الثلاثاء ٢٧ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٠

ما الذي قصده نيتشه بعبارة: مات الله، ونحن قتلناه

محمد كريم إبراهيم

هناك العديد من الاتهامات من قبل الخبراء والمثقفين ضد الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه بكونه ملحد ومعادي للأديان وناصر للعلم على الإيمان. الجملة التي يستدلون بها هي من كتابه (العلم الجذل) على لسان شخصية "رجل مجنون" يحمل مصباحاً ويبحث عن الله في الشوارع والأسواق، ويقول بعد رفض الناس الاستماع إليه: مات الله. و الله يبقى ميتاً. ونحن قتلناه.

لم يصرح نيتشه بوضوح عن دينه، بالرغم من ترعرعه ككاثوليكي مسيحي، لعله بسبب الشحنات السلبية الدينية التي تواجدت في القرن التاسع عشر الذي عاش فيه. فكان هناك بعض المتدينين المتطرفين الذين كانوا يهاجمون الشخصيات المعروفة والمشهورة، ويهدمون سمعتهم ويطردونهم من وظائفهم.

على أي حال، لم يقصد نيتشه موت الله حرفياً، ما أراد أن ينقله من هذه العبارة هو أن أخلاقيات الدين والأنظمة الدينية من الكنائس والقساوسة وقوتها انتهت بسبب العلم وتطوراته التي بدلت الإيمان باليقين عند العقل البشري. عصر التنوير أسقطت دور الدين في تنظيم المجتمع وتكوين طبقات دينية قوية فيه، وكذلك أسقطت دوره في السياسة والتدخل بشؤون الدولة.

لم تعد حياة البشرية في عصره منظماً حسب ما تقتضيه الأديان، بل أتجه جميع الناس في تنظيم حياتهم على أساس العلم والدراسات وما ينصحه العلماء. مما أدى إلى انهيار الأخلاقيات الدينية وسلوكيات الروتينية من الصلاة والذهاب إلى الكنائس وغيرهم. هذا ما كرهه نيتشه وما كان يريد أن يستهدفه في كتابه (العلم الجذل).

لم يأتي العلم بنظام بديل للدين، بل جاء بالفوضى والعشوائية، وفسر كل شيء عن طريق تطور الكائنات والسيكولوجيا والأحياء والكيمياء والفيزياء، انتهى عنده التزام الإنسان بمسؤولياته وتحَرر من أخلاقياته. السياسة أصبحت بلا هدف بدون الدين، بل نحن فقدنا المعنى العابر للأحاسيس من دون الدين، ليست هناك قيمة من وجودنا من دون الدين.

لنكن منصفين لفلسفة نيتشه، فهو كره الدين المسيحي لا شك في ذلك، لأنه رأى بأن هذا الدين يشغل الإنسان عن الحياة بالآخرة، ويبعده عن مرغبات الدنيا، ويجعله خاملاً كسولاً في هذه الحياة لا ينتظر فيها سوى الموت والانتقال إلى عالم آخر ميتافيزيقي. لذلك أراد أن يستبدل الدين المسيحي بدين آخر (زرادشتية)، التي هي أقل دعوةً للآخرة وأكثر تفاعلاً مع الحياة الطبيعية. فهو من ناحية, كان ممتن للعلم بإسقاط الدين، ولكن من ناحية أخرى بغض العلم لخلقه فراغاً أخلاقيا ومعنوياً.

ما عليك أن تعرفه عن نيتشه هو أنه قدم المشاعر على المنطق. بل حارب المنطق بكل ما أوتي من قوة، حارب سقراط وتعاليمه، حارب عقلاء أثينا، حارب كل العلماء الذين كانوا يقولون بأن المنطق والعلم والتفكير هو ما يعطي للحياة معنى وقيمة، والذين قالوا أن العلم هو المذهب الوحيد للبشر لأتباعه من أجل الخلاص. أراد نيتشه أن يعيش كل إنسان بطبيعته وبتهوراته وبمشاعره الموروثة، وليس أن يعيش وفق منطق أو مذهب معين ما يمنعه من التعبير عن طبيعته ورغباته وحاجاته البشرية.

لذلك السبب، نحن قتلنا الله ودينه، أنا وأنت، بعلومنا ومنطقنا. العلم قتل الميتافزيقيا، عالم الأحاسيس غلب عالم الخيال والغير المحسوس. لقد رفضنا قوانين الإلهية وأخلاقيات دينية، و فسرناها جميعاً كمجرد أساطير، خالية من الأدلة والمنطق. أنتهى عصر الآلهة وأديانهم، وسقطت الطبقة الدينية التي كانت تنظم حياة البشرية وحضارته لمدة 7000 سنة.

نحن الآن في عصر العلوم والمنطق والبراهين. لكن تلك العلوم الإلحادية العدمية جردت حياتنا من القيم الأخلاقية، مما أدى إلى انحلال الأفراد والمجتمع، وأدى إلى الفردية بدل من أن يتوحد البشر وينظم تحت فكرة معينة، وأدى إلى تبرير الحروب والقتل والسرقة لأغراض مادية بحتة. لقد كره نيتشه ذلك.

أراد نيتشه تنظيمات الدين وأخلاقياته التي تنظم المجتمع وتصقله وتوحده ثم تعطيه قيم ومعاني وأهداف في الحياة الدنيا. لكنه رفض جانب من الدين الذي كان يدعو إلى ترك الحياة وملذاتها، والتي كانت ميتافيزيقية مجردة من الأحاسيس والمشاعر، وهو السبب نفسه لرفضه جانب من العلم الذي يدعو إلى المنطق المجرد والابتعاد عن الانسانية والشخصنة واللجوء إلى العقل وتقديمه على المشاعر في شتى مجالات الحياة. فالعلم المفرط كالدين الذي يبعد الإنسان عن نفسه ويغتربه عن طبيعته ووراثته وتلقائيته.

لذا، هذه الجملة لا تحمل معنى حرفي، ما كان يقصده نيتشه بموت الله وقتل البشرية له هو انهيار الدين وانحلال الأخلاق وسقوط نظام الذي كان يرتب المجتمع في السابق بسبب تقدم العلوم والتقنيات. المقصد الآخر من الجملة هو البحث عن نظام آخر بدلاً من الأديان لترتيب المجتمع وابقائه نظامياً وأخلاقياً.

محمد كريم إبراهيم

مشاركة منتدى

  • قيل الكثير بشان قضية موت الالاه عند نيتشه فاحتار المفسرون في المغزى الدي كان يرمي اليه نيتشه من خلال هده المقولة الشهيرة تساءل البعض اد الموت يقتضي وجود حياة قبل الموت وهدا اعتراف ضمني للوجود الالاهي ثم هناك فريق يقول بان نيتشه ينكر وجود الالاه
    بيد ان ان المنطلق الدي ينطلق منه نيتشه لاينظر من زاوية المتفلسف الانطولوجي الدي يبحث في الماورائيات عن الحقيقة ولعل ما يدل على الطرح هو ان نيتشه نجده في احد كتبه لااتدكر بالضبط الكتاب الدي يقول فيه لااطرح اسئلة غبية مثل الاسئلة الميتافيزقية التي كان يطرحها الفلاسفة الكلاسيكيين حول الاللاه والموت والروح والبعث الخ
    يبدو ان الحديث عن الالاه من منظور نيتشه مقرون بالاخلاق ففي القرن التاسع عشر قرن قيام الدولة القومية وظهور الحداثة التي اصبحت العقيدة الجديدة التي غزت كل الميادين الاجتماعية واصبح الانسان يحتكم الى المعايير الاقتصادية والاحتماعية لا الى التفسيرات الماوراءية فالقيم الحداثية المستوحاة من الفلسفة المادية كالعقلانية والحرية هي العملة الصعبة المتداولة في العصر الدي عرفه نيتشه
    فللقول بموت الالاه لم يكن الا التقاط الصورة ان صح التعبير لدالك الواقع المزامن لحياة نيتشه ولما كان نيتشه ابن عصره ولم يكن سوى المراة التي تعكس دالك الحو الثقافي
    من المعلوم ان نيتشه كان يكن عداء للمسييحة لم يسبق له نظير اد كرس كل حهده مستخدما سلاح العقل لمحاربتها والتصدي لها في كل مناسبة اتيحت له للتقليل من شانها ودحضها ولما لم تكن المسيحي من منظور نيتشه لا تتماشى مع قيم الحياة الارضية بحيث تدعو التضحية باحاسيس ومشاعر الحياة الانساني بل تعوق السعادة الانسانية الحقة اعتبرها قيمها عدمية ومن تم فموت الالاه الدي يصدر قيم مثل القيم المسيحية لابد من قتله ودفنه حتى يفتح المجال للمبادرة للبحث عن قيم اخلاقية جديدة تضخ دم جديد وتبعت حياة جديدة مغايرة لتلك الحياة التي تنشرها الاخلاق المسيحية وهكدا فموت الالاه يعنى موت الاخلاق المسيحية وفسح المجال لاخلاق جديدة يجسدها الانسان العلوي والدي لم يكتب لينتشه الحفاظ على قواه العقلية كي يبرز ملامح دالك الانسان صاحب ارادة القوة

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى