب القرية، والتعلق بها حتى الجنون، والتفاني في خدمة أهلها، فالعلاقة بينهما متبادلة، إذ إن المكان قطعة شعورية وحسية من ذات الشخصية.

وصفوة القول: يمكن للمتلقي أن يستخلص من نهاية هذا التحليل أن القاص عبد الله تايه قد نجح في سبك عمله الفني الذي جسد واقعاً مليئاً بالمعاناة والأسى من جراء الممارسات الصهيونية البشعة تجاه الشعب الفلسطيني. وتصوير الواقع الفلسطيني المعيش الذي يعج بالصراع والتوتر والاختلال بين أهل القرى الفلسطينية والاحتلال الصهيوني في أوضاع سياسية واجتماعية مختلفة ومتفاوتة في نمط القيم والأفكار.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى